خطف الموت الشاعر والصحافي تمّام هنيدي بعد معاناة طويلة مع المرض، عن عمر ناهز الثانية والأربعين، تاركًا وراءه فراغًا موجعًا في المشهد الثقافي السوري والعربي. وُلد هنيدي في السويداء عام 1984، ودرس الإعلام في جامعة دمشق حيث بدأ انخراطه المبكر في الشأن العام، قبل أن يغادر سوريا في صيف 2012 ليستقر في مدينة مالمو السويدية، حيث حصل على دبلوم في إدارة المحتوى من كلية العلوم التطبيقية.
تميّز هنيدي بنتاج شعري لافت، صدر له ديوان «وشوم الضباب» (2014) و«كما لو أني نجوت» (2016) عن دار المتوسط، ثم «يجدر بك أن تتبخّر» (2020) عن دار ممدوح عدوان، وهي أعمال رسّخت حضوره كصوت شعري يوازن بين التجريب والبوح الشخصي. كما نُشرت نصوصه في دوريات عربية عديدة، وتُرجمت قصائده إلى السويدية والإنكليزية ولغات أخرى، ما أتاح لها أن تعبر حدود اللغة وتصل إلى قرّاء مختلفين.
لم يكن رحيل هنيدي حدثًا عابرًا؛ فقد نعته المواقع والصحف السورية بكلمات مؤثرة، كما شارك أصدقاؤه وزملاؤه على صفحات الفيسبوك في وداعه، معبّرين عن حزنهم العميق لفقدان شاعر وصحافي جمع بين حساسية الكلمة وصدق الموقف. وقد شكّل رحيله خسارة مضاعفة، إذ غاب صوت كان يكتب من قلب التجربة السورية، ويحوّل الألم الشخصي والجماعي إلى نصوص تحمل معنى النجاة والبحث عن أفق جديد.

هنا بعض من نصوصه التي تكشف عن صوته الشعري، حيث يمتزج البوح الشخصي بالوجع الجمعي:
موتهم كان يشبهُ حياةَ الآخرين
في الحديقةِ رجلٌ نائمٌ
أخفضي الصوت يا طيورُ
كوني أهدأ يا ريحُ
الزم بيوتكَ يا نملُ.
في الحديقةِ،
حيثُ لا جدرانَ تُسقطها القذائفُ، ولا سقوف…
رجلٌ نائمٌ!
/
ظلٌّ يُشبهُ شجرةً، دُفِنَ فيهِ رجلٌ وظلّهُ الصغير..
*
أعطني يدك، أصابعي لم تعد تكفي لعدّ ما يجب..
*
كان لديهم ألفُ سببٍ ليكرهوا بلادَهم، تلكَ التي ماتوا دفاعاً عن حبّها..
*
كانوا استثنائيّينَ جداً
حتّى أنّ موتهم كان يشبهُ حياةَ الآخرين!
*
سنونٌ طويلةٌ مرّت، وهم يفكرونَ في محاجرِ العيونِ التي تنظرُ إليهم، ما الذي يخفيهِ الطرفُ الآخرُ للبؤبؤ؟!
/
العيونُ في أماكِنِها، الآذانُ والأنوفُ والأفواهُ الفاغرة
كلّ شيءٍ في مكانِهِ على الرأسِ المقطوع
لكي يتلمّسَ موتَهُ بكلّ حواسّه.
/
كلما كبُرَ عدد القادمين
تعدّدت أسبابُ رجوعِهم
…
الموتى..
*
ما الذي يتحرّكُ؟
قدمايَ أم هذه الأرض؟.
*
لطالما ظننتُ أنّني جئتُ من مكانٍ صغيرٍ
لكنّني الآنَ أصرخ: ما أضيقكِ يا أرضَ الله الواسعة!.
*
كنتُ حصىً نهريّةً، يأخذُني الماءُ
وعلى اليابسةِ لا أخلفُ ألماً على أقدامِ العابرين.
/
وحيداً أسيرُ
وعلى الضفةِ الأخرى ماءٌ لم أذقهُ بعد..
*
لا أريدُ حذاءً جديداً
أريدُ قدمينِ فقط
لأسيرَ كلَّ هذهِ المسافة.
/
منذُ وقتٍ طويلٍ
وأنا أبحثُ في الأرضِ عن آثارِ خطواتِهم
وأضلُّ الطريق.
/
كانَ الطريقُ طويلاً وشاقاً
لم تدْفعني للمسيرِ نهايتُهُ
دفَعَني سأمُ الوقوف.
/
لا أريدُ حذاءً جديداً
أريدُ قدمين جديدتين لأغادرَ ذاكرتي..
*
أنا من قريةٍ صغيرةٍ
لم يعرف أهلُها أنّ كلّ امرأةٍ مدينة.
/
ولدتُ في الصالون
ضيوفٌ كثيرونَ
ولا أجدُ متّسعاً للصمت.
/
ولدتُ على يدِ قابلة
مُذّاك أعرفُ أنهُ يُمكِنُ ليدٍ انتشالُك
غير يدِ أمِّك.
/
على كتفِ بركةِ قريتنا
حيثُ النّسوةُ يجتمعنَ مع الدلاءِ والأواني، ينتظرنَ الرعاة، كنتُ أُمسِكُ ثوبَ جدّتي، خوفاً من الخراف، الخراف التي أكلتُ لحمَها عندما كبُرْت.
/
كنتُ في التاسعةِ من عمري
عندما علّموني أن أديرَ خدّي الأيسر
مرّ وقتٌ طويلٌ، حتى تعلّمتُ أن أخفي وجهي، تفادياً للصفعات.
/
كنتُ طفلاً
أرى اللهَ في كسرةِ الخبزِ على الأرض
حملتُ الكسرة إلى حافةِ الشرفة، ونسيتُ أن آكلها
ما زلتُ جائعاً إلى الآنَ يا الله..
*
أضمُّ صوتي لأصواتِهم
غزلانُ الغابات، الأيائلُ، عصافير الدوريّ
والأناسُ الطيّبونَ
الكائناتُ الهاربةُ من فوَّهاتِ البنادق..
*
لا أريدُ الكلامَ عن المجزرة
الكلامُ قديمٌ والمجزرةُ لا تنتهي
أتساءل فقط:
(ما الذي حلَّ بعرائسِ الزعتر في أيدي أولئكَ الأطفال)؟.
*
لا أعرفُ متى مشيتُ
لا أعرفُ متى لفظتُ الأحرفَ الأولى
من اختارَ اسمي
لا أعرفُ الكثيرَ
عن ذاكَ الذي كبُرَ حتّى صرتُهُ..

من ديوانه ” يجدر بك أن تتبخر”
المدينة باردة
والنزول إلى الشارع للاحتفال
بأن أوان موتك قد فات
ليس أمراً ضرورياً
فالموت
يختلف عن حافلات النقل الداخلي في السويد
الموت يشبه الحافلات في قرانا
يجيء وقتما يحب
بلا مواعيد ثابتة
وهو دائماً مثل أي ضيف
على الرحب والسعة.

Leave a Reply