أغلَقتُ باباً في حياتي وفتحتُ آخرَ مُشرَعاً على الحُلُمِ الذي غدا حقيقةً، خضّتُ لتحقيقه حرباً ضروساً امتدت سنواتٍ أكلت من جسمي وجهدي أكثر ما أكلت ألسنةُ المتفقهين من عزيمَتي.
لم تكن بالطبع حربَ الأيامِ الستّةِ التي ما نزالُ نتشدق بأنها لم تكن هزيمةً، ونُجبر على التسليم بأنّ خسارةَ حربٍ ليست نهاية المطافِ بالرغم من كوننا لم ننعم بنصف محاولة انتصار، بل من هزيمةٍ إلى أخرى أدهى وأمرّ.
وبصرف النظر عن ذلك كله، وعن ضمّ الهمزةِ من غيره.. أستطيع القول إنني انتصرت.
نعم! نعم! انتصرت. إنها حربُ سنواتٍ لا أدري من بدأَها، كلُّ ما عرَفتهُ أنَّ في عنقي ديناً ثقيلاً، وثأراً كُلَيبيّاً لم أستطع أن أتحرّر من تبعاتهِ.
لم يكن بالطبع دمَ (هاملت) ولا كبرياءَ الملكِ ( لير) كان بكل بساطة إثباتَ وجود.
رغم كوني متفوّقاً في كلِّ شيءٍ بشهادة كل من عرفني، إلا أنّ المجتمع لم يعترف لي بذلك، لم يفوّتوا مناسبةً للإشادةِ بي، ولا فرصةً لتذكيري بما لم أكن لأنساهُ أبداً، وعندما تحين لحظة الحقيقة يسقط النصيف، ولم يتّقوه بأيديهم كما فعلَت “متجرّدة النابغة الذبياني”
لم يخامِرْني شَكُّ في تلكَ الحقيقة لكنّني أمام إطرائهم لطالَما تظاهرتُ أنِّي أكذّبُ حدسي.
لم يكن “أبو خديجة” بِدعاً، فهو الآخر استقبلني وكأنّه “يوليان” يستقبل جيش طارق الذي اعتقد أنه سيخلصه من ذلّ (رودريك)
_إنّكَ علمٌ في رأسهِ نارٌ يا أستاذ، ابنتي حدّثتني عن أخلاقكَ وعصاميّتك وشعوركَ بالمسؤولية تجاهَ غيركَ، في مجمل الأحوالِ لها الرأي وما عليّ إلّا الاستشارة.
لم تكن إلا لحظات ثم عاد، ذاك الـ يوليان (أبا خديجة) في الحقيقة، لم يكن الأمر مرتبطاً برفض عريس يقدم على خطبة فحسب.
كان ثمة حكاية طويلة يصعب سردها، حكاية كفيف يحاول نسج النجوم قميصاً لعالمِ عارٍ.
لم أتفاجأ برده البتّة، فقد كانَ أوثق في ذاكرتي من تاريخ ميلادي الذي أنتظره عاماً بعد عام.
“لقد نجحتِ العمليّةُ لكنَّ المريض قد مات”.
هذا ما قفز إلى ذهني بينما يجتهد “أبو حسين” في اختيار عبارات تهوّن عليّ رد أبي خديجة المعروف مسبقاً لديّ بينما كانت ترتسم على وجهي ابتسامةً صفراء على حد وصف العارِفين بالألوان.
لستُ أدري لماذا..!
كل ذلك وأكثر كان ينهش في ذاكرتي التي لا تتعب ولا تنسى، ولم يأتِ ذلك بالخير دائماً، لطالَما كرّرت: “العضو الذي لا يعمل يضمر”.
ولكن ليس إلى الحد الذي يجعلك تكاد تتذكر لحظات ما قبل ولادتك بمعنىً أو بآخر.
لم يبقَ سواي، كانت عقارب الساعة تدور كدبيب أعمى على طرف جسر يريد الوصول إلى طرفه الآخر، ويخشى السقوط في الماء، ليس مخافة الغرق … بل اتّقاءَ الملامة.
ما الذي أخرجكَ في هذا الليل أيها الضرير؟
وكأنّهم لا يعلمون أنّ حاجات المرء أقوى من الإدمان.
حرّكت نسمات ليلة الثالث عشر من نيسان قميصاً أزرقَ سماويّاً رقيقاً فوق جسمي، فشعرت بنشوة لا تعدلها نشوة ممّا جربتهُ من لذّات الحياةِ، حدّثوني كثيراً عن شيءٍ يشبه ذلك، لكنّي لا أرى ما يرون، فالحقائق مختلفة عن حقيقتها في مخيلتي.
_ما الذي يبقيكَ ساهراً يا قلبي؟؟
أنت لم تأكل؟؟ وفوق ذلك تحتاج إلى يمن وبرازيلَينِ قبل أن تبلغَ مطلعَ الشمسِ!!!
“وهل يستطيع النومَ مَن جُلُّ مالهِ
حسامٌ كلونِ الملحِ أبيضُ صارمُ”
_والله يا ولدي آخرتك من وراء الشعر والأدب تموت مثل هذا (أبو عيون) تحت مكتبته.
_اسمه الجاحظ يا نور عيوني.
_هذا ما حصلته منك ومن أبيك، كلما حدثتك تردّ عليّ بكلام مثل حوازير جدتك.
_إنه اليوم الأول يا أمّي، اليوم سأقطف ثمار حربي الطويلة التي بذلتُ فيها سنوات وسفر طويل:
اليوم سأدخل قاعة الصف بعد أن كسرت رأس الوزارة.
_والله يا بنيّ لسانك هذا سيرديك يوماً ما!!
قرر أبو مهند أن يقبل مباشرتي في المدرسة، لم أصل تماماً لما أريد، لكن نصف رغيف أفضل من أن تبقى من غير خبز.
الساعة الثانية عشرة سأقابل أبا مهند، ولكنها بدت أبعد في ذهني من حلم استعادة الأندلس،
الأندلس؟
رحتُ أشقُّ برمحي طرقاتِ المدينة التي بدت تدبُ فيها الحياة، كان عليّ أن أجتاز شارع سوق القبو للوصول إلى بيت أختي، ما يزال أمامي وقتٌ طويلٌ طويل.
عندما وصلت المدرسة كان الأستاذ عبد الوهاب يقف على مدخل الممرّ، استقبلني بحرارة:
_أهلاً أستاذنا وشمعتنا، نورتنا.
لم يسعني مقعد الجلد ولا غرفة الإدارة، كانت عيناي تلتمعان كحجرَي الطاحون وهو يقرأ أوراق اعتمادي، -أقصد مدرساً-
قرر أبو مهند أن يقبل مباشرتي في المدرسة، لم أصل تماماً لما أريد لكن نصف رغيف أفضل من أن تبقى من غير خبز.
جاء قرار الوزارة بتعييني في الثانوية الشرعية بنصف نِصِاب، على أن تكمل دائرة التوجيه نصابي في مدرسة ثانوية قريبة من بيتي مراعاةً لكوني أعمىً، لم يقبلني أي مدير عدا أبي مهند، لم تكن ثانويةً تلك المدرسة، ورغم ذلك قبلت، وكانت بعيدةً عن بيتي وقبلت أيضاً:
_أستاذ حسن أنا فخورٌ بك، ويسرني أن تكون في الهيئة التدريسية، ولكن ليس لدي شاغر في اختصاصك، ستدرّس مادة أُخرى، وأعدك أن يكون أول شاغر من نصيبك، موفّق يا صديقي.
لا أدري لماذا؟ وفي كل موقف مشابه أتذكر أبا خديجة، آهِ من خديجة ومن أبي خديجة.
سيبقى عارياً هذا العالم، ولن تكفيه النجوم مطلقاً..
قبلتُ هذه المرة أيضاً، تطبيقاً لمثلي السابق، وكنت أعلم حقيقةً -بحدسي- أنه كان صادقاً، لأنني سمعت صوت حديثه مع المدير وكان يلحّ في إرسالي إليه.
-أستاذ حسن: أعلم أنك لستَ راضياً، لكن “عصفور باليد … انتف ريشه قبل أن يفر”، قلتُ مقاطعاً أبا مهند الذي ضحك حتى كاد يسقط وأنا أسمع صرير جلد الكرسي تحته،
—الطبع غلاب يا حسن.
—نعم نعم!! فالطير يرقص مذبوحاً من الألمِ.
أنت تعلم يا صديقي ما يفعلونه بي.
—لا تقلبها دراما يا شيخ وتضيع علينا الغدا، أمك ماهرة بالطبخ، أم تريد أن تمررها بلحم بعجين مِثل أبي شاهر؟؟؟
— كان هذا هو اليوم الأخير الذي سأفقد حقي في مكاني إن لم أباشر في مدرسة.
تذكرتُ وأنا أمشي نحو الباب متثاقلاً ما قاله “أبو النجم العجلي” بعد ليلة شراب:
//خَرَجتُ مِن عِندِ زيادٍ كالخَرِفْ
تَخُطُّ رِجلايَ بِخَطٍّ مُختَلِفْ
تُكَتِّبانِ في الطَريقِ لام ألف
فتبسّمت وأنا أضع يدي على الباب ليمر الطلاب كعربات القطار نحو الصفوف.
قررت أن أستعمل العصا، فالمكان ليس مألوفاً لي من قبلُ.
عصاي عمودٌي الفقري، يربط بين فقراته نخاع شوكي مطاطي، هو عصب الحياةِ لي ولأقراني، كنت أحب أن أسمع قعقعة تلك الفقرات وهي تعلن بدء حربي من جديد، فأطلقتها كالعادة، لكنها لم تجتمع، بل تدحرجت كل قطعةٍ في جهة، وتدحرجت معها نصف فرحتي التي كنتُ واثقاً أنها ستتبع بضجيج وربّما بضحكات بعض الطلاب الذين لماّ تُغلَق عليهم أبواب الصفوف بعد.
كان أبو مهند أول الواصلين وتبعه بعض الزملاء:
—سلامات سلامات، خير إن شاء الله..
وشاء الله أن تلتمع دمعة في المحاجر أبت إلّا أن تفضح ما بي.
—يا رجل أتبكي لأجل مطاطة انقطعت وأنت الجبل؟؟؟
—لا يا صديقي، ولكن أبكي لأنني الآن أصبحت أعمى!!!
*كاتب سوري
مجلة أوراق/ العدد 24
