يبدي مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، ملاحظة قاسية، لكنها في محلها تماما، معلقا على مجازر الساحل السوري التي جرت في شهر آذار/ مارس من العام الحالي، حين يقول: إن مجازر الساحل السوري موثقة بالصوت والصورة، بعكس مجازر حماة. مصدر القسوة يصدر من واقع أن مجازر حماة كانت أكثر اتساعا وشمولا من مجازر الساحل. مع ذلك، وحيث أن التوثيق لها غير متوافر فإن المحاسبة تصبح أصعب، وتسمح بنجاة من كانوا من أبطالها القتلة. ومصدر وقوع هذه الملاحظة في محلها تماما، يأتي من واقع أن توثيق المجازر يتيح للضحايا وأهلهم الأمل بعدل ولو بعد حين.
إنما يبقى السؤال الأخطر مشهورا فوق رؤوسنا كسيف. من هم هؤلاء الذين وثقوا المجازر؟ كيف يمكن لقتلة أن يصوروا جريمتهم بهذا الفخر؟ سيخرج من بين الناس من يقول: هذا دليل أن المجازر مفبركة. أو أن القتلة تلبسوا لبوس المتهمين بالقتل توخيا لحشرهم في موقع المدان. لكن الثابت أن بعض القتلة صوروا جرائمهم. وهذا في حد ذاته يجدر به أن يكون مقلقا لكل الناس في سائر أرجاء الكرة الأرضية. ذلك أن مثل هذا القتل المصور، والخطاب الذي يعلنه القتلة، بوصفه سببا لاستحقاق الضحايا العقوبة المنزلة بهم، يستند إلى صور أخرى ووثائق أخرى تصور مقتل أبرياء يدعي قتلة اليوم أنهم يثأرون لهم.
المشكلة أن الصور والفيديوهات لا تموت بمرور الوقت، خصوصا إذا كانت الجرائم تحصل في بلاد تشبه بلادنا. ما زال فيديو ذبح أبو مصعب الزرقاوي لنيكولاس بيرغ حاضرا، ويمكن لأي متحمس التحجج به ليقتل من يعتبرهم أهل القاتل وعزوته، فيؤذيه ويؤلمه وهو في قبره.
والمشكلة أن أهل بلادنا يشبهون بعضهم في البؤس والحاجة والفاقة، فلو قام قاتل بتنفيذ جريمة في برج ترامب بنيويورك، فإن هذه الحادثة ستكون مؤرخة بالدقيقة والساعة واليوم. ذلك أن الأماكن المعولمة التي تشبه برج ترامب تغير جلدها كل يوم. المقتول في مكان كهذا لا بد وأنه يحمل ساعة أو هاتفا يشير إلى استحالة قتله قبل موعد إصدار هذه الفئة من الهواتف والساعات، وقد يكون مرتديا ثيابا رائجة لم تكن موجودة قبل شهر من الحادثة. الأماكن المعولمة تستطيع الادعاء أنها معاصرة. لكن قرانا ودساكرنا بحسب هذا المنطق تعيش في أوقات غبرت منذ دهر. وصور الجرائم التي تحصل فيها لا تاريخ لها إلا إذا كانت الضحية نفسها تعيش في زمن العولمة. هذا أيضا يقع في ما يمكن وصفه بعنصرية العولمة الفاقعة. لكن هذه العنصرية قد تكون أقل مشكلاتنا خطرا.
نعيش في زمن معولم. الصحافيون والموثقون يستخدمون أدوات توثيق وإخبار حديثة تماما. لكن الناس الذين يوثقون موتهم يعيشون في زمن مضى. كما لو أنهم تماما فائضون عن الحاجة. هذا يفسر سرعتنا في ارتكاب الفرح الغامر ما أن يحدث حدث كبير في المحيط. نريد أن ننسى قتلانا، لأننا نحن أيضا نعتقد أنهم يعيشون في وقت فائض. حياتهم بالنسبة لنا ليست أكثر من محاولة حشرهم في العتم والصمت، ونسيانهم حتى تميتهم الطبيعة أو يتوفاهم الله. السيدة أم أيمن التي حرست جثث ابنيها وحفيدها في خلفية دارهم، في قرية قبو العوامية، لم تكن لولا الجريمة لتذكر في أي كتاب أو تحقيق صحافي. هذا لا يقع في خانة لوم الصحافة والكتابة. لكنه يقع في خانة لوم حمى العولمة والمعاصرة. هذه المرأة قالت ما قالته للقتلة بينها وبينهم. أدوات العولمة هي التي رفعتها من مصاف المنسيين إلى مصاف المعاصرين. ولأنها كانت تعيش في زمن سابق على زمننا، فإن المدافعين عنها يجدر بهم أن يكونوا من المعاصرين. وإلا فإن مقتل ابنيها وحفيدها كان ليؤرخ بوصفه دعوة للثأر حال التمكن. لا أكثر ولا أقل.
لو لم تحدث الجرائم لما كان في وسع أي كان أن يصف يوميات أهالي هذا الريف المغرق في محليته. هل ثمة رعاية صحية مناسبة يتلقونها؟ هل يستطيعون تأمين قوت يومهم؟ هل يفكرون في مستقبل مشرق ومضاء؟ الأرجح أن كل هذه الأسئلة لن تخطر ببال مشاهد الجريمة المتضامن مع ضحاياها، والأرجح أن أولادها أيضا كانوا ليهاجروا إذا واتتهم الفرصة، ويتركونها وحيدة مع زمنها الذي لم نعد نعرف كيف نعيش فيه.
كل هذا الظلم يقع على هؤلاء دفعة واحدة. منذورون للحداد والموت والهجر والنسيان. ولا يذكرهم العالم إلا حين يقتلون أمام الكاميرات.
ثم ماذا؟
السؤال الأخطر يتعلق بأولاد المرأة المقتولين. لماذا لم يقتل القتلة المرأة أيضا؟ لأنهم على الأرجح يريدون منها أن تدخل في وقت الحداد. الرجال؟ يجب إبادتهم عن بكرة أبيهم. لأنهم إما قتلة وإما مقتولين. الوظيفة الأبرز التي يمارسها الرجال في هذه البلاد ليست أكثر من القتل والتعرض للقتل. ما الذي بقي لهم لينجزوه؟ بضع مجازر أخرى، أو التعرض لمجازر ثأرية أخرى؟ يبدو أننا نعيش حقا في عالم يصعب أن يكون قابلا لأن نتفاهم مع حيثياته. هذا يمتد من سورية إلى لبنان إلى فلسطين إلى اليمن، إلى كل مكان من هذا العالم لا تلمع أضواءه أمام أعين السياح المبهورين.
لكن هذا كله لا يختصر المعضلة.
المعضلة أن صور المجازر التي تبثها وسائل التواصل وشاشات التلفزيونات، تجعل منا كائنات ضيقة الآفاق. كل منحاز يملك صورا لمن يريد الانتقام لمقتلهم. المدافع عن الأسد لديه صور مقتوليه، والمدافع عن الإدارة الجديدة لديه صور مقتوليه أيضا. والحال فإن المجازر مرشحة لأن تشتعل كل لحظة، ما أن يتمكن الراغب في الثأر من تنفيذ ثأره. هذه بداوة معاصرة فرضتها العولمة المنتشية. لكن المقيمين فيها لا يملكون مزايا البداوة المتعلقة بالصلح والدية وتجنب القتل ما أمكن. إنه عالم يأخذ من تاريخ البشر أسوأه وينصبه علما على قناعاته وأفكاره وانحيازاته.
هل في وسعنا بعد هذا كله أن نستغرب أن يصل شخص مثل دونالد ترامب إلى رئاسة الدولة المهيمنة على أذواقنا واقتصادنا ومستقبلنا وأمننا؟ لا يجدر بنا أن نبدي استغرابا. ترامب نفسه هو وليد هذه العولمة التي تصنع الانحيازات القاطعة. كل علوي هو مشروع مجرم في ذهن من يناصبه العداء، كل سني هو مشروع إرهابي في ذهن من يناصبه العداء. وكل مكسيكي هو مشروع تاجر مخدرات في ذهن أنصار ترامب ومؤيديه، وكل أبيض هو عنصري بغيض في ذهن من يناصب البيض العداء. هذا العالم في مركزه يتحول إلى قبائل تريد أن تحارب المخالف والمغاير والآخر. وهذا العالم يبدو أنه يسير حثيثا لقتل من لم يصل بعد إلى مرحلة التحزب الأعمى، ثم بوسعه أن يحتفل بمقتل هؤلاء ويدين قتلتهم، مثلما قد يحتفل بمقتل أعدائهم ويدين قتلتهم. المهم أن تجد لك أيها الإنسان، أيها العالمثالثي، مكانا صغيرا في موقع من يستطيع أن يدين، وأن تتجنب الوقوع في موقع من تقع عليه الجريمة موضوع الإدانة.
ضفة ثالثة
Leave a Reply