المحاكمات السياسية في ليبيا: جدل السلطة والمعارضة في ليبيا المعاصرة*

عبد الرحمن مطر

نادرة هي الكتب التي تناولت المحاكمات السياسية في العالم العربي على وجه التحديد، على العكس مما هي عليه الحال في أنحاء أخرى من العالم؛ حيث يظل كتاب “محاكمات نورمبرغ” الأكثر شيوعاً حتى الآن، على الرغم من صدور مؤلفات عديدة تتناول هذا الجانب المرتبط بالحياة السياسية، والحقوق والحريات التي تطالها انتهاكات مختلفة وعميقة. تقود هذه الانتهاكات في معظمها إلى أروقة القضاء، الذي يتحول بدوره من فضاء للعدالة إلى ساحة للصراع السياسي والفكري والقانوني، وهو ما يمنح تعبير “المحاكمات السياسية” دلالة بالغة الأهمية والضرورة.

وفي الواقع، لا يبدو كتاب “المحاكمات السياسية في ليبيا” هو المؤلف الوحيد الذي يتناول هذه المسألة عربياً؛ فثمة كتب أخرى في مصر -على سبيل المثال- توثق للمحاكمات السياسية، ولكنها لا تدرس المرحلة المعاصرة، لا سيما تلك التي تغطي نصف القرن الماضي. في المقابل، تناولت مؤلفات أخرى هذه المسألة بمقاربة مهمة واكبت فترة الربيع العربي وما تلاها، كما في كتابَي “المحاكمات السياسية في تونس (1956 – 2011)” و”العدالة الانتقالية ومحاكمة القادة السياسيين في المنطقة العربية”، بالإضافة إلى كتاب “المحاكمات السياسية في سورية”، وأخيراً كتاب “الأحزاب في ليبيا خلال القرن الأخير (1919 – 2022)”.

القمع بين عهدين

غير أن ما يُسجل لهذا الكتاب أنه أحدثها وأكثرها إحاطة بمسألة المحاكمات السياسية. وإذا كان يختص بالنظم السياسية التي حكمت ليبيا في العهدين: الملكي السنوسي، والجمهوري-الجماهيري في حقبة القذافي، فإنه يحمل في طيّاته مؤشرات التشابه والتطابق، إلى حدّ كبير، مع أسس وآليات المحاكمات السياسية في العديد من الدول العربية، التي لا تزال ملفاتها حبيسة الأدراج بسبب سياسات الحظر والتحكم في الأرشيفات، وحرمان الباحثين من مقاربتها.

ويفتح كتاب أبي بكر الشريف الأبواب على مصراعيها لاكتشاف أساليب السلطة في ليبيا في مقاربة العمل السياسي وتجلياته وتطوراته عبر بوابة القضاء؛ إذ يُعدّ هذا الكتاب الأبرز في توثيق المحاكمات التي جرت في ليبيا، وذلك عبر جزأين؛ اختص أولهما بتغطية الفترة ما بين يناير 1951 وأغسطس 1969، وهي فترة العهد الملكي. أما الجزء الثاني فقد خصصه الباحث لتناول الفترة ما بين سبتمبر 1969، أي منذ قيام ما سُمي بـ”ثورة الفاتح”، حتى قيام ثورة فبراير 2011 التي أسقطت حكم القذافي.

يتناول الشريف في مؤلَّفه هذا جوانب مهمة تتصل بمفهوم المحاكمات السياسية، والمؤسسات المعنية بجمع المعلومات والتحقيق والاعتقال، بدءاً من نشوئها إبان العهد الملكي، مستعرضاً اختصاصاتها، ومجالات عملها، والمدارس الأمنية والشرطية التي أثرت في تكوين عقيدتها، وصولاً إلى عهد القذافي الذي تطورت فيه المؤسسات الأمنية والقضائية تطوراً كبيراً إلى درجة التغوّل على المجتمع الليبي وخنق الحياة السياسية، عبر إطلاق منظومة من التشريعات القانونية الخارجة عن الأعراف والمواثيق الدولية، وفي ظل حرمان المجتمع من وجود دستور للبلاد، وهو ما قاد إلى سلسلة طويلة من المحاكمات السياسية، التي بدأت أولاها بقضية المحاولة الانقلابية في ديسمبر 1969، وصولاً إلى قضية تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” عام 2010.

القيمة المرجعية

تُلقي جوانب مهمة من شخصية المؤلف بظلالها على مباحث الكتاب وفصوله المتعددة في جزأيه؛ إذ تضفي معرفته المباشرة بالجوانب الحقوقية والقانونية كمحامٍ، إضافة إلى تجربته الشخصية كواحدٍ من المعتقلين السابقين وأحد ضحايا المحاكمات السياسية في ليبيا، قيمة مضافة ومهمة من حيث الإلمام الكبير بهذه القضايا وملفاتها. وقد مكنته اهتماماته المبكرة بملف حقوق الإنسان، وعضويته في لجنة الحريات (1994) التي أصدرت تقريراً يتيماً قبل حلّها، من الاطلاع الدقيق على كثير من القضايا، ورصد عشرات الشهادات خلال ترؤسه لجمعية سجناء الرأي في ليبيا.

وإلى جانب ذلك، يوضّح الباحث الشريف أنواع المحاكمات، وأماكن الاحتجاز، والمحاكم، وأسس إنشائها وأطوارها، ومدى مطابقتها للقوانين الناظمة للحياة العامة في ليبيا، والجوانب المتصلة بالحقوق والحريات المحددة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ويلاحظ المؤلف النزعة الفردية في إصدار الأحكام في المحاكمات السياسية جميعها، لا سيما إبان عهد القذافي، وبما يتوافق مع رغبات صنّاع القرار بعيداً عن الاستدلالات والتحقيقات القانونية. كما يرصد التدرج في انتقال القضايا السياسية -منذ القضية الأولى المشار إليها أعلاه- من القضاء المدني إلى المحاكم العسكرية، ونيابة أمن الثورة، ثم إنشاء المحاكم الاستثنائية مثل “المحاكم الثورية” و”محكمة الشعب” التي كان لها الدور الأبرز في إجراء المحاكمات السياسية، إلى أن أُلغيت عام 2005 لتحل محلها المحاكم التخصصية، وذلك في ظل مساعي نظام القذافي لتحسين صورته بضغوط من الاتحاد الأوروبي عام 2003، ودون أن تتغير الطبيعة الجائرة والصورية لهذه المحاكمات.

يُشكل كتاب “المحاكمات السياسية في ليبيا: جدل السلطة والمعارضة في ليبيا المعاصرة” مرجعاً أساسياً ومهماً للباحثين والدارسين في مجالات التاريخ السياسي والاجتماعي والقانوني للدولة الليبية والمنطقة العربية على حد سواء؛ فهو يسدّ فراغاً كبيراً في المكتبة العربية التي تفتقر إلى الدراسات المعمقة والمتخصصة، والوثائق الدالة على الظواهر العامة لإدارة شؤون الحكم، وخاصة في شقها المتصل بالمحاكمات السياسية، والتي لا تزال في الحقيقة نادرة جداً، باستثناء بعض المحاولات التي تناولت تلك المحاكمات عبر المقالات، أو من خلال “أدب السجون” والسير الذاتية لسجناء الرأي الذين كانوا ضحايا للمحاكمات السياسية، سواء في ليبيا أو في غيرها من الأقطار العربية.

*الكتاب: المحاكمات السياسية في ليبيا: جدل السلطة والمعارضة في ليبيا المعاصرة

المؤلف: أبو بكر علي الشريف المحامي

الناشر: زقاق الكتب للنشر والتوزيع / اسطنبول – ط1 2025

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply