أريج بوادقجي: الساخر الحكيم

أن تكون ساخراً مُتهكّماً لاذعاً تهجو الأشخاص بهدف التنفيس فهذا أمرٌ عادي، وكما يقول تشيخوف: “لا أحدَ فينا يريد أن يحبّ فينا الإنسانَ العادي”. لكن أن تكون أديباً ساخراً قادراً على تحويلِ الألم إلى بسمة فهذا أمرٌ فوق العادي، إذ يقفُ الأدب الحقيقي الساخر على رأس الأساليب الفنيّة الصعبة، فالسخريةُ هنا وسيلة لتحقيق غاية أسمى، وعلى الأديب الساخر أن يمتازَ بمقومات وصفات تمكنه من تجاوز الخيط الرفيع الفاصل بين الأدب الساخر الهادف والتهريج.
فإتقانُ السخرية يحتاجُ إلى إنسانٍ شديدِ الفطنةِ والذكاء، ونحن في العموم لا نستطيع أن نتقبّلَ الفكاهةَ الشفوية من أيّ كان، ولا في أيّ وقتٍ كان، فكيف إن كانت الفكاهةُ مدونةُ في نصّ أدبي، بعيداً عن لغة الجسد والتنغيم، هنا تقعُ على عاتق الكاتب الساخر المُتصف بالذكاء والفطنة والشجاعة وخفّة الدم مسؤولياتٌ عدّة، وكأنه مطالبٌ بأن يدخلَ إلى أرواحنا ليلعب ألعاب الخفّة، ينبشُ الأفكار الخفيّة التي تؤرقنا بصدقٍ وإخلاصٍ شديدين، يُقلّبها ليضيء الجوانب المعتمة فيها، ويتشقلبُ بتوازنٍ مدهش، لتتقلّب معها قلوبنا ونظرتنا للحياة، دموعنا وضحكاتنا، وفي النهاية يزرعُ فكرةً تنويريةً في رأسنا، ترفرف كرايةٍ ويمضي مختفياً في الوقتِ المناسب.


في اختصارٍ شديد، هو يعرف متى يبدأ وأين ينتهي، وحساسيته التي تؤرقه تكادُ تكونُ عموداً أساسياً من أعمدةِ بنائه الفني، لذا، فإنّ المثلَ الإنكليزيّ القائل: “مثقالٌ من الجد، خيرٌ من رطلٍ من الهزل” يعبّر بشكل جلي عن تقبل الناس لمنطقة الراحة والركون المتمثلةِ بالجد والروتين والتفكير البيروقراطيّ، وخطورة منطقة شحذ التفكير والتوتر العالي وطرح الأفكار الشجاعة المتمثلة بالأدب الساخر.


لماذا تشيخوف؟!
عندما نتساءَلُ عن سبب تميّز تشيخوف في الأدب الساخر على وجه الخصوص، علينا أن نطلع على دوافع الكتاب والشعراء عبر العصور، فمنهم من لجأ إلى السخرية لتكون السخريةُ سلاحاً حاداً تمكّنُ الساخرَ من الحصول على حقوقه
المستلبة أو على امتيازاتٍ وعطايا جديدة.
وقد يلجأ الكاتبُ إلى السخرية أيضاً، حينما يريد أن يعبّر عن فكرةٍ ما، ولا يمتلك الجرأة لقولها بجلاء ووضوح، ومنهم تكون السخرية لديهم أسلوباً لتعويضِ ما يفتقده من الجمالِ الظاهري أو الغنى المادي أو المكانة العلميّة أو الاجتماعية، وقلّةٌ قليلة من يلجأ للسخرية باعتبارها أداةً فاعلةً وجريئة للإشارةِ إلى الألم وتعريته ومن ثمّ تفريغه، ومن ثم التخلص منه أو النظر إليه من وجهة نظر ثانية، وهذا ما أتقنه تشيخوف، وغيره من الأدباء الذين تميزوا بهذا الخطّ الدقيق عالمياً.


نحن في حاجةٍ إلى بُندقيّة تشيخوف…
ولأنّ الفاصلَ دقيق، فإنّه لا يقبلُ الزوائدَ والطفيليّات والعوالقَ التي لا علاقةَ لها في جوهر الفكرة، فهو يريدُ لنصّه أن يكون نقيّاً جليّاً لمّاحاً وذكيّاً، ولا ينزلق في فخ التبريرات والشروحات، فلكلّ مقامٍ مقال، والحجرُ في مكانِه قِنطار، وفكرةٌ واحدة مُحكمَة وجليّة خيرٌ من كومة مبعثرةٍ من الأفكار.
ولعلّني كلّما قرأتُ نصّاً يعجّ بالزوائد ويتقاطرُ شططاً وميوعةً، تذكرت بندقيّة تشيخوف، تلك التي إن ظهرت في مشهدٍ مسرحيّ، فإن عليها أن تطلق النارَ على كلمةٍ ما أو حركةٍ ما غير مدروسة، ولا تمتّ لجوهر النص بصلة.
بندقية تشيخوف هو مبدأ درامتيكي ينصّ على أنّ كلّ عنصرٍ في القصة يجب أن يكون ضرورياً، ويجب إزالة العناصر التي ليست لها صلة، فالعناصر يجب ألا تظهر لتقدم وعوداً زائفة، وكل تفصيل زائد يجب حذفه، وكما يقول تشيخوف: “إنّه
لخطأ فادح أن تضع المسدس ثم لا تستعمله طيلة المسرحيّة!”.
ولعلّ هذا الأمر نجده ضرورياً ليس في الأدب الساخر فقط أو أدب الأطفال الذي يعاني ما يعانيه من تدخلات المترهلين، ولكنه مبدأ مطلوب لإنقاذ الأدب بشكل عام في عصر السرعة والتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.


الإنسانية أولاً!
لم يتناول تشيخوف القضايا الإنسانية الكبرى لخدمة هدفٍ إيديولوجي ما، بل تناول الإنسانية لجوهرها الحقيقي، ولعلّ هذا ما تجلّى في قصة البدين والنحيف، التي عالج فيها فكرةً عميقةً وهي: “كيف ينظرُ الإنسانُ إلى ذاته، وكيف يتأثّر بمحيطه، فيقزّم هذه النفس الكريمة ويضخّمها بناءً على تصوّر الآخر، وإن لم يفصح هذا الآخر عن وجهة نظرهِ…
وكي لا يسقط النصّ ضمن التصنيفات الطبقيّة، نشأ بطلا قصته في المدرسةِ ذاتها، وهي حركة ذكيّة جداً، ليبرز هشاشة المرء أمام المناصبِ والمظاهر، وللتأكيد على نقاط عامة تعاني منها الإنسانية جمعاء تتلخص بهروب البشر من إنسانيهم، وتعلقهم بالقشور، وتفاصيل أخرى نجدها في هذا النصّ المحكم الساخر المضحك المبكي، الذي أتركه بين أيديكم، عله يكون مفتاحاً للدخول إلى عالم تشيخوف، وللنظر إلى أنفسنا وأفكارنا من زاويةٍ مختلفة…

البدين والنحيف

في محطّة سكّة حديد (نيقولاي) التقى صاحبان أحدُهما بدينٌ والآخر نحيف، كان البدينُ قد تغذّى لتوّه في المحطّة ولَمَعَت شفتاهُ من الدّهن كما تلمعُ ثِمارُ الكّرّزِ الناضجة، وفَاحَت منهُ رائحةُ النبيذِ والحلويات المعطّرة .
أما النّحيلُ فكان خارجاً لتوّه من عربةِ القِطار محمّلاً بالحقائبِ والصّرر وعُلب الكرتون، وفَاحَت منه رائحةُ لحم الخنزير والقهوة الرخيصة، ولَاحَت من وراءِ ظَهرِهِ امرأةٌ نحيفةٌ طويلةُ الذّقن، زوجتُه، وتلميذٌ طويلٌ بعينٍ مزورة، ابنه .
هَتَفَ البدينُ عندما رأى النحيف :

  • بورفيري! أهو أنت؟ يا عزيز! كم مرّ من أعوام لم أرك!
    ودُهِشَ النحيف :
  • يا سلام! ميشا! يا صديقَ الطفولة! من أين جِئت؟
    وتبادَلَ الصاحبان القُبلات ثلاثاً، وحَدَقَ كلّ منهما في الآخر بعينين مغروقتين بالدموع. وكانا كلِاهما في حالةٍ من الذّهول اللذيذ .
    وقال النحيف بعد القبلات :
  • يا عزيزي! لم أتوقع أبداً! يا لها من مفاجأة! هلا نظرت إلي جيداً! جميلٌ كما كنت! حبوبٌ وغندورٌ كما كنت! آه يا إلهي! كيف أحوالك؟ أصبحت غنياً؟
    تزوّجت؟ أنا تزوّجت كما ترى، وهذه زوجتي، لويزا، من عائلة فانسنباخ، بروتستانتية، أما هذا فابني، نفانائيل، تلميذ بالصفّ الثالث. يا نفانيا، هذا صديق طفولتي! درسنا معاً في المدرسة. فكر نفانائيل قليلاً ثم نَزَع قُبّعته .
    ومضي النحيف يقول :
  • درسنا معا في المدرسة! أتذّكر كيف كانوا يغيظونك بلقب (هيروستراتوس)، لأّنك أحرقت بالسيجارة كتاب عهدة، وكانوا يغيظونني بلقب (أفيالتوس) لأنني كنت أحب النميمة؟ ها ها.. كم كنا صغارا! لا تخفْ يا نفانيا… اقترب
    منه… وهذه زوجتي، من عائلة فانسنباخ… بروتستانتية.
    وفكّر نفانائيل قليلاً، ثم اختبأَ خلفَ ظهرِ أبيه .
    وسَأَلَ البدين وهو ينظرُ بإعجاب إلى صديقه :
  • كيف حالك يا صديقي؟ أين تخدم؟ وماذا بلغت في الخدمة؟
  • أخدمُ يا عزيزي! بلغت محكم هيئة منذ سنة وأحمل وسام ستانسلاف، الرتابُ سيء… فليكن! زوجتي تعطي دروساً في الموسيقا، وأنا أصنعُ علبَ سجائر من الخشب، علبٌ ممتازة! الواحدة بروبل، ومن يشتري عشر علب أو أكثر
    أقدّمُ له خصماً، ندبّر أمورنا كيفما كان، أتدري، كنتُ أخدمُ في الإدارة، وقد نُقلتُ إلى هنا كرئيس قسم، سوف أخدمُ هنا! وأنت كيف؟ أطنّك بلغتَ مستشارَ دولة؟ هه!
    فقال البدين:
  • لا يا عزيزي! بل أعلى! لقد بلغتُ المستشار السريّ… أحملُ نجمتين.

وفجأة، امتقَعَ النحيفُ، وتجمّد، ولكن سرعان ما التوى فمه في جميع الاتجاهات ليصنع ابتسامةً عريضةً للغاية، وبدا وكأن الشرارَ تطايرَ من وجهه وعينيه، أما هو فانكمَشَ وتحدّبَ وضاق، وانكمشت حقائبه وصرره وعلبه وتجعّدت، واستطال ذقن
زوجته الطويل، وشدّ نفانائيل قامته وزرر جميع أزرار سترته…

  • إنني يا صاحب السعادة… مسرورٌ جداً صديق الطفولة، يعني، وإذا به يصبح من السادةِ الأكابر هيء هيء…
    فامتعضَ البدين وقال:
  • دعك من هذا! ما هذه النبرة! إننا أصدقاء الطفولة، فما معنى عبادة الألقاب هذه؟
    فضحك النحيف ضحكة صفراء، وازداد انكماشاً :
  • العفو… ماذا تقولون! إن اهتمام سعادتكم الكريم، هو كالبلسم الشافي، هذا هو ابني نفانائيل يا صاحب السعادة، وزوجتي لويزا بروتستانتية إلى درجة ما ..
    وأراد البدينُ أن يعارض بشيء ما، ولكن وجهُ النّحيف كان يطفحُ بالتبجيل والتعبير المعسول والخنوعِ إلى درجةٍ أثارت الغثيانَ في نفسِ المستشارِ السريّ، فأشاحَ بوجهه عن النّحيف ومدّ له يده مودعاً. وصافَحَ النحيف ثلاث أصابع وانحنى بجسده كله وضحك كالصيني: ”هئ.. هئ.. هئ”. وابتسمت الزوجة ومسح نفانائيل الأرض بقدمِهِ، وسَقَطَت منه القبّعة. وكانوا ثلاثتهم في حالة من الذهول اللذيذ.
Share:

You Might Also Like