منذر السليمان: الانحياز إلى النِّسوية.. بين الاختيار والمحاكمة المجتمعية

لعل كلمة “نسوية” (Feminism) من أكثر الألفاظ التي تشرئبّ لها آذان الرجال منذرةً بالخطر عند التقاطها، ولا سيّما في عالمنا العربي، إذْ يتفجّر الأدرينالين في عروقهم، فتتسارع نبضات القلوب وتتسع العيون جاحظةً، وتتخذ الأجساد وضعية الاستعداد للهجوم تلقائياً، وكأنها بُرمجت على ذلك بشكلٍ مُسبق. والمفارقة هنا، أنَّ الأمر لا ينحصر بالرجال فحسب، فقد نجد في الصف الأول بعض النساء أيضاً وبكامل جاهزيتهن! غير أنَّ الحديث عن هؤلاء النساء يمكن تأجيله إلى مناسبة أخرى.

مما لا ريب فيه أنَّ الحركة النسوية لا تحمل أيَّ أفكارٍ معادية للرجل، وأنها ليستْ مجرد حركة تسعى لتمكين المرأة، وإنما هي في حقيقة الأمر دعوة لإنصاف الإنسان، بغضّ النظر عن جنسه، ومن ثم فإنَّ ما تقدمه من طروحات امتداد طبيعي للمبادئ الإنسانية. وأنا لست هنا لاستعراض أفكار ومراحل تطوّر الحركة النسوية، فبإمكان أيٍّ منَّا الاطلاع على كل تلك التفاصيل من خلال عشرات المقالات التي تناولتْ طروحاتها وتاريخها ونشاطاتها على شبكة الإنترنت. لكنني سأقف قليلاً عند جزئية أراها مهمة، وهي علاقة النِّسوية بالتَّطرف، التي ربما كانت سبباً في عدائية الرجال لها.

النسوية حركة ذات توجهات متطرفة

كثيرون من يحملون هذا التصور عن النسوية في أذهانهم، وهذا الانطباع غالباً ما نَشأ لدى البعض منهم عن سوء فهم لطروحاتها، لكنه في الوقت نفسه كان فعلاً مقصوداً من البعض الآخر. وكما في أي حركة فكرية أو اجتماعية، وُجدت داخل الحركة النِّسوية تيارات معتدلة وأخرى متشدّدة أو متطرفة، وقد تم تضخيم بعض الأصوات النسوية الحادة إعلامياً وكأنها تمثل الحركة برمتها.

من تلك الأصوات الكاتبة فاليري سولانس (Valerie Solanas)، التي دعت في بيانها (SCUM) عام (1967) –وهو اختصار لعبارة “المجتمع من أجل اجتثاث الرجال”– إلى إلغاء الرجل كلياً من الحياة العامة، وارتأت أنَّ وجودَ الرجل، هذه النسخة المشوَّهة بيولوجياً عن الأنثى، غير ضروري، إضافةً إلى كونه سبباً لكل الحروب والجرائم وسواها من الشرور على مرِّ التاريخ، ومن ثم يجب الاستغناء عن الرجال كلياً.

كذلك دعت كاتبات أخريات من أمثال شولاميث فايرستون (Shulamith Firestone) وكيت ميليت (Kate Millett) إلى رفض الزواج بوصفه “أداة استعباد للمرأة”، وإلى تفكيك مؤسسة الأسرة باعتبارها أداة “قمعية” صُمّمت لإبقاء المرأة تحت هيمنة الرجل وإعادة إنتاج القمع وعدم المساواة.

تلك الأصوات النشاز كان لها أثر بالغ في تشويه صورة الحركة النسوية، التي في جوهرها لم تكن حركة انتقامية تهدف إلى إلغاء الرجل أو استئصاله، ولا ترفع المرأة على حساب الرجل أو تضع كلاً منهما في مواجهة الآخر، وإنَّما تسعى إلى إلغاء الفجوات غير العادلة بينهما، وإلى المساواة في الفرص والحقوق. فالنسوي: “شخص يؤمن بالمساواة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بين الجنسين”. بهذه الكلمات البسيطة والمختصرة في كتابها “لماذا يجب أن نصبح جميعاً نسويين؟” أعادت الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي تعريف النسوية، مشددة على أنها ليست كراهيةً للرجال، ولا رفضًا للأسرة أو الحب أو الأمومة.

وإذا كان بعض الرجال –وبحسن نية– يرفضون النَّسوية لأنهم لم يتمكنوا من فهم حقيقتها بسبب تلك الطروحات المتطرفة التي تم استغلالها وتأطيرها بها من قبل الرافضين لها، فإنَّ كثيرين منهم –وبسوء نية– لا يريدون رؤيتها والتعاطي معها إلَّا من خلال تلك الطروحات. ويمضون بكل ما أوتوا ساعين إلى شيطنتها وشيطنة الناشطات والداعيات لها وتشويه شخوصهن بشتى الوسائل، دفاعاً عن قائمة الامتيازات التي يتمتعون بها -وهنا لا حاجة بنا إلى استعراض قائمة الامتيازات التي يتمتع بها الرجل على حساب المرأة في المجتمعات الأبوية- وأما إذا ما انضم إلى صفوف النسويات صوتٌ ذكري، فسرعان ما ينهال عليه من التشويه ما يفوق نصيب النساء أنفسهن.

الرجل النسوي موصوم بالعار

أنْ يُوصم الرجل المناصر للنسوية بالعار من قبل أفراد المجتمع، ليس بالأمر المستغرب، وعلى وجه الخصوص في ثقافاتنا الشرقية التي ما زال سائداً فيها المفهوم التقليدي للرجولة. ذلك المفهوم القائم على الهيمنة والسلطوية والصلابة وكتمان المشاعر، وعلى ربط الشرف بالنساء وجعل الخشونة والفحولة مقياساً للقيمة، لا على النضج الإنساني أو المسؤولية الأخلاقية.

فالرجل الذي يتخلى عن بعض الامتيازات الموروثة، التي يرونها حقاً مسلَّماً به، يُنظر إليه باعتباره متخلياً عن “رجولته”، أو ضعيفاً أمام المرأة، أو حتَّى خائناً لمعسكره الطبيعي. وسيبدو وكأنه يهدد ركائز النظام الأبوي المتوارث منذ قرون، ويصبح هدفاً للتشكيك والطعن والسخرية. ولا يتوقف الأمر عند المجتمع العريض، بل يمتد إلى الدوائر الأكثر حميمية كالعائلة والأصدقاء. إذ كثيراً ما يُعامَل الرجل النسوي من قبل المقربين منه باعتباره شخصاً “منكسر الإرادة” أو “ضعيف الشخصية”. وهو ما يجعل الانحياز إلى قيم العدالة والمساواة موقفاً شجاعاً يستلزم قوة داخلية لمواجهة هذا الرفض المتجذر، بل ومجازفة كبيرة.

وفي هذا السياق تشير الكاتبة والناشطة بيل هوكس في كتابها إرادة التغيير (The Will to Change: Men, Masculinity, and Love) بما معناه: “إنَّ الرجولة تتطلب من الرجال أن يخنقوا مشاعرهم ويقتلوا الجوانب العاطفية في أنفسهم، وإذا ما فشلوا في ذلك، فإنهم سوف يواجهون رجالاً آخرين من النظام الأبوي يهاجمون احترامهم لذواتهم”.

غير أنَّ مواجهات الرجل النسوي لن تنتهي عند الرجال فحسب، وإنما ستكون مفتوحة حتى مع النساء أيضاً. ففي كثير من المجتمعات، تنظر بعض النساء إلى الرجل المؤيد للنسوية بنظرة الريبة، وكأنه خرج عن المألوف أو تخلى عن رجولته التقليدية، ويُفهم دعمه للمرأة على أنه ضعف أو تملق أو محاولة للتماهي مع النساء، فتتولد لديهن نظرة سلبية تجاهه رغم أصالة موقفه، وأحياناً يُرى الرجل المناصر من قبل النساء كغريب في معترك الرجولة، وكأن دعمه للمرأة خيانة لنسق الحياة الذي عَرَفْنَه، وتهديد للمألوف الاجتماعي.

إذن، لماذا أنا كرجل، منحاز للنسوية؟

سؤال كانت قد طرحته عليّ صديقة عزيزة، بعدما قرأت لي عملاً أدبياً تناولتُ فيه طروحات نسوية. وقد شعرت –وربما أكون مخطئاً– أنَّ في صيغة سؤالها شيئاً من الغمز، أو لنقل مسحة من التشكيك في موقفي تجاه المرأة، وهو حق مشروع، ذلك أنَّ إحدى شخوص العمل الأدبي –وهي من النسويات– كانتْ قد ذهبتْ إلى أبعد مسافة يمكن أنْ يُصوّرها خيال في تطرفها تجاهَ الرجال.

لقد كان السؤال مباغتاً لي، فأنا حقيقة لم تخطر لي سابقاً فكرة الانحياز أو عدمه، فمن البديهي أنني كنتُ على الدوام متعاطفاً أشد التعاطف مع النساء لما تعرَّضن له من مظلومية عبر التاريخ المقروء للبشرية وما زلن… وقبل سنوات مضت، وفي يوم المرأة، بلغ بي الحماس أنْ نشرت على الفيسبوك “بوستاً” مطولاً افتتحته بهذه الكلمات:

“كان حَرِيّاً بهم أنْ يُخَصِّصوا يوماً للاعتذار وطلب الصَّفْح والسماح منها، بعد قرون طويلة أخضعوها خلالها لكل صُنوف الإذلال والامتهان وسلب الإرادة…”.

واليوم، بعدما استفزّ السؤال عقلي، أرى أنَّ ما تنادي به النسوية من حقوق لا ينفصل أبداً عن قناعاتي بحقوقي الشخصية. إذْ كيف يمكنني أنْ أعتبر نفسي إنساناً حراً سوياً إذا لم أقرّ أنَّ للمرأة مثلما أرجوه لنفسي من حقوق، فأكون كمن يضع كفَّه على إحدى عينيه، فلا يرى إلا ما هو حق للرجال دون النساء.

بالنسبة لي، لم أتعاطَ مع النسوية كفكرة عابرة ولا كموقف فكري، بل كانت تجربة يومية تتجسد في علاقاتي ورؤيتي للعالم، وفي كل مرة كنتُ أرى امرأة تُقصى أو تُعامل بمعايير أدنى من الرجل، أجد نفسي منحازاً لها، ليس لأنها امرأة، بل لأنها إنسان، ولأن الدفاع عنها دفاع عن العدالة ذاتها.

خلاصة القول، وحتَّى لا أسهب، أرى أنَّه، وبعيداً عن منطق الاصطفاف والعسكرة، فإنَّ أي إنسان –رجلاً كان أو امرأة– يؤمن بالعدالة وبالكرامة هو منحاز للنسوية دون أن يقرر ذلك من عدمه، فالعدالة لا تقبل القسمة، ولا معنى لحرية أطالب بها لنفسي بينما يُحرم الآخر منها، ولا يعنيني إنْ كان هذا الآخر رجلاً أو امرأة، فإنصاف المرأة استحقاق إنساني لا يُمكن التنازل عنه.

النسوية كتحرر مشترك

لعلنا نحن الرجال، إذا ما نظرنا إلى النسوية من باب المصلحة، لوجدنا فيها أفقاً لتحررنا أيضاً، فالنظام الأبوي لا يقيّد النساء فقط، بل يفرض على الرجال أدواراً جامدة، إذْ عليهم أن يكونوا الحلقة الأقوى على الدوام، مسيطرين، صامدين أمام الانكسار العاطفي، هذه القوالب تجعل من المفهوم التقليدي للرجولة عبئاً ثقيلاً، فيما تتيح النسوية إمكانية أنْ يكون الرجل إنساناً كاملاً، متوازناً بين قوته وضعفه، قادراً على التعبير عن مشاعره دون وصم.

من هنا، يصبح دعم المساواة موقفاً عقلانياً، لا مجرد نزعة أخلاقية، فالمجتمعات التي تنجح في تقليص الفجوة بين الجنسين تشهد استقراراً اجتماعياً واقتصادياً أوفر، وتوازناً أكبر في العلاقات الأسرية، ومشاركة أوسع في المجال العام، مما يجعل من النسوية مشروعاً إنسانياً متكاملاً ينعكس أثره على البنية الاجتماعية برمتها، والفكر النسوي لم ينحصر في الدفاع عن المرأة وحدها، وإنما كان على الدوام ذا بُعد إنساني شامل.

وفي هذا السياق ذكرتْ سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر: “لا تُولد المرأة امرأة، بل تصبح امرأة”. تشير هذه المقولة إلى أنَّ التمييز ليس قدراً بيولوجياً، بل بناءً اجتماعياً قابلاً للتفكيك وإعادة التشكيل. والرجل النسوي حين ينخرط في هذا الوعي، فإنه لا ينحاز إلى النساء ضد بني جنسه، بل يضع نفسه في صف العدالة ضد أشكال القمع أيّاً كان مصدرها.

وفي النهاية أقول: إنَّ النسوية ليست ترفاً فكرياً ولا شعاراً عابراً، بل معركة ضد منظومة نسجت تاريخها على التفاوت والهيمنة، من يرفضها لا يدافع عن قيم، بل عن امتيازات واهية صنعها العُرف وقدّسها الخوف، وهنا، ومن منطلق إنساني لا اصطفافي، لا مجال للوقوف على الحياد، فإمّا أن تكون في صف العدالة، أو أن تكون شريكاً في ترسيخ الظلم.

المراجع:

  1. فاليري سولانس. بيان سكام (SCUM Manifesto). 1967.
  2. شولاميث فايرستون. جدلية الجنس: من أجل ثورة نسوية (The Dialectic of Sex: The Case for Feminist Revolution). نيويورك: William Morrow، 1970.
  3. كيت ميليت. السياسة الجنسية (Sexual Politics). نيويورك: Doubleday، 1970.
  4. تشيماماندا نغوزي أديتشي. لماذا يجب أن نصبح جميعاً نسويين؟ (We Should All Be Feminists). نيويورك: Anchor Books، 2014.
  5. بيل هوكس. إرادة التغيير: الرجال، الذكورة والحب (The Will to Change: Men, Masculinity, and Love). نيويورك: Atria Books، 2004.
  6. سيمون دي بوفوار. الجنس الآخر (Le Deuxième Sexe). باريس: Gallimard، 1949.

مجلة أوراق/25

Share:

You Might Also Like