ناهد بدوية: الفرحة المنقوصة..الصعود من دمشق الى اللاذقية

بعد اثني عشر عامًا من الغياب القسري، عدتُ إلى سوريا، لم أعد كسائحة، ولا كشاهدة من الخارج. عدتُ لأن بلادي استعادتني بعد أن تخلّصت من وجهها الأكثر ظلامًا، من قبضة النظام الذي صادر فرح طفولتي وشبابي وذاكرتي.
كانت العودة قرارًا مليئًا بالتوتر، مفعمًا بالتساؤلات: هل لا تزال دمشق تشبهني؟ هل ما زال الحيّ كما تركته؟ وهل سيكون للفرح مكان بعد كل هذا الخراب؟
أردت أن أرى، أن أتحقق، أن أشارك من بقيوا في الداخل هذا الفصل الجديد من تاريخ سوريا. لم أعد فقط كي أرى بلدي، بل لألتقي بوجعي، بذاكرتي، وبأمل لم ينطفئ في مكان ما من القلب.

دمشق: الفرح والحزن يمشيان معًا في شوارعها

تجربتي كانت سعيدة في الشام فقد عدت إليها من باريس بعد غياب قسري لمدة اثني عشر عامًا. لقد عاد بلدي أخيرًا لي فعدت.
أكثر من شهرين عشت في دمشق لم أشهد فيها أي حدث مزعج سوى البؤس الذي خلفه النظام البائد. لا بل عشت فرح الناس رغم معاناتهم التي بات يخففها أملهم الكبير في القلب بقرب انتهاء مشاكلهم والكوارث الاقتصادية والطائفية والاجتماعية التي خلفها النظام المجرم خلال أكثر من خمسين عامًا.
حزنت على مدينتي لأني شعرت أنها كانت يتيمة مهملة لم يعتن بها أحد منذ عقود. وقفت مع طوابير الموظفين والمتقاعدين على عدد محدود جدا من الصرافات ليقبضوا رواتبهم، يقضون ثلاث ساعات وقوفًا ليحصلوا على راتب شهر كامل لا يكفيهم أسبوعًا واحدًا، ومع ذلك كانوا صابرين ولا يتذمرون لأنهم مؤمنون بأنها فترة مؤقتة، ولا ينبغي علينا توقع التحسن الفوري للأوضاع. وعندما تذمرت، حاولوا إقناعي بأننا ينبغي أن نصبر قليلا.


دهشت وبكيت من حجم المعاناة التي مروا ويمرون بها. المتقاعدون هم أكثر فئة تعاني، فهم ما زالوا يعيشون على رواتبهم التقاعدية التي أكلها التضخم ولا يستطيعون العمل في عمل أخر كما فعل الكثير من الموظفين، إلى جانب عملهم بالدولة، كما أن وضعهم لايشبه وضع من يعمل في القطاع الخاص أوالتجار الذين يشترون ويبيعون بالأسعار الجديدة. بالتأكيد الكثير منهم يتلقون تحويلات من أبنائهم المهاجرين، ولكنهم مقهورون فقد خدموا هذا البلد لزمن طويل كي لا يحتاجوا الى أحد عندما يشيخون. ولكني أمنت معهم بأن الخروج من المستنقع السابق آت لا محالة.


كان الناس يحتفلون بالحياة. وجدتهم مدهشين في قدرتهم على الفرح، رغم المعاناة. ذهلت من إيمانهم بأن هذه الفترة الصعبة مؤقتة، وأن الإنقاذ ممكن. وحين تذمّرتُ، هم من واسوني، أنا التي لم أذق ربع ما ذاقوه. دعوني إلى الصبر، لا من موقع الضعف، بل من موقع الشراكة في الحلم.
رغم هذه المعاناة التي وصلتني من أهل الشام، بقيت أتجول في أحيائها وضواحيها، يملؤني الحب والشوق، مشيت في شوارعها حتى تعبت الأرصفة ولم أتعب من فرحي، وصرخت في شوارعها “يا شاااااام يا حشاشة القلب، هاأنا قد عدت”.


اعتذرت من ملايين السوريين

زرت حي ركن الدين حيث طفولتي ومدرستي الابتدائية “ست الشام” في ساحة شمدين، ثم زكي الأرسوزي حيث السبع بحرات عند باب نقابة المهندسين، وأكملت إلى البرامكة وكلية الهندسة وذكريات الشباب والحياة الجامعية والعمل في نقابة المهندسين، ثم عدت إلى منزل أختي في مشروع دمر. في طريق الربوة حزنت على نهر بردى الذي لم تتدفق به مياه الربيع كما هي العادة فالقحط كان شديدا هذا العام وقمم الجبال التي تغذيه كانت خالية من الثلوج تماما.

لكني حزنت أكثر عندما تذكرت أن هناك آلاف السوريين عادوا ولم يجدوا أحياءهم ولا مدارس طفولتهم. اعتذرت منهم لأنني لم أفقد شيئًا من أماكن ذكرياتي.
أماكن طفولتي وشبابي لم تُدمَّر، لأن فيها قصر المهاجرين. هذا القصر كان جزءًا من لعبة الديكتاتور مع الشرعية الدولية. رغم أن النظام فقد السيطرة على 83% من الأرض في فترة ما، إلا أن تمسّكه بهذا القصر الواقع في الـ17% المتبقية أبقاه رئيسًا رسميًا في عرف الأمم المتحدة. ومع الوقت، وبمساعدة اتفاقيات أستنا، استعاد شيئا فشيئا المناطق التي خسرها عبر ما سمّوه “مناطق خفض التصعيد”، لكنها في الحقيقة كانت مناطق تصعيد ضد الثورة.
شعرت بالحرج وبأني مدينة لملايين من السوريين بالاعتذار عن فرحي الحالي، لأنني لم أخسر أماكن ذكرياتي، في حين أن غيري فقد كل شيء. صحيح أني فقدت أربعة شباب كالورود من عائلتي، لكنني صدقًا شعرت بأن أرواحهم تحلق في سماء دمشق وترقص فرحًا بتحقق حلمهم بسقوط قاتلهم، نظام الأسد المجرم.
السياسة عادت إلى الشارع من أكثر اللحظات التي أثرت فيّ كانت النقاشات اليومية العفوية الحرة. في الميكرو، في دور الصراف، في السوق، كان الناس يتحدثون. لا أحد يهمس، لا أحد يتلفت كثيرًا.

السياسة عادت إلى الشارع.

تكلمنا بالسياسة في المقاهي. سمعنا نقدًا صريحًا للإدارة الجديدة في المنتديات. حضرنا عشرات الفعاليات المدنية الحرة، لم يعد الكلام جريمة. لم يعد الأمل سرًا. صحيح أن كل شيء ما زال هشًا، وكل المعاناة مازالت قائمة، لكن قلوب الناس مليئة بالأمل، كما لو أنهم نجوا من زلزال، وقرروا أن يبنوا بأيديهم ما تهدّم. بقي هناك حذر وخوف على الحريات الفردية. من قصص متفرقة سمعناها، ولكنني لم أشهدها، وهذا لا يعني أبدًا أنها لم تقع.


دارت نقاشات على نحو متوتر بيني وبين عدة أطراف شاركوا في الثورة. أنا مثلًا كنت “فلولا” في نقاشي مع بعض أفراد عائلتي وجيراني وأصدقائي لأنني كنت أنتقد بعض القرارات، كما كنت “شبيحة الشرع” عند البعض الآخر من الأقارب والأصدقاء. كان البعض من أصدقائي الثوار غاضبين من الطابع الإسلامي المتطرف لمن وصلوا إلى السلطة، غضبوا مني لأني قلت بأن خطابهم ليس متطرفًا وأنه من واجبنا التعاون مع خطواتهم الايجابية وليس رفضهم فقط لأنهم لا يشبهوننا. رغم كل ذلك كان يسود الأمل والنشاط والتسامح عند الطرفين في دمشق لأن الأفق بات مفتوحًا بعد انغلاقه لعقود. كان الهدف واحدًا: أن نرى سوريا حرة ومزدهرة. لفت نظري كيف أنّ الحوار الواقعي يتيح التسامح، برغم الاختلاف الشديد أحيانا، على عكس النقاشات على الفيس بوك التي تأخذ بعدًا حادًا ولا يسودها الحوار، وإنما الصراع بين آراء مكتملة وناجزة عصية على التغيير. فهي لا تعيش الواقع ولا تتغير بتغيره.
حزنت في بعض حواراتي في الشارع حين شعرت أنني كنت مضطرة لأن أعرّف نفسي بأنني “كنت معارضة” وكنت مع الثورة بكل جوارحي، وبأنني هربت لأنهم داهموا منزلي وصادروا كمبيوتراتي. كنت في كل لحظة أؤكد على ذلك، فقط لأنني غير محجبة.
حزنت أكثر حين جلست بجانبي معلمة علويّة الأصل، محجّبة حديثًا، قالت إنها اختارت الحجاب لتتجنب نظرات الناس في دمشق، بعد تسريح زوجها الضابط الصغير. لم يُجبرها أحد، ولكنها أرادت أن تنجو من نظرات الاتهام التي افترضت أنها ستوجه لها في دمشق.


من ضيعة حسيبة إلى الروضة: الثقافة وطن للجميع
في مقهى الروضة، أثناء توقيع كتاب لحسيبة عبد الرحمن، رأيت شابين من ضيعتها، لا علاقة لهما بالثقافة أو السياسة. قالا لي إنهما جاءا من قريتهما ليحضرا الاحتفاء بحسيبة، التي لم تكن تعرفهما شخصيًا. كانا يشعران بالفخر: هذه امرأة مثقفة من قريتهم، من بيئتهم، معارضة للأسد، ودمشق تكرّمها. هذا وحده كان رسالة طمأنة لهم، دمشق تتسع لنا جميعًا، خارج قوالب الطوائف والسلطة فالثقافة وطن يتسع للجميع.


دمشق خالية من الدعارة والتحرش والأمن يحرس المراجيح في العيد
أصبح الحيّ الذي أسكنه، في مسبق الصنع، نظيفًا من الدعارة. عاد حيًا سكنيًا بامتياز، وتحرّر من العصابات التي كانت تلوّثه. كان عاطف نجيب زعيم القوادين فيه، وكان مخفر الشرطة يخشاه، والعديد من عناصره يتواطؤون معه في حماية بيوت الدعارة وجمع الأتاوات منها. تلك البيوت التي تحوّلت لاحقًا، في غيابنا، إلى بؤر لكل أنواع الموبقات: من دعارة وسرقة إلى تجارة السلاح والمخدرات، كما أخبرني الكثير من سكان الحي.
الشيء الجميل الذي راقبته جيدا هو أن المواصلات العامة والشوارع باتت خالية من التحرش الجنسي بالصبايا، التحرش الذي كان ينغص علينا حياتنا، وكان يجعلنا كصبايا متوترات في الشارع والباص عندما نكون بمفردنا.
رأيت عناصر الأمن العام يحرسون الأطفال عند مراجيح العيد في ركن الدين. تعمدت الحديث معهم ولم ألقَ إلا الدماثة في الرد، وهدوءً في النبرة.
حذر في دمشق من التدخل في الحياة الشخصية
لمست في دمشق حذرا وخوفا من التدخل في الحياة الشخصية، ليس عند فئات معينة كما يعتقد البعض، بل عند معظم سكان دمشق.
فسكان دمشق، كغيرهم من سكان المدن الكبرى في العالم – باريس، لندن، نيويورك – التي لم تكن يوما مع اليمين، فهم لا يخافون من الغرباء، لأنهم يعيشون معهم يوميًا، ويشاركونهم العمل والمقهى والشارع. لذلك هم متعودون ومنفتحون على كل أنماط الحياة المختلفة عنهم، ولا يخضعون لدعايات اليمين المتطرف أو الإسلام المتطرف التي تدعو الى رفض الآخر. لكنهم أيضا لا يسمحون لأحد بالتدخل في حياتهم الشخصية. وهذا ما لم تفهمه الحركات الإسلامية السياسية في سوريا، التي لامت وتلوم دمشق لأنها لم تكن معهم “كما يجب”، ولأنها كانت دائمًا “وسطية”.
نعم، دمشق وسطية، وستبقى وسطية. فهي المدينة التي تحمل وراءها سبعة آلاف سنة من المدنية والتنوع، وهي التي علّمت الأمويين كيف تُدار المدن والبلاد والعباد، فصاروا بها ومعها أول حضارة عربية إسلامية مترامية الأطراف. دمشق ليست أموية فقط، بل متعددة، ومتعدية للحضارات.

سوريا ليست دمشق فقط، صعدنا شمالا

لأن سوريا ليست دمشق فقط، بدأت رحلتنا، برفقة سيما الناشطة الحقوقية صديقتي العائدة من لندن، بالصعود الى الشمال، الى اللاذقية، المدينة الثانية التي أعشقها بعد دمشق. ونافذة سوريا على التاريخ وعلى العالم. حملنا معنا تضامننا مع أهلها وأحلامنا المشتركة معهم، حملنا همّنا الحقوقي، وهاجسنا بالعدالة والحرية لكل السوريين. لم نكن مجرد عائدتين، بل كنا شهودًا على وجع طويل، ومشاركتين في أمل يتشكل من تحت الركام.
ركبنا “البولمان” من دمشق إلى اللاذقية وصعدنا، ونحن نحمل قلقنا العميق على أهلنا هناك الذي بدأ منذ يوم 7 آذار المشؤوم، حملنا قلقنا على من شاركنا من قبل حلم الثورة هناك، والآن يخشون على بلدهم من الاحتراب الطائفي.
لم تكن رحلتنا إلى اللاذقية رحلة سياحية، بل رحلة إلى جذر الحكاية، إلى أحد أكثر الأمكنة تعقيدًا في الرواية السورية. لم ينصحني أحد بالذهاب إلى اللاذقية، قالوا إنها ما زالت ملتهبة. لكنني ذهبت.


أصدقاء وموضوعية مدهشة
في اللاذقية، كما في حمص من قبلها، التقيت بأصدقاء من الطائفة العلوية، ربما كانوا من الأكثر موضوعية بين السوريين الذين التقيتهم.
طبعًا، لم يكونوا كلهم كذلك. فالبعض زاغت عيونهم – من الحزن أو من الخوف. ربما كما زاغت عيناي من الفرح الشديد، فرح بسقوط الديكتاتور، لم أشعر به من قبل إلا في آذار 2011، عندما انطلقت ثورة الحرية في سوريا.
التقيت بأصدقاء يتحلون بمستوى عالٍ من المسؤولية في عملية التغيير الحالية. لا يخافون من انتقاد الإدارة الجديدة على المجازر الطائفية التي ارتكبت في مناطقهم، ولا يخشون من انتقاد أقارب لهم يحاولون جرّهم إلى الماضي واتهامهم بأنهم “ضد طائفتهم”.
كانوا أحرارًا في آرائهم أكثر منّا جميعًا. رأوا في سقوط الديكتاتور انتصارًا حقيقيًا للسوريين. لكنهم لم يغرقوا في نشوة المنتصر، التي تميل الرؤوس وتضع نظارات خادعة لا ترى إلا الإيجابيات. كذلك لم يعيشوا شعور المهزوم، لأنهم لم يهزموا، بل انتصروا على ديكتاتور قاوموه لعقود، ودفعوا سنين طويلة من شبابهم في سجونه. أحسست أنهم من أكثر السوريين جدارة بأن يكون لهم دور
في بناء سوريا الجديدة. يعملون بكل جوارحهم من أجل السلم الأهلي، بلا شعارات فارغة، بل بخطوات عملية على الأرض. في حمص كنت ضيفة في منزل صديقتي وزوجها، كانا يعملان كل يوم من أجل السلم في مدينتهم وتجميل ساحاتها.


لم يكن انقلابًا
في اللاذقية، كنت ضيفة في منزل أحد أصدقائي التاريخيين، بيت معارض قديم من أصل علوي. صديق عزيز من أيام الجامعة، قابلت الكثير من الأصدقاء الرائعين، روى لي أحدهم ما شاهده يوم 7 آذار:
“كانوا شبابًا يحملون أسلحة خفيفة وهزيلة، تجمعوا تحت بيتي، ثم حاولوا اقتحام مشفى العثمان. لم تكن هناك خطة واضحة على مايبدو و لم يكن لديهم سوى الواتساب كوسيلة اتصال. لم يوفر لهم أحد أي معدات. دُفعوا إلى الموت المجاني عن بعد، من أماكن آمنة في الخارج. حركوهم فلول النظام انتقامًا وزرعًا للفوضى. والنتيجة كانت دماءً بريئة من أولادنا – من الجانبين: أولاد قرى الساحل
الفقراء المخدوعون، وأولاد حواجز الأمن العام. ومدنيون أبرياء طالتهم المجازر والانتهاكات المتنوعة.”
أغلب المدنيين الذين طالتهم الانتهاكات والمجازر كانوا ممن بقوا في بيوتهم، لم يكونوا مجرمين. فالمجرمون هربوا إلى الجبال المجاورة.
صديق تاريخي أخر، قضى خمسة عشر عامًا في سجون النظام لرفضه الاستبداد، روى لي عن ذلك اليوم الذي ظل محفورًا في
ذاكرة المدينة:
“الانتهاكات بحق المدنيين والأبرياء وقعت في شريط الاشتباكات الممتد من ريف اللاذقية إلى ريف طرطوس. وللأسف بلغ عدد الضحايا يومها 1700.” ما حدث لم يكن تمردًا شعبيًا، بل فوضى مدبّرة. الطائفة العلوية لم تكن تريد هذا المصير ولا الكراهية التي تُرمى بها اليوم. لقد استغلها النظام الأسدي كي يجند شبابها للموت في سبيل سلطته، ميزهم عن غيرهم ليس من أجلهم بل كي يدافعوا عنه. “العلويون حلموا، منذ زمن بعيد، بالمواطنة المتساوية. لا بالتمييز الإيجابي ولا السلبي. اليوم، هم خائفون جدًا لأن البعض يعاملهم وكأنهم مسؤولون جميعا عن جرائم عائلة الأسد.”
لم يكن هذا الوعي جديدا على هذا الصديق الرائع الذي قال لي منذ بداية الثورة في 2011، التي انحاز لها منذ اللحظة الأولى:
“هذا ليس نظامًا، بل عصابة كانت تتضايق من قيود الدولة، فنزعتها عنها وارتاحت بحجة الثورة، وصارت تعبّر عن حقيقتها
كعصابة بكل حرية وصفاقة.”
لم يكن تمردًا شعبيًا في الساحل، ولم يكن انقلابًا عسكريًا كما رُوّج له. الانقلاب يحصل في العاصمة، لا في الأطراف. كانت محاولة
فاشلة للانتقام وزرع الفوضى. وعندما تبيّن لهم فشلها “وقف بعضهم على الجسر، ورشّوا الرصاص على السيارات المارة في
الأوتوستراد. لم يميزوا بين علوي وسني. كانوا يريدون المزيد من الفوضى حسب ما تم توجيههم، لا الانتصار.”

في الختام: رحلتي لم تكن عبورا مكانيا فحسب
عندما عدت إلى دمشق، شعرت أن رحلتي من دمشق إلى اللاذقية لم تكن عبورًا مكانيًا، بل عبورًا نحو فهم أعمق لما جرى لنا جميعًا.
الحكاية كانت أكبر من صراع طائفي، وأعمق من ديكتاتور بائد وعهد جديد. سوريا الجديدة ليست جغرافيا فقط، بل شبكة معقدة من الندوب، والمصالحة، والإرادة، والخوف، والأمل، والرغبة الجماعية بالخروج من المستنقع والآلام السابقة. تجلّى ذلك في فرح السوريين، كل السوريين، برفع العقوبات فقد كان فرحًا وطنيًا بامتياز. بعد الإعلان عن رفعها بدأت الحركة في اللاذقية والساحل تعود إلى طبيعتها، عادت اللاذقية الى الحياة مع عودة الأمل بازدهار اقتصادي طال انتظاره قبل الجميع.
رغم كل شيء، عندما وصلت إلى دمشق قادمة من اللاذقية، عاد الفرح يملأ قلبي وإن كان منقوصا هذه المرة. فما أن تراءى لي جبل قاسيون من بعيد حتى شعرت أني عدت الى حضن أمي، في حضن جبل قاسيون كانت طفولتي ومراهقتي وكل حياتي، وأنا الآن لم أعد منفية، ولم أعد أخاف من دمشق. ولم تعد دمشق خائفة مني.
أدرك أن هذا ليس انتصارًا كاملاً، ولا بلدًا مكتمل الشفاء، لكنه الخطوة الأولى نحو الوطن الحقيقي، وطن لا يمكن أن يستقر ويزدهر إذا لم يتسع لكلّ السوريين، درس اللاذقية واضح، سوريا لن تكون الا لكل السوريين مهما كانت طوائفهم، أو آراؤهم أو أوجاعهم أو خساراتهم.

Share:

You Might Also Like