إليزابيث فوتييه: الإبداع الروائي المعاصر في سوريا من 1967 إلى اليوم

النقل عن الفرنسية: ابراهيم محمود

مدخل: كتاب الباحثة الفرنسية إليزابيث فوتيه: الإبداع الروائي المعاصر في سوريا من عام ١٩٦٧ إلى اليوم (La création romanesque contemporaine en Syrie de

1967 à nos jours) المنشور عام 2007، يشكل شهادة حية – من الخارج – ونوعية الاهتمام بالرواية السورية الحديثة والمعاصرة، وآفاقها، في ضوء استقراءاتها. وبغية بلورة فكرة ولو موجزة عن الكتاب – المنشور ضمن ملف – أنقل إضاءة حول الكتاب الضخم، كما هو ملاحَظ، ثم مقدمته “ص 9-27” (وهي محورية هنا)، وخلاصته “ص 339-401″، إلى العربية، لعل ذلك يمنحنا مقدرة نفسية وخيالية على التفكير في الآخر، وكيف يجري تناولنا، ومن الزاوية الأدبية والروائية، على وجه التخصيص.

إضاءة حول الكتاب:

ترسخت مكانة الرواية عنصراً أساسياً في الحقل الثقافي السوري، خصوصاً منذ سبعينيات القرن الماضي فصاعداً. وشهدت هذه الفترة، في الواقع، تطوراً كمياً ونوعياً ملحوظاً في الإنتاج الروائي. ثم ابتعد الكُتّاب عن الواقعية السابقة، ساعين إلى بناء علاقة جديدة بين التجربة الوطنية والتراث العربي والأدب العالمي، في محاولة لتجديد أساليب الكتابة. وباستخدام مجموعة من الروايات السورية، تُحلل هذه الدراسة آلية عمل النصوص السردية وتقنيات كتابتها. ودأبها، ومن طريق الحوار مع هذه الأعمال، لإظهار التطورات التي شهدها الإنتاج الروائي السوري من عام ١٩٦٧ إلى تسعينيات القرن الماضي، مدشّنة الطريق لكُتّاب القرن الحادي والعشرين.

مقدمة

  1. الأدب السوري: إدراك الغياب

عام ١٩٨٠، استهل شارل فيال(1( مقالًا عن الأدب السوري مذكّراً بإسهام الكتّاب السوريين في النهضة الفكرية والأدبية في القرن التاسع عشر، عصر النهضة. وهو يعرِب عن أسفه لأن التاريخ قد دفنَ دورَ سوريا في غياهب النسيان، مسلطًا الضوء فقط على مشاركة الكُتّاب المصريين أو المهاجرين العرب في أمريكا. ويبدو أن الظاهرة نفسها تُميّز الفترات الأخيرة، إذ يُبرز بحث ببليوغرافي سريع في الأدب السوري المعاصر الصعوبة التي يواجهها كُتّاب هذا البلد في تجاوز حدود الاهتمام الإقليمي، سواءً داخل العالم العربي أو خارجه. حيث يحظى الأدبان اللبناني والمصري بتقدير عربي وغربي أكبر، بينما يُكافح الأدب السوري لتجاوز حدوده الوطنية.

وفرنسا ليست استثناءً من هذا الوضع. فمنذ نشر مقال شارل فيال، لم يُثر الإبداع الأدبي السوري أيَّ حماس جديد، ولم يشهد عدد الأعمال المُخصصة لهذا المجال أي نمو يُذكر. على سبيل المثال، لم تستفد حركة الترجمة منها، رغم أن فهارس الناشرين تُتيح مساحة أكبر للمؤلفين من العالم العربي. وباستثناء العمل الشعري لأدونيس، تُعدّ الأعمال المترجمة للمؤلفين السوريين على أصابع اليد الواحدة، وهي موزعة على قلة مختارة، دون أن تُقدّم نظرة عامة حقيقية حول الإبداع في سوريا.

ويُعدّ اختيار ترجمة سليم بركات أو عبد السلام العجيلي أو حنا مينه – على سبيل المثال – مُبرّراً، ولكنه يُعبّر عن حماس المترجمين الخاص لمؤلف أو كتاب أكثر منه عن نهج يسعى إلى التمثيل.

كما يعاني المشروع من غياب مشروع شامل يُوجّه الخيارات، ويُحسّن قابلية قراءة الأعمال. ويبدو أن القصة القصيرة فقط هي الأفضل حالاً.

لقد كان من حسن الحظ نشر مختارتين(٢) (إحداهما باللغة الإنكليزية) في أقل من عشر سنوات، سوى أن العمل الذي بدأته كلودين كرول وميشيل أزرق لا يزال في بداياته، وتفتقر الفترة الأخيرة بنحو لافت إلى هذا النوع من الأعمال. من جانبه، استمر البحث الأكاديمي في إنتاج أطروحات متفاوتة القيمة. مع ذلك، تشهد هذه الأعمال، بطريقتها الخاصة، على غياب الاهتمام الأوسع بسوريا. إذ إنها تعكس اختيارات شخصية أو ارتجالية، لا نهجاً مدروساً ومخططاً له في المجال الأدبي السوري. إن مراجعة الدراسات المنشورة على مدى العشرين عاماً الماضية تكشف الكثير: لا توجد دراسات متخصصة متاحة، ويضطر المرء إلى الاكتفاء بمقالات أو فصول مأخوذة من أعمال عامة، وهي في حد ذاتها محدودة العدد. إن مراجعة فهرس “إسلاميكوس”(٣)، الذي يسرد المقالات المنشورة باللغات الأوروبية عن العالم العربي، عاماً بعد عام، تُقدم صورة واضحة للوضع.

ولم نصادف مقالاً مهماً إلا عام ١٩٩٢(4)، يُعنى بوضع الكُتّاب الذين يتناولهم في الإطار الأوسع للإبداع الأدبي المعاصر. عنوان المقال ذو دلالة: “النثر السوري المعاصر” لجان فونتين، نُشر في مجلة إيبلا – IBLA(5). لكن لهذا العمل الجوهري حدوده. حدودٌ في الطول وفترة المرجع (حيث يُركز حصرياً على فترة السبعينيات والثمانينيات)، وكذلك في النوع الأدبي (إذ يُركز بنحو رئيسي على القصص القصيرة، مُستبعداً الرواية باعتبارها عملاً أقل جودة). ويؤكد المؤلف أن الأدب السوري يستفيد من ببليوغرافيا غزيرة، دون أن يُقدم نظرة عامة مُقنعة، مكتفياً بالاقتباس من ثلاثة مراجع ذات طبيعة مُختلفة تماماً: مقال شارل فيال ومختارات كلود كرول المذكورة سابقاً في عرضنا، إضافةً إلى مراجعة الروايات المنشورة بين عامي ١٩٧٠ و١٩٨٩، التي أجرتها بيرجيت سيكامب(6).

في كتاب “الأدب العربي المعاصر” الصادر في الوقت نفسه تقريباً، تقدم ندى توميش نظرة عامة على الأدب العربي المعاصر(7) حتى تسعينيات القرن الماضي. جامعة بين وصف عام وتحليل إقليمي للنثر الحديث، من عصر النهضة إلى يومنا هذا، بلداً تلو الآخر. وفي القسم المخصص لسوريا، تستشهد فقط بالأعمال المنشورة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي فترة تجديد للتقنيات الروائية.

وهي تلخص الفترة من عام ١٩٦٧ إلى يومنا هذا على النحو التالي:

منذ عام ١٩٦٧، وخاصة منذ عام ١٩٧٣، اتسم الأدب السوري، في جوانبه المبتكرة، دلالياً بإدانة القمع الإيديولوجي والبوليسي، الذي تفرضه الجماعات الحاكمة على السكان، وازدرائها لحرية الإنسان وكرامته(8).

ومع العلم أن حجم الكتاب لا يسمح بأكثر من عشر صفحات لتغطية الأربعين عاماً الماضية(9). لكن النثر السوري، الذي لم تضعف حيويته طوال هذه الفترة(10)، لم يتوقف في النصف الأخير من القرن، ولا يمكن اختزاله، حتى لو كان التحليل دقيقاً، في إدانة القمع السياسي.

وبناءً على هذه الملاحظة، أردنا الإسهام في فهم أفضل للأدب السوري من خلال دراسة ترسم لمحة عامة عن القضايا الرئيسة التي ميزت الرواية في سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي.

يعود اهتمامنا بأدب هذا البلد إلى سنوات عدة. تناولت أطروحاتنا في الدراسات العليا والدكتوراه جنس القصة القصيرة السورية. لحقتها مقالات تناولت إشكاليات الرواية السورية المعاصرة، مما مهد الطريق لعملنا الحالي طويل الأمد، الذي يتمثل هدفه الرئيس في تقديم لمحة عامة عن الإبداع الروائي في سوريا، من خلال مقاربة زمنية ونصية.

قد يبدو اختيار جنس الرواية موضوعاً مفاجئاً للدراسة. ففي الواقع، يرى شارل فيال، في المقال المذكور آنفاً، أن الرواية في سوريا أدنى جودة من القصة القصيرة، بل ويشكك في وجود ميل طبيعي لدى السوريين نحوها. ويتبعه جان فونتين في هذا الصدد، متسائلاً: متى ستزدهر الرواية في هذا البلد؟ صحيح أن القصة القصيرة كانت النوع الأدبي الرائد في سوريا منذ بداياتها وحتى ثمانينيات القرن الماضي. ولا تتجاوز مقالات شارل فيال وفونتين هذه الفترة. ومع ذلك، منذ ذلك الحين، أظهرت الرواية، عبر أعمال بارزة – صقَّلها شارل فيال – وعداً بتطور كمي ونوعي لم يُنكر لاحقاً. فقد عرفت كيف تستفيد من إبداع القصة القصيرة، وتمكنت من شق طريقها الخاص، وترسيخ مكانتها شكلاً مستقلاً وأساسياً من أشكال المعاصرة. يكفي رصد مسيرة الكُتّاب أنفسهم أو سرد منشورات السنوات الأخيرة لملاحظة التغييرات التي طرأت على المشهد الأدبي. صعود الرواية كمّي، ولكنه نوعي أيضاً. لم تعد أسماء النثر السوري العظيمة كتّاب قصص قصيرة، بل روائيين(11) يعبرون من خلال هذا النوع من الكتابة عن الأسئلة الكبرى المطروحة على الأدب. تُعتبر الرواية الآن المكان الأمثل للتأمل في الإبداع، وهي تُمثل النوع الأدبي الذي يشهد حالياً أكبر تطورات، مُواكباً في أعقابه أنواعاً أخرى من الكتابة النثرية. وهي الأقدر على تقديم صورة صادقة عن الاتجاهات الرئيسة التي تُحرك الإبداع الأدبي في سوريا.

ويُبرّر اختيار الفترة المدروسة الرغبة في إظهار كيف تجد الرواية المعاصرة جذورها في اضطرابات أواخر الستينيات، وكيف تطورت الاتجاهات التي أطلقتها وتعمّقت في العقد التالي. استمرت الحركة حتى بعد منتصف الثمانينيات، في تحوّل نحو مواضيع وأشكال كتابة جديدة ناشئة حالياً. وهذا ليس تغييراً جذرياً، بل استكشافٌ لمسارات جديدة نابعة من أعمال سابقة. سيؤدي هذا إلى ظهور الاتجاهات الرئيسة التي يتبعها اليوم جيل جديد من الكُتّاب الذين لم يخوضوا تجارب أسلافهم، ولكنهم مع ذلك يمثلون امتداداً إبداعياً لأسلافهم.

*

ولشرح تطور الرواية السورية زمنياً وموضوعياً، تُبنى الخطة على ثلاثة أقسام رئيسة. يصف القسم الأول الاضطرابات التي أحدثتها هزيمة 1967، وكيف ترجم الكُتّاب الصدمة التي شعروا بها إلى كلمات وكتب. ويُظهر القسم الثاني، أولاً، كيف تطورت الاتجاهات التي انطلقت في القسم السابق. ثانياً، يتناول فترة الثمانينيات.

لم يسمح نطاق الدراسة بتأمل متعمق للأعمال المنشورة في السنوات الأخيرة. علاوة على ذلك، كان من الصعب تناول الأعمال الحديثة جداً نظراً إلى غياب منظور كافٍ لتحديد صلاتها وانفتاحها على المستقبل. لهذه الأسباب، لا تتضمن المجموعة الأعمال المنشورة في التسعينيات، مع تجاهل هذه الفترة من تاريخ الأدب السوري. لذا، يحاول الجزء الثالث، من جهة، تلخيص الأحداث المميزة المذكورة في الجزءين الأولين، وربطها بالإنتاج الروائي في السنوات الأخيرة، من جهة أخرى. لم يقم اختيار الروايات لدعم العرض على دافع الرغبة في الشمول، بل كان مدفوعاً بالحرص على التمثيل، وتُظهر الأعمال المختارة القضايا الرئيسية التي أثرت في تطور هذا النوع الأدبي في سوريا. ومن ثم، استُبعِد العديد من الكُتّاب المعروفين من القائمة، مع أن غيابهم لا يعني أنهم غير جديرين بالاهتمام. إنها ببساطة لا تُلبي الهدف الذي وضعناه لأنفسنا: أن نُظهر، من خلال فرادة التجارب الأدبية، التأمل الذي يُحرك الروائيين ويُحرك الرواية نحو آفاق جديدة. هذا القرار المُتعمّد بتخصيص التحليل للأعمال المُبتكرة يُوحي أيضًا بنوع من التباين. وهكذا، تتناول الدراسة أعمالاً مُختلفة تماماً، تنتقل أحياناً من طرف إلى آخر: فبينما تدفع رواية “المسافة” ليوسف الصائغ أو “المُهمَل” لخليل النعيمي النوع الروائي إلى حدود المُستحيل، تبقى رواية “الثلج يأتي من النافذة” لحنا مينه، على النقيض من ذلك، قريبة من نموذج كتابة أكثر تقليدية، مُتجذّرة في التعبير الصادق عن الواقع، مع إدخال نوع من التجديد في معالجة السرد.

وطبعاً، ينطوي كل خيار على عنصر ذاتي، ينطوي على قرارات فردية. كما يُوضّح هذا العمل مراحل اكتشافنا الشخصي للأدب السوري، من خلال أعمال أثّرت فينا بصفة خاصة. ومع ذلك، لطالما كانت الأهداف المُحدّدة لهذا العمل هي التي تحكمت في تأليفه، مُخضعةً متعة قراءتنا لمُقتضيات البحث. لقد حافظ اختيار النصوص، كما هو الحال في تحليلها، على مبدأ الموضوعية الذي يجب أن يرشد الباحث، دافعاً أساسياً وأفقاً له.

  • نحو دراسة محكمة للرواية السورية

قبل الخوض في التحليل، لا بد من تحديد الخطوط العريضة للإطار النظري الذي يندرج بحثنا ضمنه. فهو يستند إلى فكر النقد الأدبي المعاصر، ولا سيما السرديات، ممثلةً في أعمال جيرار جينيت، وما أفرزته من تطورات لاحقة. فرغم نشأته الأوربية، أثبتت الدراسات التي أجراها المستعربون والنقد العربي الجديد(12) أهميته في وصف وقائع الأدب في اللغة العربية، وخاصةً الرواية التي تدين، في صيغتها الحديثة، بالكثير للرواية الغربية. إن تحليل الآليات الداخلية للنص السردي وعناصره سيمكن من وصف الرواية السورية المعاصرة في تطوراتها التاريخية الحديثة (بتغيراتها وثباتها)، والمساهمة في تعريف هذا النوع الأدبي كما يتطور حالياً في سوريا.

إن اختيار الرواية مجالاً بحثياً يؤدي بالضرورة، إلى التشكيك في الواقع الذي يُحيط به المصطلح. ولطالما أكد النقاد على الصعوبة التي يواجهونها في تعريفها بدقة وحسم. إنها فكرة مراوغة بامتياز، في تطور مستمر، “نوع أدبي خارج عن القانون” كما وصفه ميشيل ريمون، وترفض أن تُحصر ضمن حدود ثابتة نهائياً:

لا بد من الاعتراف بأن غموضاً كبيراً يكتنف مفهوم الرواية ذاته. فهي تُصوَّر تلقائيًا، في معظم الحالات، كقصة خيالية بطول معين (عدة مئات من الصفحات) يرتبط فيها الحدث بترتيب الأحداث والشخصيات. وغالباً ما يظل دور ما يُسمى بالاختلاق، وهو فن ترتيب الحبكة بطريقة تُبقي القارئ في حالة تشويق، كبيراً.  […]

ومهما كان شكلها، فإن الرواية قصة، سرد؛ إنها تدعونا إلى التركيز على حياة شخصية أو أكثر؛ إنها نزعة طبيعية للعقل البشري تدفعنا إلى “الخروج عن السياق المألوف للأمور لنبتكر لأنفسنا نظاماً خيالياً للأحداث، تُطلق فيه قدراتنا العنان” (مقالة “الرواية” في الموسوعة الكبرى). هذه تعريفات عموميتها المفرطة تجعلها غير كافية(13).

وحداثة هذا النوع من الكتابة في سوريا تعزّز صعوبة هذه المهمة. ومع ذلك، من الضروري أن يبدأ التحليل بتعريف جزئي أو مؤقت على الأقل، كأساس للتأمل، لوصف توافقات أو انحرافات الكتابة الروائية عن هذا “المعيار” الأولي.

ففي الفترة التي اختيرت نقطة انطلاق لدراستنا، يوجد نموذج روائي، أو على الأقل اتجاهات متكررة ظهرت منذ النصف الأول من القرن العشرين. هذا النمط العام، الذي لا يُنظر إليه كمنهج أدبي، بل كنقطة تلاقٍ في ممارسة الكُتّاب، يُطلق عليه النقاد العرب المعاصرون اسم “الرواية التقليدية”. لقد شكّل هذا العمل مرجعاً لنا لتحديث التطورات المعاصرة وتقديم صورة ديناميكية للكتابة الروائية المعاصرة.

وغالباً ما يكون رواد الرواية السورية رجالاً، لسبب أو لآخر، على اتصال بالعالم الغربي، وستكون المواجهة مع الغرب أحد المواضيع الرئيسة للرواية في بداياتها. لم يحِد شكيب الجابري، أول روائي سوري، عن هذه القاعدة. ففي عامي ١٩٣٧ و١٩٣٩، نشر روايتين مستوحاتين مباشرةً من تجربته الأوروبية، تدور أحداثهما في ألمانيا وسوريا. تستغل الأعمال تقنيات موجودة في نصوص أخرى كُتبت في الوقت نفسه، لا سيما دور المؤلف، الراوي المنخرط في السرد والمتحدث باسم فكرة معينة عن العالم من حوله. لذا، تبدو الرواية “التقليدية” كسرد عن ذاتها، حيث يؤكد الراوي حضور المؤلف، متبعاً بذلك دور المربي الذي لعبه الأديب في العصر الكلاسيكي.

يرتكز بناء السرد على حبكة تُوجِّه تطوره. يتقدم من الموقف الابتدائي نحو جوهر الحدث، الذي يُمثِّل ذروته، قبل أن ينحدر إلى الخاتمة. وهكذا يبدو السرد مُتأثِّراً بعمق بخطية الزمن التي تُهيمن على بناء الرواية وتُشكِّله. يُحاكي هذا الزمن التسلسل الزمني للواقع الخارجي، ويربط القصة المروية بالواقع الذي يعيشه القارئ ربطاً لا لبس فيه. وبتأثرها الشديد بالواقعية والرومانسية الغربيتين(14). وتتحدث الرواية عن العالم من حولها مُؤكِّدةً العلاقة بين الخيال والواقع.

طبعاً، لا يُمكن للأدب أن يكون واقعياً إلا من خلال تقديم نفسه كموقف مُحدَّد تجاه بيئته الحقيقية، التي يُمثِّلها من خلال اللغة. فهو لا يُقلِّد الواقع حرفياً، بل يُحافظ على علاقة معقولة معه. وكما يُؤكِّد توماس بافيل، بحق، في “عالم الخيال”(15)، ينتمي الأدب بحق إلى الخيال، ولا يُحافظ إلا على علاقة مُشابهة مع الواقع التاريخي. إنه يعرض كوناً ومواقف غير واقعية، بل من نسق الممكنات الحياتية، مما يخلق وهماً بالحقيقة. بالنسبة إلى الناقد، تُشكل العوالم الممكنة مجموعةً مجردةً من حالاتٍ لا تخالف قوانين المنطق. ولذلك، يصف عالم الخيال (أو الحكاية، وفقاً لمصطلحات ج. جينيت) بأنه عالمٌ من “الخيال” يُبرره تطابقٌ محتمل بين الوقائع المروية وتلك التي يختبرها القارئ.

وهكذا، يعتمد النهج التقليدي للرواية السورية على واقع العالم الحي لبناء خياله. فهو يقوم على علاقة تطابق بين العالم الحقيقي والكون المصوّر. وبظهوره استجابةً لحالات الطوارئ المعاصرة، يبقى هذا النوع الأدبي راسخاً في تاريخ المجتمع الذي يصفه. بل إنه غالباً ما يُمثّل منبراً يُعبر فيه الكاتب عن أفكاره وينقل رسالة أيديولوجية. فالعالم الذي يصفه الكاتب قائم على المنطق والاستمرارية، ولا يقطع مع المفاهيم والأخلاق التي تُوجّهه، حتى وإن انتقد الكاتب بعض أطُره بشدة. هذا التصور المنظم والصريح والمنطقي للعالم، حتى وإن تعرّض للنقد، يتوافق مع بنية سردية تُعبّر أيضاً، بطريقتها الخاصة، عن واقع خارجي يُنظر إليه على أنه مُهيكَل، حتى وإن كان أداؤه موضع تساؤل جزئي.

وهكذا، تُظهر الرواية التقليدية حرصها الشديد على عدم انتهاك قوانين المنطق والمعقولية. ويُقدّم الكون المُصوّر نفسه إذن فضاءً خيالياً، تُؤكّد صلاته بالوضع التاريخي، ويُبحث فيه باستمرار عن أثر الواقع. يتخذ هذا الكون موقعاً قريباً من مواقع الأحداث في الحياة الواقعية، مُضيفاً إليها غالباً إشاراتٍ من الحياة الواقعية؛ فالفترة المُستَحضَرة مُحدّدة بوضوح، وتُحدّد علامات التسلسل الزمني السردَ بوضوحٍ لتسلسله الزمني. تُبنى الرواية حول حبكة مُنظّمة، تربط الشخصيات بالأحداث، وفقاً لقوانين السببية والزمانية والدافعية. يتميز البناء السردي في الرواية التقليدية بالالتزام بمنطق قائم على الدافع والارتباط بين الأشياء، لأنه لا يمكن أن يقع حدث دون أن يكون مدفوعاً بدافع ما، أو إيماءة، أو شعور، أو هوس، أو مبرر، أو دافع(16).

والسرد، بمعناه التقليدي، يقدم نفسه موقعاً لعرض الواقع تتكشف فيه الأحداث، ويربط الشخصيات بالأماكن والأزمنة وفقاً لخط تنظيمي منطقي منظم. سيطر هذا المفهوم للكتابة على الأدب السوري حتى ستينيات القرن الماضي، عندما جرى التشكيك فيه(17).

ويبدأ تحليلنا من هذه الفترة المحورية ويستخدم هذا النموذج الروائي لوصف التغييرات التي حدثت منذ هذه الفترة فصاعدا.ً

من هذا المنظور، سينظر التحليل إلى النصوص الروائية من زاويتها السردية، كنتيجة لمزيج من عدد معين من العناصر المكونة للقصة المروية مع العمليات الداخلية التي تنظمها وتوحدها من طريق اللغة. هنا، طبعاً، نعتمد التمييز الذي أرساه جيرار جينيت بين التاريخ (محتوى القصة، والأحداث التي ترويها) والسرد، وهو اللفتة التأسيسية التي تُضفي على القصة شكلاً ووجوداً.

ومع ذلك، لا ينبغي أن ننسى أن أي تنظيم سردي، يستجيب في المقام الأول لأهداف النوع والمعنى التي تُوجّه بنائه. ويقع على عاتق الناقد كشف خيارات المؤلف في ترتيب عناصر القصة، وأنماطها السردية، ومواضيعها، أو تقسيمات النص، وكذلك فيما يُطلق عليه جيرار جينيت “عتبات” النص الأدبي، أي الخطاب المُصاحب لكل نص. ولعلّ العنوان، الذي يُرسي نطاقاً من الاحتمالات والتوجهات الدلالية حتى قبل بدء القراءة، هو الأوضح. ومثل المقدمة، وفهرس المحتويات، والغلاف… يُرسي أفقاً للتوقعات لدى القارئ ويُوجّه خياراته التفسيرية(18).

وعلى حد علمنا، لم يُدرَس هذا الجانب إلا قليلاً في الأدب العربي(19). وعند تطبيقها على الرواية السورية، تستحق دراسةً أكثر تعمقاً، وهو ما لم يتسنَّ لنا إجراؤه في نطاق بحثنا. في الفصول التالية، اقتصرنا على الإشارة من حين لآخر إلى بعض الأمثلة المهمة على دور العنوان في توليد المعنى وفي استراتيجية السرد المُطبَّقة. وقد استرشدت الملاحظات التي أُبديت على الأعمال التي درسناها بكتاب “علامة العنوان”(20)، وهو العمل الرائد لليو هوك، الذي رسم الخطوط الرئيسة لنظرية العنوان.

السرد، الفعل التوليدي في الرواية، يستدعي وجود ممثله في النص، وهو الراوي، الذي يُجسّد الصوت الذي يتخذ الخيارات السردية. وتلعب دراسة الرواة دوراً مهماً في ثورة كتابة الرواية، وتعكس المكانة الخاصة المُمنوحة لكل راوٍ الاستراتيجيات السردية التي يطبقها المؤلف.

أظهر النقد منذ وقت مبكر أن مكانة الراوي تعتمد، من جهة، على حضوره أو غيابه في القصة، ومن جهة أخرى على علاقته بفعل السرد (فإذا كان حاضراً في القصة، فهل هو نفسه موضوع السرد؟). يُحدد الوضع الأول مكانة الراوي في القصة، وله آثار على المنظور الذي سيتبناه السرد. ويشير سؤال العلاقة التي تربط الراوي بالسرد تحديداً إلى نوع معروف من التأليف في الأدب العربي، وهو التضمين، الذي تُعدّ ألف ليلة وليلة مثالاً بارزاً عليه. يُشير جيرار جينيت إلى مواقع الراوي المختلفة بأنها متجانسة، ومغايرة، وذاتية (حاضرة، غائبة، أو بطلة القصة)، وداخلية أو خارجية (سواء أكانت موضوعاً لسرد ثانوي أم لا).

ومهما كانت مكانتها، فإن الراوي ينتمي حصرياً إلى السرد. تُبنى هذه المواقع من خلال إخراج العمل الروائي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحديد هوية الكاتب الحقيقي. يكتسب هذا التمييز الجوهري أهمية خاصة في الأدب السوري، لأنه، كما رأينا سابقاً، تُكثر الرواية التقليدية من الإشارات الذاتية التي تميل إلى تقليص المسافة بين الراوي وشخصية الكاتب الحقيقية.

ويُشير وجود الراوي إلى قطب ثانٍ في العلاقة التواصلية التي يُنشئها السرد. فهو يفترض وجود المُرسَل إليه، وهو – أي المُرسَل إليه – مثله مثل تابعه، لا يوجد إلا داخل السرد، ولكن وجوده غالباً ما يكون أقل وضوحاً. بخلاف الراوي، الذي يُمثل الصوت الفاعل في النص، غالباً ما يظهر كحضور أساسي في بنية السرد. ومع ذلك، يُمكنه تمييز نفسه من خلال سمات مميزة تُبرزه، على سبيل المثال من خلال تدخلات الراوي نيابةً عنه. ونظراً إلى علاقته الخاصة بالراوي، غالبًا ما يُنظر إليه تلقائياً على أنه مُمثل القارئ في السرد. ومع ذلك، لا يُمكن بأي حال من الأحوال مُقارنته بالقارئ الحقيقي، الذي يبقى خارج سياق الرواية.

وقد درس جيرالد برنس(21)، في مقالٍ أصبح الآن مرجعاً، دور المُروى عليه وحدد خصائصه داخل السرد. عند أدنى مستوى من التمثيل – “الراوي من الدرجة صفر” – يكون بالضرورة مُجهزاً بالقدرة على فهم الرسالة التي ينقلها الراوي (ومن ثم، يمتلك المهارات اللغوية والثقافية اللازمة على فك رموز خطاب الراوي). يتميز وجود الراوي “المحدد” بإشارات أكثر مباشرة، وإشارات إلى مكانته الاجتماعية أو شخصيته المنتشرة في النص، وما إلى ذلك. الرابط الذي يجمع قطبي السرد نصي بطبيعته، ويشير إلى مفهوم البناء السردي، الذي يُشكل جانباً أساسياً في دراسة النصوص الأدبية.

يلعب المنظور السردي دوراً في السرد. يقترن موقع الراوي الخاص (داخل القصة أو خارجها) بقدرته على وضع مسافة أكبر أو أقل بينه وبين المواقف المروية، أو مراقبتها من وجهات نظر مختلفة. ومن ثم، يمكنه البقاء قريباً من الأحداث المروية، أو – على العكس – النأي بنفسه عن القصة. في الحالة الأولى، تُوضع الأحداث في المقدمة؛ وفي الحالة الثانية، يكشف الراوي للقارئ عن الراوي أكثر مما يكشف عن الوقائع، مما يُوضح التناقض بين السرد الموضوعي والسرد الذاتي. يمكن أن تتجلى هذه المسافة في سرد الأفكار الذي من المفترض أن ينقل تطور الحياة النفسية من الداخل.

ومن جانبه، يسمح التركيز للراوي بتبني وجهة نظر إحدى الشخصيات لسرد الوقائع أو المواقف، أو – على العكس من ذلك – استبعاد نفسه من الخطاب السردي. يمكن تلخيص المواقف المختلفة المحتملة للراوي في عرض الوقائع في ثلاثة مواضع: لا يركز السرد على أي شخصية (وهذا هو التركيز الصفري الذي يستخدمه الراوي العليم بكل شيء، وهو سمة الرواية التقليدية)، بل يتبنى وجهة نظر شخصية واحدة أو أكثر (التركيز الداخلي)، ويلتقط فقط الجانب الخارجي للكائنات والأشياء التي يتحدث عنها (التركيز الخارجي)(22).

هذه الأنواع المختلفة من التركيز ليست متنافية، وغالباً ما تتناوب داخل النص الأدبي. ومع ذلك، فهي توجه القراءة وتسمح بجميع أنواع التأثيرات الدلالية.

ولكي يكون هناك سرد، يجب أن يكون هناك أيضاً إطار مكاني – زماني يستوعب الوقائع المروية. لا شك أن مسألة الزمن تتعلق بكل من بنية التاريخ والسرد. إذا اعتبرنا، على غرار هاني الراهب، أن الزمن هو البطل الحقيقي للرواية العربية المعاصرة، فإنه مع ذلك يُشكل عنصراً مُكوّناً للسرد، إذ هو مدة خاصة بالسرد، مُختلفة عن الفترات التي تُثيرها القصة. للسرد زمنه الخاص، المُقاس بالكلمات والسطور والصفحات، والذي يُحدد عرض الأحداث وقراءة النص.

يُركز التحليل الأدبي بنحو أساسي على العلاقات المتبادلة بين هاتين الفئتين من الزمن (زمن التاريخ وزمن السرد). وهكذا، يُمكن أن يحدث السرد بعد اللحظة التي يُفترض أن تقع فيها الأحداث المروية، أو قبل وقوعها، أو في وقت حدوثها المُفترض نفسه (السرد اللاحق أو السابق أو المُتزامن). ومن التقنيات الشائعة في الرواية التقليدية، على سبيل المثال، بدء السرد من نقطة تلي بداية الحدث، ثم العودة السريعة إلى سرد الأحداث السابقة لسطور الرواية الافتتاحية، بل وفي كثير من الأحيان سرد قصة بعد انتهائها.

كما يشير سمر روحي الفيصل(23)، عن أن الرواية تعمل بوصفها طقساً على مزيج من السرد اللاحق والمتزامن، مما يُشكل زمن القصة داخل السرد، من خلال ترتيب الأحداث وتوجيهات الراوي. وتُميز مفاهيم السببية والتتابع الزمانية في الكتابة الروائية، وهي جزء من الاهتمام بتوافق واقعي بين عالمي الخيال والواقع. تخضع اللقطات الارتجاعية التي قد تُخلخل النص لهذا المنطق العام، ولا تُقوّض خطية الرواية التقليدية. لم يُطرح هذا النوع من التسلسل موضع تساؤل إلا مع جيل الستينيات. تحتل دراسة الزمن في الرواية مكانة مهمة في فهم الأدب السوري المعاصر. وقد سعى تحليلنا إلى إظهار الأشكال التي يتخذها الزمن الروائي، لا سيما عبر تسليط الضوء على التوافقات أو الاختلافات القائمة بين التسلسل المنطقي والتاريخي للأحداث وما يليه في النص الأدبي، وإبراز آثارها في قراءة الأعمال المدروسة.

وأشرنا سابقاً إلى أن الغالبية العظمى من الروايات قبل ١٩٦٧ كانت تعتمد في المقام الأول على التسلسل الزمني، مع مراعاة قواعد التوافق مع العالم الواقعي. لكن هذا لا يعني أنها تتبع هذا التوجه حرفياً، حاظرةً أي استرجاع للأحداث في أثناء السرد. لذا، تلجأ أحياناً إلى مفارقات تاريخية دون أن تُعطل تسلسل الأحداث تماماً. يتدخل الاسترجاع لتوضيح التسلسل السببي للأحداث المروية أو لشرح الوضع الخاص للشخصيات في لحظة ما من الحدث. يمكن للكاتب أيضاً اللجوء إلى الاستباق (إسقاطات على مستقبل القصة)، لكن هذا النوع من الاستباق أصعب استخداماً ويظل نادراً. لا يُفيد تطور معالجة الزمن في الرواية الاستباق، إذ يبقى استخدامه هامشياً نسبياً. وفي حين أن الحدث، الوحدة الأساسية التي يتشكل فيها الزمن في السرد، يُمنح مكانة جديدة بتأثير المراجع الجديدة في تكوين الزمن الروائي، وخاصة المراجع النفسية أو تلك القائمة على الأساطير، وهي سرديات تفسيرية تُشكل أساس الجماعات البشرية. وإضافةً إلى دور الترتيب في تحديد الحدث، هناك أيضاً دور الإيقاع، الذي يتجلى في السرعة التي يُضفيها السرد على القصة. تؤثر الفواصل الزمنية التي تفصل بين تسلسلات النص، أو المدة التي تُميزها، في بناء السرد وتُحدد سرعته: بطيء في التوقف، متزامن في المشهد، سريع بفضل الاختصار أو الحذف. وهكذا، يُتيح الإيقاع إبراز بعض عناصر السرد وإخفاء أخرى، مُستغلاً توتر الأحداث من خلال خلق الحركة وتعديل مشاعر القارئ أو اهتمامه. كما يُمكن سرد الحدث عدة مرات، أو تقسيمه إلى عدة أجزاء. يُعدّ النمط المفرد (يروي الراوي ما حدث مرة واحدة) بلا شك النمط الأكثر شيوعاً. ومع ذلك، تتبنى الرواية أحياناً أنماطاً سردية أخرى تُمكّن دراسة التكرار من عزلها: التكرار (يُكرر الحدث عدة مرات)، والتكراري (تُروى عدة أحداث في آن واحد). من خلال هذه التقنيات، نشعر بعالم خيالي عالق في العادات، جامد، أو – على العكس – نتابع تطور الأشياء والشخصيات. إن تعدد الرواة أو الأصوات، عند سرد القصة نفسها على يد عدة شخصيات أو وفقاً لوجهات نظرهم، يندرج ضمن أسلوب التكرار. وهكذا، تدمج القصة نسخاً متعددة من الحدث نفسه، وتنقل التركيز من الموقف إلى الممثلين، بالتركيز على منظور كل منهم. هذا الأسلوب يميز النصوص الحديثة، وهو غير موجود في الرواية السورية التقليدية.

ولا يبدو المكان الذي يشغله الفضاء في تنظيم الرواية بديهياً، ولا يحظى بإجماع. لذا، يرى جيرار جينيت أن الفضاء جزء من التاريخ، ولا يلعب دوراً في بناء الرواية. مع ذلك، يؤدي عرض الأماكن في الرواية عدداً من الوظائف المهمة، فهو يُدرج الروائي في الواقع الخارجي. ويتأسس الفضاء في الرواية بشكل رئيسي من خلال ذكر الأماكن والأوصاف. وهذه الأماكن، مع استثناءات قليلة، تُشير إلى أماكن حقيقية، موصوفة على هذا النحو (وهذا هو حال دمشق، التي تُمثل الإطار المكاني لجزء كبير من الروايات السورية). درس فيليب هامون آلية الوصف في الرواية الواقعية، وتُظهر تحليلاته أنه، كموضوع للوصف، لا يمكن استبعاد المكان من السرد. فهو لا يدخل فقط في معالجة الزمن المذكورة آنفاً، بل يلعب أيضاً دوراً في تطور القصة ذاتها. لم يعد الوصف مُعارضاً للسرد، فكلاهما يُقدم الحدث. يمكن للفضاء أن يؤدي مهمة أخرى، إذ يُؤهل الشخصيات نفسياً واجتماعياً، كونه إطاراً لأفعالهم والمواقف التي يواجهونها. وبهذا المعنى، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتصوير الشخصية.

وتُشكل الشخصية العنصر الرئيس في إخراج الأحداث، في وهم الواقع الذي يُحيي الكون الروائي. ويعتمد الفعل عليها، فهي من تُمثل، وتخضع، وتدفع القصة نحو نهايتها. هناك أنواع مختلفة من الشخصيات التي حددها النقاد على مر العصور، وفقاً لمعايير واهتمامات مختلفة. في الرواية العربية التقليدية، غالباً ما تكون الشخصيات أنماطاً تُمثل فئات اجتماعية أو أخلاقية. تُبنى الرواية حول بطل – أو حتى مجموعة صغيرة من الشخصيات الرئيسية – تُحيط بها شخصيات ثانوية تُجسد وجهة نظر الكاتب. البطل هو المتحدث الرئيس عن أفكار الكاتب ورؤيته للعالم التي يرغب في نقلها. ولهذا السبب غالباً ما تتخذ الحوارات أو المونولوجات شكل منبر لمناقشة القضايا الرئيسية التي تُهم العالم العربي. يتحدد البطل، استناداً إلى النموذج الاجتماعي النفسي الذي يجسده والمواقف التي يمر بها، بقربه الشديد من شخصية المؤلف الحقيقية، التي يستعير منها الكثير من سماته وأفكاره.

الشخصية بسيطة، وهي تتمحور حول معنى محوري، وتُبنى خارجياً، من خلال عرض الراوي، وداخلياً، من خلال كلماته وسلوكه. وهو يُشكل حجر الزاوية في بناء السرد في الرواية التقليدية. من حوله، ومن أجله، يتكشف السرد.

إن كل نص أيضاً نتاجُ تاريخ. أولاً وقبل كل شيء، تاريخ لغته، التي تحمل في طياتها ذاكرة ماضيها. في حالة اللغة العربية، فإن تثمين لحظات الماضي العظيمة وتقديس الوسيط القرآني يجعلان من مساءلة اللغة الروائية أمراً ذا صلة دائماً. يكمن أحد التحديات الرئيسية للتجديد الأدبي في اللغة، التي جرى تحديثها وتكيفها مع الاحتياجات الجديدة من قبل أجيال الكُتّاب الذين تعاقبوا منذ القرن التاسع عشر. ولكن: هل يكفي هذا لخلق أداة كتابة جديدة، أدبية تحديداً، تلبي احتياجات المثل الروائي الذي يسعى إليه الكُتّاب؟ إن تجاوز صور الماضي التي تنقلها اللغة من خلال التراث الذي صنعته ذاكرتها، دون إنكارها أو فقدان هويتها، يمثل التحدي الذي يجب على الكُتّاب العرب مواجهته. وإدراكاً منهم لهذه الضرورة، يُسهم كلٌّ منهم في بناء لغة أدبية مُجرّدة من المواضيع المُتجذّرة، ومع ذلك تُجسّد تعريفاً مُحدّداً للكائن العربي، حريصاً على عدم التقليل من إمكانياته التعبيرية، وحريصاً على التكيّف مع تعديلات الكتابة الروائية.

وتحمل النصوص أيضاً ذكرى ماضيها. فلا شيء يُكتب إلا إعادة صياغة، عن قصد أو بغير قصد، لنصوص سابقة. لقد زاد انتشار النقد الحديث من وعي الكُتّاب بآليات التناص وما يُتيحه من إمكانياتٍ كبيرة. نادرًا ما يكون التناص صريحًا في الكتابة الروائية التقليدية، فإنه يُؤكّد نفسه بشكلٍ أكثر تعمداً في الروايات المُبتكرة. يُمكن أن يأخذ أشكالاً مُختلفة وفقاً للتصنيف الذي وضعته علم السرد: العلاقة بالنموذج العام (التناصية اللاهوتية)، العلاقة بالخطاب المُصاحب (التناص الموازي)، تحويل نص آخر (التناص التشعبي)، الإشارة الصريحة إلى نص آخر (التناص بالمعنى الدقيق للكلمة)، التعليق على نصّ خاص (التناصية الفوقية). العنصران الأولان حاضران في جميع الكتابات، ومن ثم يمكنهما أن يُميِّزا الرواية التقليدية. أما العنصر الثاني، فهو غير متطور في الرواية السورية عموماً. يميل العنصران الأخيران إلى التطور في الآونة الأخيرة، وخاصةً ما وراء النص، الذي كان غائباً تماماً عن النموذج التقليدي.

وأتاح هذا الفصل فرصةً لعرضٍ عام لأهداف دراستنا ونقاط انطلاقها. وبعد وضع الإطار العام للتحليل، حان الوقت الآن للتطرق إلى جوهر الموضوع.

مصادر وإشارات:

  1. “الأدب المعاصر في سوريا”، في “سوريا اليوم”، أندريه ريمون (محرر)، باريس، إصدارات المركز الوطني للبحث العلمي، 1980، ص ٤١٩.
  2.  كلود كرول، “حكايات وقصص من سورية”، جنيف، دار زوي للنشر، ١٩٨١، ١٨٥ صفحة؛ وميشيل أزرق، “قصص سورية قصيرة حديثة”، واشنطن، دار نشر ثري كونتيننتس، ١٩٨٨، ١٣١ صفحة.
  3. إيست غرينستيد، بوكر ساور، تحرير (فصلية).
  4. كانت هذه هي المقالة الوحيدة باللغة الفرنسية في ذلك العام، وفقاً للقائمة المنشورة في مجلة الأدب العربي “مقالات في الأدب العربي نُشرت عام ١٩٩٢”، المجلد الرابع والعشرون (١٩٩٣)، الصفحات ٢٥٨-٢٧٠.
  5. “النثر السوري المعاصر”، إيبلا، العدد ٥٥ (١٩٩٢)، الصفحات ٨٩-١١٠.
  6. “ببليوغرافيا الروايات السورية (١٩٧٠-١٩٨٩)”، مجلة الأدب العربي، المجلد ٢٢ (١٩٩١)، ص ١٧٦-١٨١.
  7. باريس، ميزونوف ولاروز، ١٩٩٣، ١٦٢ صفحة.
  8. الأدب العربي المعاصر، ص ٩٦.
  9. ملاحظة من المترجم: تستشهد ندى توميش بالكاتب اللبناني إلياس خوري كأحد الكُتّاب الذين يُمثلون الحركة الروائية السورية. كيف يمكن إدراج الكاتب الكبير والراحل إلياس خوري 1948-2024 في خانة كتّاب الرواية السورية، وبأي معنى؟ إذا كان هناك من تأثير، فالأمر مختلف، وفي غير موقعه اختياراً.
  10. يتضح ذلك من خلال مراجعة بيرجيت سيكامب التي سبق ذكرها، وكذلك مراجعة حسام الخطيب وسمر روحي الفيصل (مجلة الروايات السورية، 1865-1979)، الموقف الأدبي، العدد 129-130 (1982)، ص 381-389.
  11. هذا لا يعني أنهم يرفضون القصة القصيرة أو لا ينخرطون في هذا النوع من الكتابة، بل إن الرواية تظل النوع المفضل لديهم الذي ينتجون فيه روائعهم.
  12. من بين ممثلي هذا التيار، يمكننا أن نذكر على سبيل المثال م. برادة، وس. علوش، وي. العيد، وس. يقطين.
  13. ميشيل رايمون، الرواية، باريس، أرماند كولن، 1989، ص 19.
  14. خصص الناقد حسام الخطيب عملاً خاصاً لوصف التأثيرات الأجنبية على الأدب السوري في دعم العمال الأجانب وأشكالها في القصة السورية (سبل المؤثرات الأجنبية وأشكالها في القصة السورية الحديثة)، دمشق، المكتب العربي لتنسجم، 1981 (الطبعة الأولى: 1973)، ص 192.
  15. توماس بافل. عالم الخيال، باريس، لو سيويل، 1988، 210 ص.
  16. عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية (نظرية الرواية)، الصفاة (الكويت) المجلس الوطني للثقافة والفنون. والأدب، 1998، ص 86-87.
  17. يرى الناقد السوري سمر روحي الفيصل، في دراسته لرواية الثمانينيات، أن هذا التساؤل لم يؤدِ إلى التخلي عن النموذج التقليدي، بل إلى تكييفه، وأنه لا يزال أمامه مستقبل مشرق. راجع “بناء الرواية العربية السورية” (1980-1990)، دمشق، اتحاد الكتاب العرب 1995، 453 صفحة.
  18. وقد أبرز ف. لوغون هذا الجانب بشكل خاص في كتابه “الميثاق الذاتي”، باريس، سوي، 1975، 357 صفحة.
  19. لا يسعنا إلا أن نشير إلى أن مقال شعيب الحليفي، هوية العلامات (الوسائل السيميائية لممارسة نصية)، لاهاي – باريس – نيويورك. موتون، ١٩٨١، ٣٦٨ صفحة.
  20. “مقدمة في تحليل الراوي”، فن الشعر، العدد ١٤ (نيسان ١٩٧٣)، ص ١٧٨-١٩٦.
  21. رؤى “من الخلف”، أو “مع”، أو “من الخارج”، وفقاً لمصطلحات جان بويون (ينظر: الزمن والرواية، باريس، دار غاليمار، ١٩٩٣، ٣٢٥ صفحة).
  22. المرجع السابق، ص ١٩٤.

خاتمة عامة:

منذ القرن الماضي، تغيّر وجه الأدب العربي جذرياً مع ظهور أنواع أدبية جديدة كالدراما والرواية، وهي أشبه بنسخ مستوردة من أوروبا. ومن خلالها، برزت مشاريع أدبية ركّزت على التكوين والابتكار والحداثة والتقدم. عبّرت هذه الأعمال عن سعيٍ نحو الهوية ورغبةٍ في التغيير، سواءً من خلال الإصلاح أو الثورة. ولكن، كي يجد الخطاب الذي نقلته صدىً يسمح لها بالخروج من التهميش الذي بدا أن أصولها الخارجية قد قيدتها به، كان من المهم أن تُنشئ هذه الأنواع الجديدة روابطَ تُمكّنها من اكتساب صورةٍ معترفٍ بها في مجتمعاتها.

ينطبق هذا التقييم العام للدراما والرواية العربية الحديثة تماماً على وضع الرواية السورية، ومع مطلع الألفية الثالثة، يُمكننا أن نرى مدى التقدم الذي أحرزته. وقد وُلِد هذا النوع الأدبي في مطلع القرن العشرين، في فترة بناء أمم، عالقاً في دوامة تاريخ مضطرب غالباً ما أفلت من أبطاله، وقد رسخ مكانته في غضون عقود قليلة محركاً أساسياً للحياة الثقافية. ويشهد على ذلك الارتفاع الملحوظ في عدد الروايات المنشورة، وكذلك جودة إنتاجه. ورغم تعرضه لضغوط اجتماعية أو سياسية، وغلاء المعيشة، ونظام توزيع غير متسق أحياناً، وجمهور لا يزال صغيراً نسبياً، ونفي بعض المثقفين، فقد قاوم جميع الهجمات. وتُظهر الأعمال التي نوقشت في الصفحات السابقة حيوية هذا النوع الأدبي الذي اكتسب شهرته الآن.

أسهم جيل الكُتّاب الذين ظهروا خلال ستينيات القرن العشرين إسهاماً كبيراً في تطور نوع أدبي، رغم أنه عدَّ أجنبياً في البداية، فإنه تمكن من التطور من طريق السعي إلى تحقيق التوازن بين التجربة العربية، والتراث المتوارث جيلاً بعد جيل، والانفتاح على الأدب العالمي. لقد أظهر كلٌ من الكُتّاب الذين اختاروه لتوضيح القضايا الرئيسية في الثلاثين عاماً الماضية – بطريقته الخاصة – الأهمية التي يُعلقونها على شكل الرواية ودورها الاجتماعي. ومن خلال انفتاحهم على التطورات الإقليمية والعالمية، مكّنوا الرواية من بلوغ مرحلة نضج يستفيد منها جيل الشباب حالياً.

يحافظ هؤلاء الكُتّاب الجدد على صلة واضحة بالاتجاهات التي بدأت قبل بضعة عقود. وفي الأمثلة التي نوقشت في الجزء الأخير من الدراسة، يُمكننا أن نرى أنهم يسيرون على خطى أجدادهم، ويدفعون باستكشاف الإمكانيات التي يُتيحها النثر الروائي إلى أبعد من ذلك. إن الصورة التي تُقدمها الروايات التي ناقشناها، والتي تتسم بالدقة، وأحياناً بالتناقض (حتى وإن كان نهجنا المُبتكر في اختيار الأعمال قادراً على تذليل بعض الاختلافات)، تُبرز أن لهذا النوع الأدبي تاريخه وجمالياته الخاصة. ويتجلى ذلك في المصطلح الشائع الآن “تقليدية” (التقليدية أو النموذج التقليدي)، الذي ردده الناقد سمر روحي الفيصل مراراً وتكراراً. ومن المُسلّم به أن هذا المصطلح يُعرّف في مُعارضة لمفهوم مُختلف للرواية. الرواية، بطبيعتها، تُحيط بواقعٍ دائم التطور والتحول، لا يُمكن تعريفه إلا بتجاوزه.

هذا الوضع ليس حكراً على المجال السوري، بل ينطبق على الأدب العربي عموماً، حيث يُمكن ملاحظة تطوراتٍ مماثلة. لم تقتصر الرواية السورية على ممارسةٍ إقليمية، بل ابتعدت تدريجياً عن وصف الحياة الوطنية اليومية لتقترب من حقائقَ مشتركةٍ أوسع. دون أن تنفصل عن تجربتها العربية، تتجه الرواية بشكل متزايد نحو الإنسانية في جوانبها الجوهرية والعالمية. من الهزيمة والخسارة في “قارب الزمن الثقيل” [لعبدالنبي حجازي] إلى إلغاء ممارسة السلطة في مجتمعات ما بعد الاستعمار في “التلال” [لهاني الراهب]، والمسار متماسكٌ جزءاً من حركةٍ عربيةٍ أوسع. وهكذا، يُسلّط محمد برادة، في عرضٍ يُخصّصه لمستقبل الرواية العربية المعاصرة عموماً، الضوء على السمات التي تُميّز الإنتاج السوري على وجه الخصوص. أصبح التاريخ المادة الأساسية التي تُبنى عليها الرواية، دون الوقوع في استحضار أحداث تُحاكي الواقع المُعاش. كما يُركّز على السرد وعناصره الأساسية، وعلى العلاقة الخاصة التي تجمع الكاتب بقارئه. ويتسم النص بالحوارية وتعدد الأصوات، وينفتح على خطابات مُختلفة وعلى لقاء النصوص. وهكذا، يُثبت التناص نفسه عنصراً أساسياً في الكتابة المعاصرة.

من خلال هذا الوصف العام للاتجاهات العامة للأدب، يُحدد أيضًا تطوره المستقبلي، وهو ما ستسهِم فيه الرواية السورية بلا شك.

إشارتان:

  1. لوك-ويلي ديهوفيلز، “شهادة أدبية: الرواية والمسرح بين الشرق والغرب”، العرب: من الرسالة إلى التاريخ، ب. شوفالييه وأ. ميغيل (المحرران)، باريس: فايار، 1995، ص 424.
  2. (الرواية العربية المعاصرة: آفاق التطور المستقبلي)، في (أسئلة الرواية، أسئلة النقد)، الدار البيضاء، تحرير الرابطة، 1996، ص 54-81.
Share:

You Might Also Like