إستبرق أحمد: صندوق

احتارت، وجدت الصناديق أقل مما توقعت.

اتصلت تطلب المزيد..

ستغادر هذه البلاد على مضض، بلد سعيد بخيراته، والسنوات الخمس انقضت. الحظوظ ناصرتها إلّا في ورقة اليانصيب للبقاء النهائي، أو تقليل مدة الرحيل.

ضاعفت محاولاتها في الأشهر الأخيرة، لتستميل أحدهم فترتبط وتنجو.

تذللت وابتذلت إذ تنهار الخطة بسؤال الجميع عند ارتفاع موجة الإعجاب بها:

– كم بقي لكِ هنا؟

تجيبهم، يبتعدون كالملسوعين عند معرفتهم أنهم ضحايا. يرجمونها بصخر الكلمات المهينة. لم تهتم، فلم تتأجج مشاعرها إلا نحو قلة. تقهقه بألم عن انحدارها، في محاولتها اليتيمة تجاه جارتها الهادئة، عندما حاولت التقرب منها في المصعد في مشهد إغواء بائس وسخيف، فصدتها مشمئزة بنظرتها الحادة، ونهرتها بيدها.

لم تستطع الخروج عند وصولهما إلى الطابق الذي تقع فيه شقتاهما، خجلها سمّرها في مكانها، كأنها لو تحركت سريعًا لتكسرت وتناثرت على الأرض. بقيت في ركنها دون أن تضغط أي زر ليهبط المصعد، لاعنة فكرتها التي هوت بها إلى الأسفل.

مضت الأيام، وهي قابعة في شقتها تفكر بوجع مهانة لا ينحسر.

رن الجرس

مستلقية على الأريكة، بجانبها طاولة صغيرة، علبة مشروبات معدنية مكوّرة، وأوراق الإجراءات الرسمية مبعثرة. نظرت ناحية النافذة الواسعة، منذ أسابيع زاد السقوط الحر لمن هم بحالتها من أعلى المباني، أخبرتها صديقة بذلك، وباتت تعتذر، وتتصل بها كثيًرا خوفًا من أن تقدم على ذلك.

رن الجرس

لا فضول لديها يسبقُ الصناديق التي ستُرسلُ اتصالًا من وزارة النازحين.

همست:

اللعنة على قرار “رحمة وسلام 5/0” وإدراجه باتفاقات إلزامية، “كيانات متغطرسة” بررت عدم بقاء النازحين أكثر من 5 سنوات في البلاد، لتوفير فرصة إحلال غيرهم. قيل نظام منصف.

طبّقهُ عليها مرّتين، أعيدت في الأولى لموطنها الخليجي كما تنص اتفاقية الترحيل الإجباري.

شاهدت خليجًا تسكنه شهوة تدمير مدنه، هدمها وإعادة خلقها دون أن تشبهه، يقترب من التعافي فيُسقطه غاصب آخر. 

بعد مغادرتها بأشهر قليلة، انفجر الوضع وابتلعت الأرض سكانها مرارًا، ولفظتهم إذ خلافاتهم المريرة لا تطاق. وأما في الثانية، فأخذها اللجوء لشمال آخر، وانقضت السنوات الخمس سراعًا.

طرق الباب..

في السنة الأولى من إقامتها، عاينت معاناة زميلتها من المستقرات/ المواطنات، من مطاردة نازح، يائس، رغب بمعجزة الارتباط، وهو في السنة الأخيرة ولم تحبه، استدان وعرض مبلغًا، توسل لفرصة البقاء أو التظاهر بأن الحب يجمعهما ليُراجَع ملفُه، فتقل مدة الإقصاء من سبع سنوات إلى ثلاث فقط. يوميًا يطرق بابها متوسلًا، هددته بالإبلاغ ونفذت، ليبُعد قبل انقضاء مدته مختومًا على بطاقته بعدم الرجوع نهائيًا.

رن الجرس..

رفعت جذعها وعدلت جلستها، لمحت لمحت “جزيرة كوكا كولا” في منتصف الورقة، همست:

أفضل بما لا يقارن من الخليج الفوار بحروبه.

تركته موطنًا، اعتادت ألاّ تفكر بأهلها فلا تتألم، ولا تشعر بالنبذ هنا في هشاشة الأواصر، إذ لا يستحق النازح دائمًا روابط الصداقة.

رن الجرس..

ارتعشت.

حذروها من زمرة التصفية، تنطلق بازدياد أرقام اللاجئين، وبتوهج نور طارئ على أسطح بيوت النازحين، يراها المواطنون فتتبعها صرخة: من أجل أبنائنا؛ يزداد التلصص عليهم، الإبلاغ عن مخالفات، مضايقتهم، ملاحقتهم وكثيرًا ما تنفلت الأمور لتصفيتهم في تعامي السلطات عن موجات العنف. وتفتح بوابات الشواطئ الفولاذية، تلقيهم وليمة للبحر بأحكام صارمة، تخترقهم رصاصات مدفوعة القيمة من ضرائبهم في حالة عدم الانصياع.

ولم يضئ الزر قط في أثناء سنواتها.

رن الجرس..

الذهاب للجزيرة المعزولة إلا من مصانع كوكا كولا ومساكنها الجماعية، لتعمل وتعمل.. وتعمل، هو عرض مُجْزٍ، فالشركات لها أراضٍ خاصة، تشتريها أو تؤسسها دولًا لها قوانينها الأشد صرامة في العمل والأكثر أمانًا.

رن الجرس..

قال لها مديرها إنها موظفة نادرة، ولم يسعَ لاستبقائها.

تعرف أن الندرة ليست سببًا للاحتفاظ بها، وإنما لخيار إقصاء مريح. وحده الارتباط وتأسيس أسرة هو الحل الوحيد، هم يريدون شعبًا يبتلع غيره ولا ينمحي.

رن الجرس..

طُرق الباب ورُفس.

قفزت، تحركت قدمها فأسقطت من الطاولة الصغيرة علبة معدنية بها ملاعق وسكاكين صناعة خليجية هدية والدتها الوحيدة، ضايقها الصوت العالي، أحالها لصيحات أخواتها الفرحة في آخر عشاء، فأغمّها.

قامت، اتجهت إلى الباب، ضغطت على زر الشفافية بانت الجارة. بُهتت.

استغربت قدومها. دَخَلت.

عاجلتْها بابتسامة قصيرة وسؤال خانق:

  • كم بقي لك؟
  • لم أفهم.!
  • ألست نازحة وستنتهي مدتك؟
  • صحيح.
  • إذن؟ 
  • أسبوع.
  •  يكفي.

لم تسمع يومًا صوت الجارة إلا منخفضًا، فلم تدرك رخامته وعمقه إلاّ بقولها:

–  أعرف أنك مندهشة لوجودي. حسنًا ليس أمامنا الآن سوى تقليل سنوات ترحيلك. ستكونين في جزيرة كوكا كولا؟

 –  نعم، كيف عرفت؟

ابتسمت، قالت:

 –  بحثت خلفك.

الاتفاق

لم يكن فتح الملف صعبًا، أرادت اللجنة بيانات محددة، أصدرت بعد اجتماعها قرارًا بالترحيل والعودة بعد ثلاث سنوات. بسهولة متناهية غادرت الجارة بدلًا منها، إذ من يرغب بالإبعاد حتى تعامل أوراقه باهتمام عالٍ؟ مارستْ حياتها بكل تفاصيل جارتها الوحيدة بلا أصدقاء، ولا أقارب، وهو ما سهّل الاتفاق.

تعاطفت معها لقولها:

-أبحث عن نازح أضعته بالرفض منذ سنتين، وثلاث سنوات في كوكا كولا كافية قبل العودة المؤكدة للبلد.

طرق الباب، رن الجرس، فُتح خطاب..

وقف الموظف متأسفًا، أعطاها صندوقًا فيه كل الحاجيات، مؤكدًا على تفاني الجارة في العمل وموتها بحادث مؤسف.

كانت تنتظر منذ فتحها خطاب الجارة، طالبة منها الاطلاع عليه بعد شهرين من سفرها، قرأت فيه:

لم أكذب، أردت الذهاب والموت، الرجل الذي أضعته في جزيرة كوكا كولا لم ينجُ، رجل لم أعرف أنني أحبه بعمق الهاوية، عندما بحثت ووجدتك ستذهبين هناك، أعطيتك حياتي مقابل أن أكون هناك أرى مكانه الأخير، ما واجهه وعاناه، ثم أغادر منتحرة.

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like