في ليلةٍ هادئةٍ مليئةٍ بالسلام، هبط مَلَاكانِ، مَلَاكٌ أسودُ ومَلَاكٌ أبيضُ، تجوّلا في المدينة، فشاهدهما سكانُها السودُ والبيضُ. المَلَاكانِ ومنذ لحظةِ هبوطِهما ظلا يتشاجران، صراخُهما أفسد الهواءَ، وأثار في كل مرة عاصفةً من غبارٍ كما لو أنَّ فيلَيْنِ يتقاتلان. حتى الشتائمُ التي كانا يُطلقانِها، غريبةً لم يسمع بها السكانُ من قبل، ولم تدخل قاموسَ أهلِ الأرضِ ربما.
ولم يكنِ المَلَاكُ الأسودُ – حسبَ ما سمعه السكانُ – يعجبه أن يكونَ له شريكٌ على هذه المدينة، فقال للسكانِ السودِ: “علينا أن نطردَ السكانَ البيضَ لكي نعرفَ أنفسَنا ويصفو جوهرُنا.”
والمَلَاكُ الأبيضُ لم يعجبه وجودُ آخرَ معه يعكّرُ مزاجَه، كائنٌ يُماثِلُه في الطبيعةِ ويُنافِسُه في الزعامة، فقال: “علينا أن نطردَ السكانَ السودَ لكي نُنَزِّهَ أنفسَنا من شوائبِ الأعراقِ واختلاطِ الألوان.”
ثم تفرَّقَ السكانُ بعد فترةٍ وجيزةٍ من التفكيرِ بهذا الكلامِ الذي لم ينتبهوا لأهميَّتِهِ من قبل. السودُ ذهبوا مع المَلَاكِ الأسودِ الذي منحوه اسمًا هو “ناجي الأسود”، والبيضُ ذهبوا مع المَلَاكِ الأبيضِ الذي سموه “ناجي الأبيض”.
فصار الشعبُ الواحدُ شعبين، والمدينةُ مدينتين، بينهما جسرٌ مهجورٌ لم يجرؤْ أحدٌ على العبورِ عليه.
وكان للمَلَاكِ الأسودِ قلبٌ أسودُ مليءٌ بالطهارةِ والإخلاصِ – كما يقولُ السكانُ السودُ –، وللمَلَاكِ الأبيضِ قلبٌ أبيضُ مليءٌ بالنزاهةِ والإخلاصِ – كما يقولُ السكانُ البيضُ.
ولم يكن أحدٌ من سكانِ الضفتينِ يعرفُ في البدايةِ لماذا جاء المَلَاكانِ بالضبط، لكنهم على كلِّ حالٍ عرفوا أنفسَهم أخيرًا بعدما كانوا في اختلاطٍ وضياع.
هكذا صار السكانُ أُمَّتَيْنِ، كلتيهما تدَّعي أنها الناجيةُ بالانقيادِ لمَلَاكها الناجي، أُمَّةٌ سوداءُ ناجية، وأُمَّةٌ بيضاءُ ناجيةٌ أيضًا، نقيَّتانِ تمامًا من شوائبِ الآخر.
وكان أفرادُ الأُمَّةِ السوداءِ يقولون بأنهم الأصلُ في المدينة، وأفرادُ الأُمَّةِ البيضاءِ يقولون إنهم الأصل.
كتبوا التاريخَ، واخترعوا طبائعَ من المفروضِ أنها لا تُشْبِهُ طبائعَ الآخر. تبادلوا مشاعرَ الكراهيةِ في حفلاتٍ مقدَّسةٍ حيث بنتْ كلُّ أُمَّةٍ مكانًا خاصًّا لهذا النوعِ من الحفلات.
ولم تَعُدْ أيٌّ من الأُمَّتَيْنِ تُطيقُ الأُمَّةَ الأخرى. ثم استشاروا المَلَاكَينِ في ضرورةِ الحرب، فأشارا إليهم بذلك.
تقاتلوا، وسال الدمُ على الجسر، ذرفَ السودُ دموعًا سوداء، وذرفَ البيضُ دموعًا بيضاء، لكنَّ الدموعَ في النهايةِ اختلطتْ في النهرِ الفاصلِ بينهما.
قال أحدُ الأطفالِ: “كيف سنعرفُ أن هذه دموعُنا وليست دموعَهم؟!”
ثم جاء من أقصى المدينةِ رجلٌ في يده كتابٌ لا يعرفُ أحدٌ ماذا به، فقال: لنمسك الملاكين، لِنَشُقَّ صدرَيهما كي نعرفَ طبيعة قلبَيْهِما، وماذا يُخْفِيانِ بهما، حينها سنعرفُ أيُّكما الناجي حقًّا، فالقلوبُ – كما علَّمتني الكتبُ – هي صناديقُ الحقيقة.”
انتظر الناسُ لبعضِ الوقت، اختلفوا واتفقوا، تصايحوا وتشاتموا ثم حل صمت نقي، قالوا: “نعم، نَشُقُّ قلبَيّ المَلَاكَينِ!”
أمسكوهما، وتبرَّع قَصَّابانِ: قَصَّابٌ أسودُ تكفَّلَ بشقِّ صدرِ المَلَاكِ الأبيضِ، وقَصَّابٌ أبيضُ تكفَّلَ بشقِّ صدرِ المَلَاكِ الأسود.
انتظر الناسُ النتيجة. ولم تمضِ سوى لحظاتٍ حتى صاح القَصَّابانِ:
“إنَّ المَلَاكَينِ بلا قلبَيْن!”
لم يُصدِّقِ الشعبانِ – اللذانِ كانا في هدنةٍ – حتى شاهدوا بالونَيْنِ فارغَيْنِ خرجا من صدريّ المَلَاكَينِ وطارا في الهواء، حلقا فوقَ الرؤوسِ ثم انفجرا. انتشرت رائحة في الهواء خانقة لم يشمّ الناس مثلها، قال الحكيم، إنها رائحة الأوهام لن يمرّ سوى وقت قصير حتى تتنفسوا هواء نظيفاً خالٍ من ملاك أسود أو أبيض!
*كاتب عراقي
مجلة أوراق/ العدد 24
