عندما صدرت رواية «تلك الرائحة» عام 1966، كانت بمثابة صرخة في وجه الرقابة والتقاليد الأدبية السائدة آنذاك. في هذا العمل، يروي صنع الله إبراهيم قصة سجين سابق يخرج إلى عالم فقد فيه الإحساس بالحرية الحقيقية، معتمدا على أسلوب سردي مقتضب وبسيط، لكنه مفعم بالدلالات. الرواية أثارت جدلا واسعا بسبب جرأتها في تناول قضايا محظورة مثل الجنس والاغتراب، ما أدى إلى أن تُمنع في البداية، لكنها أرست لاحقا مكانته باعتباره صوتا جديدا في الأدب العربي. ونتيجة لاستمراره في الكتابة، على النهج نفسه، أصبح أحد أبرز الروائيين العرب المعاصرين، ورمزا للكتابة الملتزمة التي تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي بجرأة وصدق. وتجربته الأدبية والحياتية تتشابكان بشكل وثيق، حيث شكّلت سنوات السجن والنضال السياسي محورا أساسيا في تأسيس رؤيته الفنية.

الحياة والسجن: جذور التجربة

وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة عام 1937، ونشأ في بيئة شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبيرة في مصر. انخرط في شبابه في الحركات اليسارية، ما أدى إلى اعتقاله عام 1959 ضمن حملة استهدفت الشيوعيين في عهد جمال عبد الناصر. قضى خمس سنوات في السجن، وهي الفترة التي تركت بصمة عميقة على إبداعه. ولم يكن في السجن، مجرد سجين، بل كان كاتبا يرصد التفاصيل اليومية للحياة خلف القضبان، حيث بدأت ملامح روايته الأولى «تلك الرائحة» تتشكل. ويتميز أسلوبه بالاقتصاد في اللغة، فهو يبتعد عن الزخرفة والإطناب لصالح جمل قصيرة تحمل في طياتها عمقا فكريا ونقدا اجتماعيا. معتمدا على تقنية «التداعي الحر» ومزج الواقع بالتخييل، ما يجعل القارئ شريكا في تفكيك النص. كما أن اهتمامه بالتفاصيل اليومية للإنسان العادي يعكس رؤية ماركسية ترى في الطبقات المهمشة محور التغيير.

أعمال لاحقة: التزام وتجريب

لم تتوقف تجربة صنع الله عند «تلك الرائحة». في روايات مثل «اللجنة» و»شرف»، واصل نقده اللاذع للبيروقراطية والفساد في المجتمع المصري، مستخدما السخرية كأداة لفضح التناقضات. أما في «نجمة أغسطس» و»بيروت بيروت»، فقد اتسعت دائرة اهتماماته لتشمل قضايا العالم العربي، مثل الحرب الأهلية اللبنانية. وفي «التلصص»، قدم تجربة فريدة بمزج السيرة الذاتية بالرواية، معتمدا على يومياته الشخصية.

أسلوبه السردي

تتميز أعمال صنع الله إبراهيم بتنوعها الموضوعي، لكنها تشترك في التزامها بنقد الواقع ورفض الظلم. أسلوبه المقتضب لا يعني البساطة، بل وسيلة لتكثيف المعاني وإشراك القارئ في عملية التفسير. كما أن قدرته على مزج الشخصي بالسياسي تجعل كل عمل له بمثابة وثيقة تاريخية وفنية في آن واحد. ومن خلالها يثبت صنع الله أن الأدب يمكن أن يكون أداة للمقاومة والتغيير، دون التضحية بجمالياته. ولعل من أبرز سمات نتاجه، أنه يجمع بين البساطة الظاهرية والعمق الدلالي، ما يجعله أداة فعالة لنقل رؤيته النقدية والإنسانية. فهو يبتعد عن الإطناب والزخرفة اللغوية، مفضلا الجمل القصيرة المقتضبة، التي تحمل طابعا تقريريا في بعض الأحيان. هذا الأسلوب، الذي قد يبدو جافا للوهلة الأولى، يخدم غرضا فنيا واضحا: نقل الواقع كما هو دون تجميل. والسرد ينتقل بين الأفكار مستخدما تقنية التداعي الحر، حيث المشاهد دون فواصل واضحة أو ترتيب تقليدي. في «التلصص»، مثلا، يمزج بين ذكريات الطفولة وملاحظات الراوي دون مقدمات، ما يشبه تدفق الذاكرة الإنسانية. هذا الأسلوب يعزز الشعور بالواقعية، ويجعل القارئ يعيش تجربة الشخصية من الداخل، لكنه قد يتطلب تركيزا إضافيا لمتابعة الخيط السردي.

السخرية والكابوسية

تُعد رواية «اللجنة» التي صدرت عام 1981 من أكثر أعماله رمزية في نقد البيروقراطية والسلطة. تدور أحداثها حول شخصية مجهولة تواجه لجنة تحقيق غامضة تطالبه بتقديم «شيء مميز» لإثبات جدارته. والأسلوب السردي فيها يمزج بين السخرية والكابوسية، حيث يعكس الشعور بالعجز أمام نظام جامد وغير إنساني. وتعزز اللغة المقتضبة والجمل القصيرة من إحساس القارئ بالضغط والاختناق، بينما تكشف الرواية عن استلاب الفرد في مواجهة آلة السلطة. فيما تترك النهاية المفتوحة القارئ مع تساؤلاته حول طبيعة الحرية والخضوع. ثم يأخذنا إلى تجربة سردية مختلفة في «نجمة أغسطس» 1974، ليرصد بناء السد العالي في أسوان، أحد أبرز مشروعات عهد عبد الناصر. جامعا في هذه الرواية بين السيرة الذاتية والتوثيق التاريخي، معتمدا في سرده على يوميات شخصية يمزج فيها بين مشاعره الخاصة، وملاحظاته عن العمال والمهندسين. والنص يعكس إيمان الكاتب بالمشروع في بدايته، لكنه ينتهي بنبرة من التشكك في جدواه الاجتماعية. والأسلوب هنا أكثر شعرية مقارنة بأعماله الأخرى، مع تركيز على الطبيعة والإنسان كعنصرين متفاعلين.

الحرب والحياة اليومية

عام 1984 تجاوز في تجربته الفضاء المصري، العالِم بأسراره، ليتناول الحرب الأهلية اللبنانية، في روايته «بيروت بيروت»، ما يظهر اهتمامه بالقضايا العربية الأوسع. عبر رصده لرحلة كاتب مصري إلى بيروت لتوقيع عقد نشر كتاب، لكنه يجد نفسه محاصرا وسط الفوضى. أسلوبه في هذا العمل يعتمد على التقطيع السينمائي، حيث ينتقل السرد بين مشاهد الحرب والحياة اليومية بسرعة تعكس إيقاع الصراع، والنص لا يقدم حكما مباشرا، بل يترك للقارئ استشعار عبثية العنف وتأثيره على الإنسان.

تأمّل في شرف الفرد
يعود صنع الله في رواية «شرف» 1997، إلى فضاء السجن مرة أخرى، لكن هذه المرة برؤية أكثر نضجا وتعقيدا. ليتناول قصة شاب يُسجن بسبب ديون متراكمة، ومن خلاله يرصد الكاتب الفساد الاجتماعي والاقتصادي في مصر، خلال فترة الانفتاح الاقتصادي. هنا الأسلوب يعتمد على التفاصيل الدقيقة لحياة السجناء، ما يجعل النص وثيقة إنسانية بقدر ما هو عمل فني. الشخصيات الثانوية، مثل السجانين وزملاء السجن، تضفي طابعا واقعيا وتكشف عن التناقضات الطبقية. «شرف» ليست مجرد رواية عن السجن، بل هي تأمل في شرف الفرد العادي الذي يُسحق تحت وطأة المجتمع.

نبرة التجريب

عام 2007 قدم صنع الله تجربة سردية تجريبية بعنوان «التلصص»، جمعت بين السيرة الذاتية والرواية. العمل مبني على يوميات طفل يراقب العالم من حوله في أربعينيات القرن العشرين، مع إسقاطات على ذكريات الكاتب الشخصية. الأسلوب في هذه الرواية يتميز بالحساسية والتفاصيل الدقيقة، مع تركيز على اللغة كأداة لاستعادة الماضي. والرواية تعكس شغف الكاتب بالذاكرة الجماعية وعلاقة الفرد بمحيطه، ما يجعلها واحدة من أكثر أعماله تأملا.

السخرية والنبرة النقدية

في سرد صنع الله تبرز السخرية أداة أساسية، خاصة في أعمال مثل «اللجنة»، حيث يستخدمها لفضح تناقضات السلطة والبيروقراطية. والنبرة الساخرة تتجلى في اختيار المواقف والحوارات، التي تبدو عبثية، لكنها تعكس واقعا مؤلما. على سبيل المثال، طلب اللجنة من الشخصية الرئيسية تقديم «شيء مميز»، دون توضيح يحمل في طياته تهكما مريرا على العشوائية والاستبداد. هذا الأسلوب يجعل السرد لاذعا ومؤثرا في الوقت ذاته. كما يولي اهتماما كبيرا بالتفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية، سواء كانت أفعالا روتينية أو أشياء مادية، ليرسم صورة واقعية لعالم شخصياته. في رواية «شرف»، يصف بدقة أشياء مثل رائحة الطعام في السجن، أو حركة السجانين، ما يضفي طابعا حسيا على النص. هذه التفاصيل ليست زخرفة، بل وسيلة لتجسيد الظروف الاجتماعية والنفسية، مما يجعل القارئ يشعر بثقل الواقع على الشخصيات. بينما في أعمال مثل «نجمة أغسطس» و»التلصص»، يدمج صنع الله بين تجاربه الشخصية والخيال السردي، ما يخلق أسلوبا هجينا يقع بين الرواية واليوميات. هذا المزج يضفي صدقا على النص، حيث يشعر القارئ أن الكاتب يكتب مما عاشه، لكنه يحتفظ بحرية التشكيل الفني. الراوي غالبا يكون انعكاسا لصنع الله نفسه، لكن دون أن يفقد الطابع العام الذي يجعل الشخصية تمثل تجربة إنسانية أوسع.
التقطيع السينمائي
في روايات مثل «بيروت بيروت»، يعتمد صنع الله على تقنية سردية تشبه المونتاج السينمائي، حيث يقطع بين المشاهد بسرعة ليخلق إيقاعا ديناميكيا يتناسب مع الفوضى التي يصفها. هذا الأسلوب يعكس حالة الحرب والاضطراب، ويجعل القارئ يشعر بالتوتر والانقطاع الذي تعيشه الشخصيات. والجمل القصيرة هنا تلعب دورا في تعزيز هذا الإيقاع، ما يجعل النص بصريا بقدر ما هو نصي. وعلى عكس العديد من الروائيين، يتجنب صنع الله إبراهيم التعبير المباشر عن العواطف، مفضلا أن تتكلم الأفعال والأحداث عن نفسها. في «تلك الرائحة»، لا يصف الراوي شعوره بالحزن أو الفراغ صراحة، بل يترك للأحداث – مثل تجواله العقيم في الشوارع – أن تعبر عن حالته. هذا الأسلوب يعزز الطابع الموضوعي للسرد ويمنح القارئ حرية التفسير. إن اسلوب السرد لدى صنع الله إبراهيم انعكاس لرؤيته الفكرية والفنية: فهو يكتب نصوصا سردية يركز فيها على جوهر التجربة الإنسانية، ويتجنب البهرجة والاستعراض البلاغي. بساطته الظاهرية تخفي تعقيدا داخليا، حيث يستخدم الاقتصاد اللغوي، التداعي الحر، والسخرية لنقل نقد اجتماعي عميق. هذا الأسلوب لا يقدم الواقع فحسب، بل يحرض القارئ على التفكير والمواجهة، ما يجعله أحد أكثر الأصوات تميزا في الأدب العربي المعاصر، وبالإضافة إلى أسلوب السرد الذي يميزه، فهو يعتمد على مجموعة من التقنيات الأدبية التي تعزز من قوة نصوصه وتضيف أبعادا جديدة لتجربته الفنية.

الرفض كموقف

في عام 2003، أثار صنع الله إبراهيم ضجة عندما رفض استلام جائزة الرواية العربية من مؤتمر القاهرة، معلنا أنها تأتي من نظام لا يمثل إرادة الشعب. هذا الموقف عكس التزامه السياسي والأخلاقي، وأكد أن الكتابة بالنسبة له ليست مجرد فن، بل أداة للمقاومة. يمكن القول بأن تجربة صنع الله إبراهيم هي مزيج من الأدب والنضال، حيث استطاع أن يحول معاناته الشخصية إلى صوت يعبر عن هموم جيل بأكمله. بأسلوبه الأدبي ومواقفه الجريئة.

*القدس العربي