أحمد خضر أبو إسماعيل: في ممر الفئران.. هل تصدق نبوءة العراب؟

شغلت فكرة نهاية العالم حيزاً لا بأس به من خيال الروائيين حول العالم، ولطالما حاولت السينما أو الدراما أن تُعيد صياغة تلك الأعمال الأدبية  لتنقل الفكرة المجردة إلى صورة واقعية وتحاول الاتكاء على معطيات ومتغيرات يعيشها العالم ولا سيما الظواهر الطبيعية المدمرة وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية، وفي كل مرة تتجلى فكرة التحدي يقف الإنسان عاجزاً أمام هول ما يعيشه، ونخلص إلى أن فكرة النهاية هي رصد استشرافي عَمل عليه الأدباء على مر العصور، وكأنهم يحاولون تحذير الإنسان من فرط جنونه. في سياق آخر أثبتت فكرة النهاية أنها نتيجة لعبثية تصرفات البشر على الأرض فالطمع الإنساني التوسعي هو الخطوة الثابتة نحو النهاية المأساوية دون أدنى شك. ولعل الفكرة كانت ولا تزال مغرية للكثير من الأقلام العربية، ولا يمكننا أن نتجاوز رائعة الراحل د. أحمد خالد توفيق الموسومة في ممر الفئران.

هذا العمل السردي الذي يُعتبر مؤسساً في عالم الرواية الفنتازية العربية ونقطة فارقة برهنت أننا نعيش اليوم جزءاً من تلك النهاية، علماً أن الرواية صدرت عام 2016 عن منشورات دار الكرمة، ولكنها حاولت أن تطوع الخيال الفني في بناء سردية تكاد تكون واقعية من حيث الإسقاطات الرمزية التي سعى د. أحمد خالد توفيق أن يوظفها توظيفاً يواءم البناء القصصي للسرد، فأنت أمام عالم متكامل بناه “توفيق” بدقة متناهية وينوه الكاتب في السياق ذاته أن أساس الرواية ومادتها الخام كانت قد ولدت في سلسلته الشهيرة “ما وراء الطبيعة”، تحديداً في عددها الشهير “أسطورة أرض الظلام”، ولكنه عمل على تطوير الحبكة بنحو استثنائي ليصيغها في قالب روائي طويل يقع في 384 صفحة، فمن الكُتيب إلى الكتاب ومن القصة إلى الرواية هكذا نسج الروائي أحمد خالد توفيق خيوط روايته في ممر الفئران.

الخيال الفني العلمي وتوظيفه في السرد

أن تكتب عن المستقبل بصيغة الاستشراف فأنت هنا أمام كتابة تقريرية، ولكن أن تخوض غمار المستقبل وأنت تعاصر أحداثه فأنت بحاجة إلى المزيد من الخيال، وهنا جاء دور بطل الرواية “الشرقاوي” لينقلنا معه في رحلة تكاد تكون حقيقية في غيبوبته التي حيرت الأطباء، ومن هنا نؤكد أن العراب بنى الحدث على مقاربة “الحلم” وهي الأداة الأكثر كلاسيكية، فأنت أمام بطل “يتخيل” أو بشكل أدق يعيش خيالاً وتُعد هذه الأداة كلاسيكية لأنها منطقة آمنة للكتابة، في اللحظة التي يشعر الكاتب أنه وصل إلى نقطة الإشباع سيهرب من السرد ويوقظ البطل، وتُعد هذه المتوالية السردية “الخيالية” مشبعة من فرط الاستخدام إلا  أن العراب وفَّق من خلالها بين خطين زمنيين منفصلين للسرد، عالم واقعي مادي يظهر فيه “الشرقاوي” ممدداً في المستشفى، وفي الوقت نفسه هو البطل الإشكالي الذي يعيش تجربة في أرض الظلام.

ومن خلال خيال الشرقاوي نحن نرى الواقع الذي نعيشه، بمعنى أدق إن ما تبناه الروائي في أسطورته الديستوبية هو انعكاس لواقعنا، ولأن الخيال هو الابن الشرعي للعلم، فالاختراع المادي هو في الأساس فكرة خام تحتاج لسنوات وسنوات لتصبح واقعاً ملموساً استند العراب على نظرية الأكوان المتوازية، فلم تبتعد قصة الشرقاوي عن القاهرة بل بقينا في الأراضي القاهرية ولكنها المدينة التي غرقت في الظلام.

“الواقعية السحرية” وتمدد الزمكان

اختار العراب النفاذ إلى أسطورته من خلال مادة علمية نوعاً، فعندما نتحدث عن نظرية الأكوان المتوازية نُلغي عنصرين أساسيين هما الزمان والمكان أو على الأقل الزمان في هذا السرد وعليه يتسع هامش الحرية للكاتب تدريجياً فالدقائق التي يعيشها الشرقاوي في الواقع السردي إن صح التعبير هي سنوات في غيبوبته، ومن ثم كان من السهل على العراب أن يُقنع القارئ بتمدد الزمن فالحلم أو الغيبوبة هي العجينة السلسة التي اعتمدها الروائي في صناعة المادة السردية، فتطور الأحداث التراكمي مهما اتسع هو في واقعنا لا يكاد يكون سوى لحظة، ومن هنا نستطيع القول إن زمنَي السرد حتى لو اختلفا لكنهما كانا يتقاطعان وليسا متوازيين وهذا ما أكسب السردية شيئاً من وهم الواقعية أو ما نصطلح على تسميته بالواقعية السحرية، فالقارئ أمام أحداث خيالية ولكنها مرتبطة بخيوط دقيقة تكاد تكون مرئية بالواقع.

يغوص أحمد خالد توفيق أكثر ويصنع الأسطورة، ويُجيب بحرفية عن الأسئلة الوجودية التي يطرحها القارئ ويقدم الأسطورة في غلاف علمي فالقاهرة المظلمة أو الكوكب المظلم لم يوجد عبثاً بل وفق السردية يعتمد الكاتب على الاسترجاعات الخارجية للشخوص، فتحدثنا الشخوص عن اصطدام كويكب عابر بالأرض ونتيجة الاصطدام المهول تتشكل سحابة سوداء تحجب نور الشمس عن الأرض، وببحث بسيط أو بمقاربة بسيطة نستطيع تفسير الظاهرة من زاوية مغايرة إلا أنها تقودنا إلى النتيجة ذاتها، وهي ظاهرة “الشتاء النووي”. فحسب الفرضية، إن انفجار قنبلة نووية ذات قدرة تفجيرية عالية ستدخل الكوكب فيما اصطلح العلماء على تسميته “الشتاء النووي” وبشكل أو بآخر يحيلنا العراب إلى الواقع ويضع البشرية أمام تحدي التطور العلمي فكأنه إسقاط غير مباشر لفكرة السحر الذي سينقلب على الساحر ذات يوم، صحيح أن سياق الرواية جاء من زاوية مغايرة لكن وحدة النتيجة تجعلنا نفكر خارج الصندوق قليلاً لنرى أن الخيال العلمي تم توظيفه في بناء القصة ليس نوعاً من الإفراط في الخيال بهدف الإبهار بقدر ما هو تحذير من الجنون البشري.  

ما أكسب السرد بعداً واقعياً أيضاً هو المكان، فلم يفرط العراب بالمكان ليضع القارئ في جغرافية يعرفها تماماً، وهنا يمكننا أن نثمن هذه الجرأة من العراب فهو لم يذهب بنا نحو عوالم خيالية بحتة بل طوع المادة الأسطورية في سياق مكاني، فمن يعرف تفاصيل القاهرة يستطيع أن يميزها في بعد آخر من خلال التلميحات الواضحة للكاتب والاهتمام بتلك التفاصيل المكانية التي تنقلنا بطريقة درامية نحو الواقع، فلو اختار تشكيل الأسطورة في سياق مكاني مختلف سيقع القارئ في غربة مكانية ويشعر أنه غير معني بالأحداث وهذا يؤكد خطة العراب في رسم تفاصيل سرده فهو يُرينا الواقع بعيونه ولا يوظف الخيال من باب الإمتاع فقط.

البطل الاستثنائي “السارد المُعاصر”

هي سمة متلازمة في سرديات أحمد خالد توفيق، إن لم نقل أنه يصنع البطل الأضعف، فلو دققنا في بناء شخصية الشرقاوي سندرك أنه بطل قصة يجهل مناخها، وهنا يسقط العراب سمة السارد العالم بكل شيء بل يصنع لنا بطلاً يقود أحداث القصة بشكل مُعاصر، ومن ثم يشعر القارئ بقرب الأحداث منه فالبطل هنا يعايش الحدث ولا يتحدث عنه في صيغة الماضي، فهو يعيش التجربة وليست خبرات تراكمية يُحدث عنها، وهذا ما يزيد من القيمة الفنية للعمل فالقارئ متوجس كما البطل الذي ينتظر المفاجأة التي تغير مجريات السرد.

ولو ذهبنا إلى فيليب هامون ودراساته المطولة عن بناء الشخصية الروائية سنجد أن اختيار العراب لاسم الشرقاوي لم يكن عبثياً، ناهيك أن الاسم بتكوينه ومقاطعه الصوتية يحملنا إلى البيئة المصرية تلقائياً فهو ينسب البطل بتكنيك مصري إلى “الشرق” فيقول المصريون في نسب الأسماء أهلاوي أو زملكاوي “فنرى أننا لو أردنا إعادة صياغة الاسم بصيغة دقيقة فهو “شرقي” وكأن العراب أراد أن يكشف لنا عن رسالة ضمنية بأن المأساة هي مأساة عربية، وهذا ما يبرهن عليه تكامل الأحداث، فرغم أن القصة تكاد تكون شيئاً مستحيل التحقيق وعبارة عن هلاوس لكن الرمزية المُتبعة في أثناء الكتابة تجعلنا نعيد صياغتها في عقولنا فنستنتج أن السرد يتبنى واقعاً عربياً نعايش كل تفاصيله، نجح العراب في صناعة الرمز ونجح أيضاً في إسقاطه فكل رمز هو انعكاس للواقع.

صناعة الرمز وتوظيفه في البناء القصصي للصراع الدرامي

في كل صراع درامي يجب تشكيل طرفين أساسيين لهذا الصراع، ولا يمكننا أن ننكر أن ثنائية الخير والشر والظالم والمظلوم هي الثنائية الأساسية في بناء أي سرد واقعي، فمهما اختلفت بنية السرد لا بد أن تُبنى الحبكة الروائية على عقد تضع طرفي الصراع في مواجهة، و”في ممر الفئران” نرى هذه الثنائية بنحو جلي، وجاء ذلك متماشياً مع القصة، فوصول الشرقاوي إلى أرض الظلام هو بمثابة ظهور النور، النور المُحرم حرفياً على سكان المدينة المظلمة، ليتحول النور في العوالم المظلمة إلى جريمة يحاسب عليها القانون، القانون الذي وضعه الظالم، ومن هنا ندرك مجاز العنوان، إذ اختزل العراب الحالة التي يعيشها الأفراد في أرض الظلام بحالة الفئران التي تخاف النور، ولو حاولنا أن نبحر قليلاً في خيال العراب ونحاكي بأفكاره الواقع ستجسد الرواية حالة الربيع العربي الذي تبنى فكرة التحرر من العبودية وإسقاط الطواغيت، فالظلام المادي في واقعنا هو أشبه بسياسات القمع والتجهيل المُتبعة في دول العالم الثالث والتي تشرع للحاكم كل ما يحلو له، ويأتي النور رمزاً مضاداً يحمل في ثناياه موجات الحرية التي اجتاحت العالم العربي، فكأن السنوات التي عاشتها الشعوب في ظل حكم قمعي أشبه بسنوات مظلمة لدرجة أن مفهوم الحرية بحد ذاته أصبح هجيناً لا يمكن تقبله: 

“الثورات لا تقوم ضد الطغاة، بل تقوم ضد البلهاء أولاً. عندما يصير ثلاثة أرباع الشعب ضدك، وقد آمنوا بأن الطغيان أمر إلهي، وأنهم أسعد حالا تحت سلطة أبوية غاشمة.. عندها يصيرون متأهبين لرجمك”.

وهنا نستطيع القول إن “توفيق” نجح ببراعة في وضع الواقع السياسي والاجتماعي في قالب فني، فلم يتخذ من الواقع مادة يعيد كتابتها فقط دون لمسة فنية، بل عمل على إقحام الكتابة الفنية إلى واقع يستعصي عليه أن يكون فنياً، فأن تعيد كتابة الواقع فأنت أمام وثيقة تاريخية هدفها التوثيق لكن أن توثق مستخدماً الرمز والخيال الفني فأنت أمام عمل روائي متكامل.

عول العراب على هذه الرمزية لأنها تخدم البناء القصصي، فلو اعتبرنا الشرقاوي رمزاً ثورياً يسعى للفهم قبل مطالب التغيير فلن يُحارب إلا من المظلومين وهنا إشارة عبقرية من الكاتب إلى سياسة التجهيل المتبعة فأنت تحاكي مجتمعاً بائساً اعتنق الظلام دون أن يعي النور وهذا ترجمة عملية لفكرة الإقصاء السائدة في مجتمعاتنا العربية ودلالة واضحة عل أننا نخشى ما نجهل ولا نرى من الحقيقة إلا جزءاً أرادوا لنا أن نراه، وهنا يطرح العراب سؤالاً يتردد في ذهن أي قارئ: هل الغالبية دائماً على صواب…؟

وكأن العراب يدخل هنا إلى سؤال يدور في أعماق النفس البشرية وليس هدفه التشكيك بقدر ما يهدف للبحث عن الحقيقة، ويتجاوز بسؤاله المادة السردية ليضع القارئ أمام تحدٍ مع انتمائه، ويكرس العراب رحلة الشرقاوي ليصنع لنا إجابة نموذجية، فتواتر القصة ليس مبنياً على عدمية الفعل بل يحاكي رد الفعل، فلو ذهبنا إلى بداية القصة سنجد أن الظلام ألغى فكرة النور تماماً وكأن النور لم يكن موجوداً، وهنا يشير العراب إلى الأفكار المتوارثة، الأفكار التي تناقلتها الأجيال دون وعي، أفكار وجدت في عقول العوام دون التأكد من صحتها، ولكن وجودها واجب في ظل عدم وجود نقيض لها، فالرمزية هنا تم استخدامها لتكون أكثر فعالية، فبين ثنائية الظلام والنور يدرك القارئ من الظالم ومن المظلوم بشكل بديهي وكأن صاحب الحق سيبقى صاحب الحق حتى لو حاولوا طمس هويته ودفن تراثه وجعلها مجرد أساطير، ولكن الحقيقة ستظهر ولو بعد حين:

“أن تكتشف فجأة أنك لست حرا..

وأنك خاضع لنظام قمعي قادر على سحقك..

وأنت في حالة وهن شديد..

بعد قليل تخضع..

بعد قليل تقنع نفسك أنك مطمئن لأن هناك من يعتني بك..

ثم تشعر بامتنان عميق لوجودك في ممر الفئران..

أين ستكون لو لم تكن هناك؟!”.

كسر أفق التوقع وصناعة نهاية غير صادمة

في هذا النوع من السرد يظن القارئ أنه ينتظر نهاية خارجة عن توقعاته، ينتظر انتصاراً للأفكار الصحيحة، فحسب منطق التوازن في السرد ووفق معطيات الرواية ووجود مُتغير مثل الشرقاوي الذي جاء بمثابة النور الذي يلوح في آخر النفق أو آخر ممر الفئران إن تحرينا الدقة، يأتي أحمد خالد توفيق بنهاية متوقعة لو حاكمنا السرد واقعياً، ولكن الخدعة في الحبكة أنه كان يمارس السحرية الواقعية، فأنت أمام الواقع المُغاير الذي صنعه أحمد خالد توفيق بدقة متناهية فتنتظر أن يسقط الطاغية أو كما أشار إليه في السرد “القومندان” الذي جعل من الظلام عقيدة، ومن يريد البقاء على قيد الحياة عليه أن يتبعها، وأي فكرة ممكن أن تكون مغايرة لأفكاره مصيرها أن تسقط في الظلام… ولا يخفى على القارئ رمزية القومندان، فالاسم يحمل بتكوينه رتبة عسكرية، فالرتبة تحمل في مضمونها فكرة الإلزام والإجبار، وكأن العراب نجح في استثارة عواطف القارئ وتعاطفه طوال الرحلة، ولكن في النهاية لم تتحقق الآمال المرجوة وكأن عنصر الخيبة يعيدنا إلى الواقع وكأننا لم نخرج منه أساساً معتمداً على نظرية الصدمة بالواقع، فالقارئ لم يكن مستعداً للنهاية بل كان في كل لحظة يتابع خيط السرد وينتظر القنبلة لكن العراب هو من صنع القنبلة وعمد عدم تفجيرها، فالواقع هو الصدمة غير الصادمة عملياً لأن القارئ يعيشه وعايشه بكل تفاصيله.

“الظُلم ينتصر دائماً في النهاية، والنهايات السعيدة استنفذتها السينما، فلم يعد باقياً منها ما يكفي لعالم الواقع…”.

في الختام

يمكننا القول إن رواية في ممر الفئران هي متلازمة الكابوس التي يعيشها الأفراد، هي عملية نقل كل المكنونات الداخلية إلى الواقع، كأن العراب حاول أن يستخرج كل المخاوف التي نعيشها ويجسدها في المدينة الفاسدة ويقدمها على أنها رواية استشرافية مفادها أن السكوت على الظلم وتبني أفكار الظالم والدفاع عنه هو طريق واحد لن يقود إلا إلى الهلاك، ولو حاولنا بشكل بسيط رسم تقاطعات بين السرد والواقع سنذهل من فرط الواقعية وكأننا اليوم نعيش ما رواه العراب بأدق تفاصيله، فالعمى ليس بالضرورة أن يكون عمى البصر بل عمى البصيرة هو الأشد والأدهى هو غض الطرف عن المظالم التي تعيشها الشعوب حول العالم، وكأننا بشكل أو بآخر غرقنا في الظلام.

مجلة أوراق/ العدد 24

Share:

You Might Also Like