نجيب كيالي: لمن يُغنِّي أبي؟

يصحو دريد باكراً قبلَ الذَّهاب لعمله في مؤسسة الأخشاب، وقد اعتاد- مع قهوة الصَّباح التي يُقدِّمها لشفتيه- أن يُقدِّم لروحه قهوةً من نوع مختلف، يفتح اليوتيوب وهو جالسٌ في حديقة بيته المليئةِ بأصص الورد وتنكاته، ويقول: أين أنتَ يا حبيب القلب وديع الصافي؟ أين أنتِ يا حبيبة الروح فيروز، فيسمع الروائعَ من مطربَيْهِ المفضَّلَيْنِ، وله جملةٌ

يرددها كثيراً: (النفس حبقة عطشانه، وبدنا نسقيها بشوية نغم).

ذاتَ صباح كان مُسلطناً مع موَّال من وديع، يقول الموَّال: (من يوم فرقاك كاساتْ شِربي سِمَا/ سبحان الذي صوَّركْ، وعطاك سابع سَما…)، تشاركه في السلطنة وروده، ولا سيما الجوري الذي ينفعل، فيزداد احمراراً، وجارُهُ في الطابق الأول الذي أطلَّ من شرفته، وصاح: يا سلام! أعاد دريد الاستماع إلى الموَّال مرةً ثانيةً وثالثة، فقد تذكَّرَ صوتاً حلواً، سمعَهُ بضعَ مراتٍ فقط في أيام صباه، هو صوتُ أبيه! كان هذا الموَّال نفسُه يُرندِحُـهُ الوالد، فتسري في عروق بيتهم الشعبي بنوافذه وداليته وحيطانِهِ المدهونة بالكلس الأبيض حالةُ سُـكْر! لكنَّ الغريب في أمر الوالد أنه لا يُغنِّي إلا بعد أكلة اللبنيَّة التي تجيد أمُّهُ طبخَها بجانب البرغل، والأهمُّ من اللبنيَّة أنه لا يُغنِّي أمام أحد، وإنما ينفرد بنفسه في غرفة الدار المرتفعة التي تُسمَّى: العِلِّية، ويسكب روحَهُ في موَّال أو اثنين!

أوَّلَ مرة سمع صوتَ أبيه لم يصدِّق أن رجلاً بسيطاً مثلَهُ يمتلك هذا الصوتَ الرائع الذي يتفوَّق بعذوبته، ومقاماته على كثيرٍ من مشاهير المطربين والمطربات! أسرع يومها بآلة التسجيل، لكنَّ الأب توقف فوراً عن الغناء، وصاح به: إيَّاك. بعدها انقطع فترةً طويلة عن مواويله، كأنه خاف أن يسجّل له أحدٌ صوتَهُ بطريقةٍ خفيَّة.

لماذا لا يريد أبوه أن يسمعه الآخرون؟ سؤالٌ أخذ يطير كالنحلة في جنبات رأسه، وقد خطرتْ له بعضُ الإجابات:

* ربما هو لا يثقُ بجمال صوته بصورة كافية.

* ربما يحسب حسابَ مجتمع مدينتهم الضَّيّق، الذي يرى في الفن عيباً.

* ربما أبوه عشقَ امرأةً، مازالت تسكن خياله، ولا يريد أن يسمع غناءَهُ أحدٌ غيرها.

2

المهم.. زاد شوقُ دريد يومئذٍ لصوت أبيه الذي لم يسمعه إلا مرةً واحدة، فَرَجَاهُ، لكنه لم يُغنِّ!

نجحتُ أخته الصغرى بتفوقٍ في شهادة البكالوريا، فلم يُغنِّ أيضاً!

طلبَ دريد من أمه أن تُكثِرَ من طبخ اللبنيَّة، غيرَ أن الأب كان يأكل، ويبقى صامتاً!

وعصراً في واحدٍ من أيام الصيف جاء لعند دريد ثلاثةٌ من أصحابه الشبان، أخذوا يتحدثون عن هوايتهم الكروية، وإنجازاتِ نادي أمية في مدينتهم، كان الأب في العِلِّية، فلم يعلم بمجيئهم، فجأةً كأنَّ نافذةً سماوية انفتحتْ، وانطلقَ منها صوته العجيب، فاندهش الأصحاب، وصاح أحدهم: الله! مَنْ هذا؟! أسرع دريد واضعاً في الحال يدَهُ على فمه وهو

يهمس:

– هس. إنه أبي، والله إذا عرف بوجودكم فإنه سيتوقف حالاً!

بعد انتهاء الأب من سلطنته سردَ عليهم دريد قصته، فقال أحدهم:

– لو كان الأمر بيدي لكنستُ نصفَ المطربين من الإذاعة، ووضعتُه في مكانهم.

وقال الثاني: كمْ من مواهبَ تُزهِقُ أنفاسَها التربية المتزمتة، وأسبابٌ أخرى كلُّها هَبَلٌ في هَبَل!

وقال الثالث: أنا مستعدٌّ أن أؤمِّنَ له أحلى عِلِّية، وأصنعَ له نهراً من اللبنية أو نهرين على أن يسمعني كلَّ يوم موَّالاً واحداً من مواويله!

أمَّا هو فعشَّش الصوت في داخله، بدا له ذاهباً إلى جهةٍ ما أو مخلوقٍ ما يناجيه، فظلَّ يسأل نفسه، ومازال إلى اليوم: لمن يُغنًي أبي؟ لمن يترهبن صوته؟

Share:

You Might Also Like