الجيل الضائع

إعداد: حسين الضاهر-عبدالله الحريري

تحرير: محمد أ. الجبوري

كان للمدارس الشعرية وما تلاها من أجيال شعرية رواد وأسماء مكرسة، وإن تفاوتت في قوة الظهور وسعة الانتشار وغزارة الإنتاج، سواء أكان في زمنهم أم بعده، لكنها بنت توجهاتها ومواقفها الأدبية في معطى تفاعلي إن سلباً أو إيجاباً فيما بينها ومع ما سبقها وما تلاها. لا نعرف حقيقة إن كان هذا التفاعل استمر إلى جيل الألفين وما بعدهم من الشعراء. نحن نفترض وجود انحسار إن لم نقل حالة انقطاع أو قطع مع هذا الجيل، حتى إنه لم تدرج تسميتهم ب(جيل) قياساً على من قبلهم. هذه الجماعة الشعرية إن صح التعبير، تزامنت مع ظروف انقلابية على كل الجبهات، ابتدأت بالتكنولوجيا والثورات ولم تنته بالحرب والشتات..

ما رأيكم بافتراضنا لوجود جيل شعري ضائع، فإن وجد الشاعر غابت الجماعة؟ وإن صدقنا جدلاً هذا الافتراض، هل هناك قواسم مشتركة أو إشارات تشي بوجود جماعة شعرية يمكننا أن نتقصى خصوصيتها من حيث التجربة والموقف الأدبي؟

يجيب الشاعر والناقد خضر الأغا:

“الأجيال الشعرية التي تلت جيل الستينيات الذي أسس لـ / وتأسس في مرحلة أُطلق عليها “الحداثة الشعرية”، راحت تشعر، جيلاً إثر جيل، بالعزلة والخواء! إذ إن الأفكار والإيديولوجيات والمشاريع التي حملت “الحداثة الشعرية”، أو أن هذه اتخذتها مطيّة لصناعة مشروعها وتمريره، انهارت دفعة واحدة انطلاقاً من هزيمة 1967، وتبدّت جميعها على أنها مجرد أوهام دفعت الشعوب العربية وشعوب المنطقة، ولم تزل، أثمانها غالية. فقد سيطرت، بعد ذلك، على المنطقة العربية أنظمة استبدادية وشمولية جعلت الحياة الاجتماعية والثقافية تعيش، وكأنما بلا نهاية، في غرفة إنعاش، وبدا الشعر، بوصفه طفل الحرية، مثل وحش جريح لا يشفى ولا يموت! وجدت الأجيال الشعرية اللاحقة نفسها في محيط عدمي، أو شبه عدمي: لا إيديولوجيات، لا مشاريع، لا انتماءات.. وظهر ذلك بشكل خاص في جيل التسعينيات الذي بدا وكأنه معلق في الهواء، فاقترح أن يكتب شعراً مضاداً لشعر الحداثة المثخن بالإيديولوجيا ومشاريع التحرر والحرية التي سقطت من جهة، وأفسدت الشعر من جهة أخرى، فكتب ما يمكن وصفه بشعر اللا معنى، أي البحث المتواصل عن معنى وقتله كلما ظهر، فإذا كان شعر الحداثة هو شعر اليقين، فإن شعر التسعينيات هو شعر الشّك حتى في اللغة.

بعد ذلك لم تظهر مرحلة شعرية جديدة. ربما كان علينا أن ننتظر على جمر اللغة والواقع حتى آذنت الحياة بربيع عربي وثورات تعيد للحياة جدواها وأملها، ومع هذا الحدث المجلجل كان لابد أن يظهر جيل شعري من نوع خاص، يمكن أن نطلق عليه جيل الثورة، انطلاقاً من معاصرته لها.

كان من المفترض أن يعيد هذا الجيل للشعر العربي حياته التاريخية الباذخة، إذ تحقق له ما ينتظره الشعراء: حركة الناس، وحركة الأفكار، وحركة اللغة، والأمل! ما يسمح بقراءته قراءة راسخة ومنظمة: القول، والتعبير، والأداء، واختلافاته عما سبقه. كان من المفترض أن تنشأ حركة شعرية بكل ما يحمله التعبير من معنى.

إضافة إلى ذلك، فإن الثورة، وإن كانت سيفاً بحدين؛ فهي تمنح الشاعر حقلاً واسعاً يمكن أن يرمح فيه بلا عقبات من جانب، ومن جانب آخر قد تُفسد كتابته من حيث غلبة المضامين والأفكار الثورية التي يمكن أن يتكئ عليها الشاعر فتشوب شعريته شبهة التقريرية، والخطابية، والأداء المباشر، إلا أن ذلك يشكل تحدّياً جاذباً للشاعر فيمتحن مهاراته وقدراته وشعريته.

لكن الشرّ قوي للغاية، فقد ظهر أولئك الشعراء في محيط من الدماء التي لم تزل تسيل، وتحت الأنقاض التي لم تزل ترسم شكل المدن والقرى، فتشتتوا، بسبب ذلك، في أرجاء المعمورة الضيقة، وفقدوا تلك الفرصة الكبيرة والتاريخية ليس في أن يكتبوا شعراً جديداً طالعاً من جدّة هذه الحقبة الكبيرة؛ حقبة التغيير والتحرر، بل في تأسيس جيل شعري خاص، ومرحلة شعرية جديدة. فالشتات أفقد القراءة، على الأقل، إمكانية استكشاف معالم ذلك الجيل الشعري: جدّته، مضامينه، لغته… فبدا جيلاً ضائعاً على نحو مرير، ومشتتاً كما لم يحدث من قبل.”

أما الشاعر والناقد الدكتور حكمت شافي الأسعد فيقول:

“اسمحوا لي أن يكون جوابي مضمّناً في نقاش السؤال

ـ إن العوامل الزمنية والفنية التي دفعت إلى تشكيل جماعات أدبية في القرون الماضية تختلف عن عوامل هذا الزمن؛ فقد حدثت في القرن الماضي تحولات كبيرة في شكل القصيدة ورؤاها وفنياتها وفي انتساباتها المدرسية، ودخلت في صراعات نتيجة هذه العوامل كلها، وكانت الإيديولوجيات تغذّي هذه العوامل بشكل مباشر أو بالثقافة الفاعلة؛ وهذا أدّى إلى تجاذبات أسهمت في تكوين جماعات أدبية وظهور منشورات ورقية مؤثرة وصدور بيانات تأسيسية أو ضابطة.

لقد كان تلاقي التوجهات الفردية الإبداعية في الفكر والأدب هو ما يشكل ملامح جماعة أدبية أو نشاط ويعطيها سمات معينة ضمن جيل أدبي، ولم تكن المؤسسات الرسمية أو المؤسسات ذات القدرة الداعمة هي المسيطر شبه الكامل على الحالة الإبداعية، مثلما نشهد في هذا الوقت، فلم تكن الملامح الأدبية مسحوقة لجهة الداعم أو المموّل أو الوسيلة الإعلامية أو البرنامج التلفزيوني؛ فقد تحوّلت هذه الجهات اليوم من قوة ناعمة تحاول تحقيق مكاسب من الأديب إلى قوة مسيطرة يسعى الأديب لكسب ودّها، إذا ترفّقنا في التعبير (ويمكن البحث عن جزء من الجواب عن سؤالكم الأخير في هذه الجزئية)

فالأديب بحاجة إلى جماعة في مرحلة من حياته الأدبية، قد تخلّصه مقدراته الفنية الفردية منها سريعاً، وقد يستمر بحاجته إليها طويلاً، لكن الإبداع الفردي هو الذي يستمر ويُنظَر إليه؛ وهذا يقودونا إلى مفهومٍ لسنا نريده هنا، وهو مفهوم “الشللية”، بوجهَيه السلبي والإيجابي. ففي الجاذبية الإبداعية والتأثير الأدبي والحضور الجمالي المتواصل نتذكّر اليوم أسماء فرديةً من مبدعي القرن السابق، ولا نتذكر جماعة ولا جيلاً إلّا ضمن الدراسة الشاملة للإرث الأدبي في القرن السابق.

وإضافة إلى أخذ ما سبق بالاعتبار، حُورِب مصطلح الجيل مع نهايات القرن السابق وبدايات القرن الحالي، وهذا ما جعله مصطلحاً سلبياً، حاول الأدباء تجنّبه ما استطاعوا، لذلك يتوارى كثيراً، ويظهر عند الحاجة إلى ضبط الحدود وتوضيح التمايزات.

وفي النهاية أكتفي بالتذكير بدور مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الموضوع الذي بات واضحاً.”

إذا افترضنا أن الشاعر مفرد في جماعة، ينافس في مجالها، يرفعها وترفعه، سواء أكانت مدرسة، أم جيلاً، أم أياً ما اصطلحنا تسميته، يعبّر في جوها عن موقفه الأدبي، ويحاول المشاركة في صياغة أسئلتها والإجابة عليها. وإذا افترضنا أن الزمن الشعري في عمر هذه الجماعة، هو الذي يدق مطرقة حكمه ليميز الخبيث من الطيب والغث من السمين.. نريد أن نسأل هنا عن وجود الجماعة الشعرية بالفعل منذ بداية الألفية الثالثة، وخصوصاً بعد ثورات الربيع العربي، هل يا ترى أصبحت شتاتاً، وضاع معها الموقف الأدبي، وأيضاً عجزت عن صياغة الأسئلة من مثل: عن ماذا نكتب؟ وكيف نكتب؟ ليقال أحياناً إنها كانت ثورات بلا شاعر (ما قيل عن الثورة السورية مثالاً)، أم أن غياب الجماعة خذل الشاعر نفسه، وركنه في زاوية الإهمال؟ هل الجماعة الشعرية غائبة بالفعل، أم إنها غير ظاهرة؟ هل هناك ضرورة للبحث عن هذه الجماعة؟

أجابتنا عن هذا السؤال الشاعرة الشابة أسماء كريدي:

“في الحقيقة لا أدري إذا كان من الضروري والمهم وجود جماعة شعرية تتفق على صيغة واحدة وعلى شكلّ للقصيدة أو المواضيع الّتي من المفروض نقاشها والكتابة عنها، خصوصاً في بلادنا بعد ثورات الربيع العربي ووسط الأزمات، وكلّ هذه الحروب، لكنني أرى بوضوح كيف أخذت هذه الجماعة بالتغيّر، ولا أقول الغياب، وفقاً للتغيّر الّذي طرأ على العالم العربي.

مؤكّد أن هذه الثورات أثرت بشكل واضح على سياق الشّعر والأدب. فالشاعر اليوم يجب أن يواكب كلّ هذا التغيير شاء أم أبى، خصوصاً بعد ظهور الكثير من وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على التواصل والوصول الشعري.

بكلّ الأحوال إن كانت هذه الجماعة قائمة أو غائبة فإنَّ الأهم أن يكون هناك رؤى جديدة لها تلائم الواقع الثقافي الحالي لتعزيز دور الشاعر في المجتمع وليعبّر من خلالها عن رؤيته بالحياة. يكون له هويته وخطابه الخاص.”

لا يتفق الشاعر علاء عودة كثيراً مع وجهة نظر أسماء فيقول:

“بما أنّ الشّعر نشاط بشريّ، فهو تعريفًا عملٌ فرديٌّ يستقي من الجماعة، على كلِّ مستويات هذه الجماعة، بدءًا بجماعة البيئة الضّيّقة وصولًا إلى جماعة العالم.

وكون العمليّة الإبداعيّة عمليّة ذات مُدخَلات ومُخرَجات، فلا بدّ من جماعة تُغذّي صاحبَ العمليّة بمُدخلاته وتتغذّى بمخرجاته، ما يجعل جيلًا شعريًّا ما يشترك –لا مناص- بسمات وأدوات وثيمات بل وربّما مفردات وأساليب، دون طمس للفرديّ من حيث التّجربة الشّخصيّة والإبداعيّة.

وبما أنّنا أبناء الحداثات (أستخدم صيغة الجمع لتشمل تكرارات “بعد” الّتي تلي “الحداثة” أيًّا كان عددها)، فنحن أبناء أدبٍ بات يفرض قدرًا من تحطيم الجدران بين الأنواع الأدبيّة المختلفة، قدرًا يتيح حريّةً أوسع مثلما قد يُحدث درجةً من الالتباس بين التّجريب الجادّ وبين الغبار المكنوس تحت بساط هذه الحداثات. وهنا، بلى، أنتظر –شخصيًّا- أن يكون هذا الجيلُ الشّعريُّ متعضّيةً حيّةً تُجرّب ثمّ تَفرز في نهاية المطافِ الغثَّ عن السّمين. لأنّ التّجريب بتعريفه يقتضي الغثَّ في الطّريق إلى السّمين.

أمّا عن الثّورات، فلأنّها –وهذا إيجابيّ- كانت ثورات بلا قائد، لا ضير في أن تكون بلا شاعر. ثورات على الهرميّة، ترفع السّقف وتوسّع السّاحات، ومن هذه ساحات الأدب. لدينا شعراء جايَلوا الثّورات وحايثوها، وربّما كانوا ذوي مشاركة عميقة فيها، فأطلقتهم هذه الثّوراتُ إلى آفاق أوسع لا ترتضي لهم أن يكونوا “شاعر ثورة”.

لذا لا يمكن للجماعة الشّعريّة (الجيل الشّعريّ) أن تكون غائبة، وإن كانت غير ظاهرة بمعنى الظّهور الطّاغي على الفرادة فهذا حسَن.

وبشأن الخذلان فإنّما هو خذلان عامّ، يجد فيه أبناء الجيل الشّعريّ عزاءً تقدّمه التّجربةُ المشتركة، ويغذّي هذا العزاءُ المُنتَجَ الإبداعيَّ الفرديّ والكلّيّ.

فعن نفسي، مثلًا، حين أقرأ قصيدةً جيّدةً تنتمي إلى جيلي الشّعريّ، تكون قراءتي تلك شحنةً تشحن دافعَ الشّعر لديّ.”

مجلة أوراق/ العدد 24

Share:

You Might Also Like