راسم المدهون: في بعض أوجه محنة المثقفين العرب

كان من “عادات” صدام حسين في ختام أية مناسبة ثقافية يرعاها بحضور مثقفين بارزين من مختلف البلدان العربية أن يهدي كل واحد منهم ساعة ذهبية عليها صورته، وكان المثقفون يعمدون بعد ذلك إلى مسح صورته واستخدام الساعة، وفي حالات أكثر يبيعونها.
ما جرى في الحالة التي سأرويها كان مختلفًا وغير متوقع. وصلت المناسبة الثقافية لنهايتها، وأعد المدعوون حقائبهم استعدادًا للسفر من دون أن توزع عليهم الساعات حسب “تقاليد” عرفوها أو سمعوا عنها، ووقعت في مناسبات سابقة. وإمعانًا في الإثارة، تسارع الوقت، وصار أولئك المدعوين على وشك المغادرة إلى المطار، وفجأة جاء أحد زملائهم ووجدهم في حالة وجوم تقارب الذهول الممزوج بالغضب، وربما بالندم، أنهم جاءوا وحضروا المناسبة. وقف القادم الجديد وبعد ثوان من الصمت قال لهم بصوت فيه كثير من الوقار المصطنع: يا زملاء… إن الساعة آتية لا ريب فيها، وما إن نطق بذلك حتى دلف إلى بهو الفندق موظفون يحملون الساعات المأمولة، والتي ستقلب مزاج الجميع، ويعودون إلى حالهم الطبيعي.
تذكرت تلك الواقعة في حديث مع أصدقاء كتاب عن الجوائز الأدبية العربية، وخصوصًا جوائز الرواية، والتي أصبحت خلال العقدين الماضيين مثار اهتمام الروائيين العرب في مختلف أماكنهم، بل إنها شجعت آخرين على تجربة هذ الجنس الأدبي الصعب والهام، ومحاولة كتابة رواية يتقدمون بها للمسابقة. أبرز تلك المسابقات التي أراها مثلت تجربة ناضجة وتستحق الاهتمام والنشر “جائزة البوكر للرواية العربية”، التي تنظمها دولة الامارات العربية المتحدة، و”جائزة كتارا” التي تنظمها دولة قطر، والتي تميزت عن “البوكر” بأنها تقدم جوائز للروايات المنشورة حديثًا، وجوائز أخرى للروايات “المخطوطة”، أي التي لم تنشر بعد، وهي سابقة تستحق التقدير، إذ هي تستدرك مصاعب النشر، وتمنح الفائز فرصة كبرى للشهرة والقبول عند الناشرين.
إزاء تلك الجوائز، وقف مثقفون عرب يرفضونها ويذهبون في رفضهم “مذاهب شتى”، منها “تبعية” الجائزة لـ”جهة أجنبية” لا يرون أن صلتها بالجائزة يمكن أن تكون بريئة، كما قال بعضهم عن “البوكر”، وهو تبرير توغل في دربه بعضهم حتى وصل الأمر بالزعم أن من يقف وراء البوكر هو صهيوني شغل يومًا ما وظيفة “مدير مكتب” رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دافيد بن غوريون. حين قرأت ذلك الزعم ــ الاتهام أول ما تبادر إلى ذهني هو التالي: إذا كان الرجل المزعوم مديرًا لمكتب بن غوريون فهذا معناه أنه كان يومها في الثلاثين من عمره على الأقل، علمًا أن بن غوريون خرج من الحكم واعتزل السياسة عام 1957، أي أنه مع مطلع القرن العشرين وتأسيس “جائزة البوكر” قد بلغ الثمانين من عمره، ومع ذلك ذهبت أحمل اسم ذلك “المؤسس” الذي زعمته كاتبة عربية “تزعمت” موجة العداء للجائزة، ومضيت به للعم غوغل الذي أجابني يومها حرفيًا: لم يكن هنالك أي مدير لمكتب بن غوريون بهذا الاسم!!
الكاتبة ذاتها (تنتمي لتيار خالد بكداش السياسي) كانت بعد ذلك مع رهط من أصدقائها ومن يشاركونها تلك “الأفكار” تثير غبارًا من الاتهامات حول وطنية وشرف أولئك الذين فازوا بجوائز أدبية، وأشارت يومها لجائزتي البوكر، ونجيب محفوظ، بل إن “رهطًا” من زملائها أعضاء “اتحاد الكتاب العرب في سورية” طالبوا “القيادة القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي” بتشكيل لجنة لمحاكمة الفائزين بتلك الجوائز، لأنها ممنوحة من “جهات معادية”، في حين كان ذلك “الرهط” نفسه يهرع للمشاركة في مسابقة سنوية بالغة البؤس تنظمها “المفوضية الثقافية الإيرانية في دمشق” التي رأو أنها الراعية الأساسية لثقافة المقاومة.
لا أعرض هذا دفاعًا عن جائزة ما، ولا عن من فازوا بجائزة هذه المسابقة الأدبية أو تلك، فلا جائزة بلا جوانب سلبية يمكن نقدها والإشارة إليها، لكن ما رغبت في قوله هو ما يسود ساحتنا الثقافية العربية من اختلال يذهب البعض معه إلى توزيع الاتهامات الجاهزة يمينًا وشمالًا، وهي ذهنية تقبع جذورها في رفض الاختلاف، بل رفض الآخر، وفكره وخياراته.

من ذلك النبع الملوث، وحيث يختلط الصالح بالطالح، نسمع بين وقت وآخر صراخًا يعلو هنا أو هناك يتهم أصحابه كاتبًا أو مثقفًا بالتطبيع، وهي للحق تهمة تضع من “ينالها” في موقف الإدانة من دون دراية أو تمحيص لا يراه البعض ضروريًا. يقولون لك إن فلانًا من الكتاب حضر مناسبة ما كان فيها صهاينة، أو أنه خلال حضوره مناسبة أوروبية شوهد مبتسمًا لحظة مرور صهيوني من أمامه!!
في أعقاب موجات الاتهام بالتطبيع، كتبت ذات سنة في التسعينيات مقالة في جريدة “الحياة” الدولية ما معناه أن الحكم على التطبيع الثقافي لا يكون بتحقيق جنائي، بل بتحقيق ثقافي فعلًا، وأن التطبيع ليس تلك المصادفات التي تحكي عن وجود كاتب عربي في تجمع دولي فيه أحد من أعدائنا. الأمر ليس هنا إطلاقًا، بل هو يقع في التوافق مع أولئك الأعداء. وأوضحت فقلت: إن التطبيع هو أي موقف سياسي، أو ثقافي، أو فكري، يوافق على الرواية الصهيونية للصراع الفلسطيني والعربي مع الصهيونية. أما غير ذلك فهو خلط يزيحنا من كل المحافل الدولية، بدءًا من الأمم المتحدة ومنظماتها، ومرورًا بالمؤسسات الدولية كافة باختصاصاتها المتنوعة، بما فيها المهرجانات السينمائية، والدورات الرياضية، ناهيك عن اليونسكو، واليونيسيف،… إلخ.
من “يقفون بالمرصاد” للكتاب والمثقفين العرب ليسوا في الحقيقة سوى منتفعين (على طريقتهم) من فلسطين وقضيتها وهم يحملون راية محاربة التطبيع شماعة تخفي إخفاقات كبرى في وجودهم الثقافي والسياسي الذي يجعلهم ومؤسساتهم ينشغلون بأي شيء إلا الثقافة والإبداع. ولو صحت دعاواهم في حق غيرهم ممن توجهوا لهم بالتهم لكنا اليوم أمام محكمة لا تتسع لها ساحات العواصم والمدن العربية الكبرى.
كيف يمكن لقابع في هذه العاصمة، أو تلك، أن يمنح نفسه حق توجيه الاتهامات جزافًا ولا تثنيه أية حقائق يقولها أحد دفاعًا عن “المتهم” بما يعكس عقلية بوليسية لا علاقة لها بالثقافة من قريب أو بعيد، بل إنني أراهم يسعدون بـ”القبض” على مطبع يشتغلون به بين وقت وآخر، ويبررون به وجودهم وحضورهم الثقافي. ذهبت مرة مع صديق دعاني لأمسية في اتحاد كتاب فلسطين السابق (اتحاد كان يدين بالولاء للراحل ناجي علوش). وما إن رآني الحضور حتى “تمتمت” إحداهن بكلام سمعته استغربت فيه لماذا أحضر؟ ألا أعلم أن اتحادهم له موقف سياسي واضح؟
يومها سخرت كثيرًا وقلت لصاحبي: هذه “الكاتبة” تخلط شعبان برمضان، إنها إذ تشترط الاتفاق على “موقف سياسي للاتحاد” تجعل الموضوع كله خارج السياق، فالناس يتوافقون على موقف سياسي في الحزب، وليس في اتحاد كتاب، فاتحاد الكتاب لا يجوز أن يكون له موقف سياسي واحد، بل هو بالبداهة اتحاد آراء متنوعة، وحتى مختلفة. ذلك يقودنا بالضرورة لبدعة أخرى طالما جرى استخدامها بهدف التضليل، وهي الرجوع لـ”الثوابت” الوطنية كلما دق الكوز بالجرة.
السؤال هنا ما هي الثوابت؟ ومن يقررها؟ وأين ومتى؟
الخلط هنا متعمد، فهو يقفز من “ثوابت وطنية” تعني شعبًا، أو أمة، ليتحول إلى ثوابت هذا الحزب، أو ذاك، وهو يتم تداوله بصورة كيفية تجعل طاغية مستبدًا كالهارب بشار الأسد “يتربع” على عرش المقاومة الذي نصبه عليه أشخاص لا علاقة لهم بالمقاومة من قريب أو بعيد، بل أكثر من ذلك تجعل كثرًا من أولئك “المقاومين” يهللون لقصف إيران للعواصم العربية في الخليج العربي بالحجج والذرائع ذاتها، وهو حديث يعيدنا من جديد لما تناولناه في مطلع هذه المقالة عن الجوائز الأدبية. كيف يمكن لمن يهاجم البوكر وكتارا وجائزة نجيب محفوظ أن يقنعنا بسلامة خياراته الثقافية التي تعتصم بجائزة “المفوضية الثقافية الإيرانية في دمشق” الممولة من الملالي والممهورة بخاتم “الموافقات الأمنية” لنظام الطاغية؟
هي خواطر وأسئلة تثيرها وقائع نسمعها، أو نقرأ عنها بين وقت وآخر، وكلها تنبع من غياب الحرية بمعناها الشامل، وبمعناها الثقافي خاصة، وهي تقع بسبب من التجريف الشامل الذي مارسته على مدار عقود طويلة سلطات الحكم القمعي العربية، هذه السلطات التي احترفت التحليل والتحريم، وهو ما لم نكن نسمعه في زمن الليبرالية العربية التي سبقت “حكم العسكر” وديكتاتورياتهم، والتي صادرت السياسة وحرية الفكر، وسجنت المجتمع، بل والبلاد كلها، في ثلاجة تمنع التطور، وتكرّس التخلف والثبات.

*ضفة ثالثة

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply