يدخلنا الشاعر عادة إلى غرفته السرية، عبر ممر من تصميمه، برموز تبسط وتتعقد حسب قدرته على الانكشاف، وكلما شف الشاعر اقترب أكثر أو قرّبنا أكثر. في هذه المرة نطرق باب الدار، دار آلاء فودة، فإذا به باب من لحم ودم، ينفتح من تلقاء نفسه، فتدخلنا من فورها في النزيف، وكأن مجموعتها الشعرية تبدأ من غرفة توليد، ليس في مشفى حديث، فلا ممرضات أو أطباء، ولا رائحة كحول طبي أو معقم، بل جدات، ونساء بوشوم على الذقون والمعاصم، وبنات يحملن الملاءات وطشت الماء الساخن، وأخريات عوانس وعواقر يزغردن إذا سمعن بكاء الوليد، ويبكين معه، طفلتان تتجمدان في الزاوية إلى أن ينتهي المخاض ثم تهرعان لرؤية المولود الجديد، وحبل سري يربط بين جميع النسوة، لكنه لا ينقطع، على الرغم من المقصات التي يمكسنها بأيديهن في محاولة الخلاص، لكنه لا ينقطع. كل هذا الزحام المؤنث الخصب يجتمع في أنثى واحدة، إلا أنه لا ينجح في إنجاز المهمة، فالمولودة أنثى؛ أصوات الصبيان تعلو من بيوت الجيران ومن الأزقة المجاورة، إلا أنها لما تزل بعيدة عن فراغ هذه الدار.. شعور الأنثى الولود بأنها عاقر لأنها تعجز عن إنجاب الولد الذكر يشبه سكيناً يجوب الهواء ويحز الحلق والحنجرة والصوت..
بعد أن تنتهي جلبة المخاض، نجد أنفسنا في دار بسيطة، يومية، غير معدة على غير شاكلتها المعتادة لاستقبال الضيوف، ولا يقف أحد قبالة الباب ليعبر بنا إلى غرفة الجلوس، بل يُسمح لنا بالتجول، وقراءة تاريخ العائلة: الأجداد والأحفاد، الصور القديمة والجديدة، مخربشات الطباشير على الجدران، خيبات كثيرة، وقليل من الفرح. كل شيء يبدو في مكانه الصحيح، وبشكل لا يقبل الشك بأن الحياة هناك واقفة على قدميها وتبتسم أمام الكاميرا، لكنها لا تواري أيضاً امرأة توجد في كل أرجاء البيت في نفس الآن وفي كل وفت، فهي تكنس الأرض، وتغسل الملابس، وتحضّر الطعام، وتجلي المواعين، وتجهّز بناتها للمدرسة، وتغلق باب غرفة النوم وراءها، والأهم أنها تمسك بيد أمها وتشد عليها بنفس الطريقة التي تشد بها على أيدي بناتها، وهنا يكمن البعد النفسي الأعمق الذي تكشفه لنا آلاء وتسمح لنا بسبر أغواره، ألا وهو سلسلة الوصايا المستمرة حلقة فحلقة من جيل إلى جيل بين إناث طيعات لينات الطباع مأمونات الجانب، يدركن أن الحياة لا تغير طبعها، وأنهن سائرات لما هو مقدر لهن، ويضحكن على أنفسهن بالأمل فيحسبن أنهن يغيرن شيئاً، ولكن يبقى كل شيء في مكانه الصحيح.
إلا أن المختلف هذه المرة، أن بنتاً لتلك الأم، وقد صارت أماً بدورها وأنجبت بنات عدة، احترفت ظفر أذيال الخيبات والفشل، وعلى غفلة من عيون الكون جدلتهن قصائد وعلقتهن على باب البراد، دستهن تحت الوسائد، حفرتهن بأظافرها على قشرة الجدران، وتركت لبناتها أن يكبرن ويفهمن قصدها.

بالضبط هذه هي آلاء فودة في مجموعتها الشعرية ذات العنوان الشيق (شامة أعلى الرحم) الصادرة عن منشورات المتوسط عام 2024، مشوبة ببعض الأخطاء في التشكيل النحوي تعكّر سلاسة القراءة وتعيق انسياب الفكرة، وربما تُشْكل المعنى على الذين لا ينتبهون لها. بعيداً عن هذا وعن البعد النفسي آنف الذكر، تطرح آلاء قضايا عدة، ينوس بها بندول شعريتها، كحال جميع الشعراء، بين ذروة وانخفاض، وهي إذ تشف في خوضها فيما أسلفناه إلا أن تحتجب وتلوذ بجلباب الإشارة والغموض حين تلمّح إلى الحب والرغبة وغيرها من مكامن النفس الإنسانية، فنسمع ترتيلاً من وراء جدار، يعلو ويخبو، نفهم بعضه ويستعصي علينا أكثره، فتُبقي من دارها غرفة سرية تغرينا لزيارة أخرى مع مجموعاتها اللاحقة.
من الكتاب:
اختبارات سلبية
كلّ ليلة
أعيدُ كُرَةَ كُلِّ شهر
ينتصِفُ الليلُ على ظَهري
تموتُ صفحةٌ من نتيجةِ الحائط
ويضبطُ منبّهُ الصباحِ تلقائيًا
أحلُّ مشاكلَي المتعددة مع الوقت
فتؤلمني الحساباتُ الزمنية
كلّ ليلة أتجسّس على أسفل بطني
أضغطُ بكاملِ راحة يدي
أفتّش عن أيّ نبضٍ غريب
لكائن تنبتُ أعضاؤه على استحياء
كلّ ليلة
أُحدّد – بقلم رصاص – مواضعَ شراييني
وأشاهد هل تورّمت قليلًا؟!
أفتحُ الثلاجة وأختبرُ اشتهائي لبعض الأطعمة
أحضّر بصلًا وثومًا وأحدّدُ درجةَ غثياني الصباحي
يفاجئني بكاء رضيع في جوف الليل
يتفشى زعيقه في السرير
في الحجرة
في الوقت
أقومُ نصف شبقةٍ
أبحثُ عنك
ولا ألمسُ أحدًا
بالأمسِ كنتُ أكتبُ رسالةً لكافكا
أخبرتهُ أني سأعودُ من حلمي قريبًا
حينما يأتي صغيري
لكني لم أستطع إكمالَ رسالتي
لأني لا أملكُ آيةَ تفاصيل
عن أشياء لم تحدث
(وإلي الآن أنا ما زلتُ داخلي يا كافكا)
ما زلتُ أراقب الأطفالَ العائدين من مدارسهم
الأطفالَ المزعجين في المولات
الصبيةَ الجالسين على كراسي الحلاقة
أنصت لجارتي وهي تُحمِّمُ طفلها كُلَّ ليلة
كلَّ ليلةٍ أُعيدُ كُرَةَ كلّ يوم
تحدَّثتُ مع القابلاتِ في دولِ الصحراء
– تجنّبت الأطباء –
علَّمنني طُرُقَ فحصِ الأجنّة
وحسابات الفلكِ النِّسائي
جرَّبتُ كُلَّ وصفاتِهنَّ البدويّة
لكني ككُلِّ يوم
ككُلِّ ليلة
ككُلِّ شهر
أستيقظُ من نومي
على اختباراتٍ حَمْلٍ سلبيّة!
