إيرين روزييه-كاتاش: «دانتي، العقاعق والشعراء»

ترجمة: محمد زعل السلوم

١. الكلام: خاصية إنسانية محضة عند دانتي

ينطلق المقال من عبارة دانتي في كتابه De vulgari eloquentia (في البلاغة العامية):

«وُهب الكلام للإنسان وحده، لأنه وحده كان بحاجة إليه.»

دانتي، متأثراً بأرسطو، يصر على أنّ الكلام (loqui) يميز الإنسان عن:

الملائكة: إذ لا يحتاجون إلى كلام بحكم شفافية عقولهم.

الحيوانات: لأنها لا تحتاج إلى الكلام، ولأن الطبيعة لا تفعل شيئاً عبثاً.

٢. معنى الكلام عند دانتي

عند دانتي:

الكلام (loqui) يعني:

التعبير عن الأفكار للآخرين.

استخدام علامات محسوسة وعقلانية (مثل الصوت أو اللغة) لنقل المعاني بإرادة حرة (ad placitum).

الكلام يختلف عن:

أصوات الحيوانات (soni): مجرد أصوات أو نداءات انفعالية.

التسمية (vocare): إطلاق أسماء أو أصوات لا تحمل المعنى العقلي المقصود بالكلام.

٣. تمييز الإنسان عن الحيوان

يستند دانتي إلى فلسفة العصور الوسطى (وخاصة ابن سينا) ليؤكد:

الحيوان تحركه الغريزة، أما الإنسان فيحركه العقل.

الحيوانات من نفس النوع تشترك في نفس الأفعال والانفعالات بطريقة موحّدة.

الإنسان يختلف لأن :

انفعالاته وأفكاره خاصة بكل فرد.

يتعلم من الآخرين، ويحتاج إلى التواصل معهم عبر الكلام لبناء الحياة الاجتماعية.

لهذا يرى دانتي أن الإنسان:

حيوان سياسي بطبعه.

لا يستطيع العيش إلا في مجتمع، على عكس الحيوان الذي يعيش وفق نمط غريزي مشترك.

٤. هل تتكلم الحيوانات؟

يطرح المقال تساؤلات حول ادعاءات بأن بعض الحيوانات تتكلم:

الحيّة في سفر التكوين (تكلمت مع حواء).

أتان بلعام في سفر العدد.

العقاعق (les pies) أو الببغاوات التي يُقال إنها تتكلم.

رد دانتي على هذه الاعتراضات:

الحيّة وأتان بلعام:

لم تتكلم حقاً، بل كانت أداة استخدمها الملائكة أو الشياطين لتحريك أعضائها فتخرج منها أصوات تشبه الكلام.

العقاعق والببغاوات:

لا تتكلم حقاً.

ما تصدره مجرد تقليد أصوات البشر دون وعي أو قصد لنقل المعنى.

تكرر الأصوات مثل الصدى، ولا تدرك ما تقول.

الكلام عند دانتي هو فعل عقلي إرادي، بينما أصوات الحيوانات مجرد محاكاة صوتية لا ترقى إلى مستوى الكلام الإنساني.

٥. جدلية التقليد والشعر

هنا ينتقل المقال إلى زاوية أدبية مهمة:

يشير دانتي إلى أسطورة أوردها أوفيد في التحولات (Metamorphoses):

بنات بيريوس التسع تحدين الميوزات (آلهات الفنون).

فحُوّلن إلى عقاعق (pies) كعقاب لجرأتهن، لتظل حياتهن مجرد تقليد لأصوات البشر، دون إبداع حقيقي.

عند دانتي:

العقاعق ترمز إلى الشعراء الرديئين الذين:

يقلدون دون فهم أو إبداع.

يفتقرون إلى الفن والعلم، ومع ذلك يجرؤون على تناول أسمى المواضيع بأسلوب متعجرف.

يستخدم دانتي هذا المجاز لذم أولئك الشعراء الذين يظنون أنهم شعراء لمجرد قدرتهم على نظم الكلمات، دون مضمون أو تفكير عقلي.

٦. الحيوانات «الاجتماعية» ومحدودية التمييز الصارم

رغم حدة دانتي في الفصل بين الإنسان والحيوان، تلفت إيرين روزييه-كاتاش إلى:

أن فلاسفة الطبيعة مثل ألبرت الكبير أقروا أن بعض الحيوانات، وخاصة الطيور (كالزرزور، والحمام، والطيور المهاجرة)، تتمتع بحياة اجتماعية معقدة (civile et gregale).

لكن حتى هؤلاء العلماء يميزون بين:

غريزة جماعية تنظم حياة الطيور.

عقل واعٍ ينظم حياة البشر.

رغم تشابه مظاهر التنظيم الاجتماعي، يظل الكلام الواعي والتعبير عن الفكر خاصية إنسانية في نظر دانتي.

٧. خلاصة الفكرة

الكلام الحقيقي، عند دانتي، ليس مجرد صوت، بل:

فعل عقلي إرادي.

يهدف إلى التعبير عن الفكر للآخرين.

يُعتبر شرطاً للحياة الاجتماعية والسياسية عند الإنسان.

بينما:

أصوات الحيوانات (كالطيور) مجرد تقليد أو استجابة غريزية.

الشعراء المقلدون الذين يفتقرون للمعنى يشبهون العقاعق: يكررون الأصوات بلا فهم ولا إبداع.

*مجلة Po&sie، عدد 167-168، 2019، الصفحات 85-88

Share:

You Might Also Like