بدعوة من بيت الرواية في المغرب، توجهت إلى مدينة أغادير التي أزورها لأول مرة، للمشاركة في ملتقى الرواية التاسع، الذي يشرف عليه الروائي عبد العزيز الراشدي، وفريقٌ من الشباب المبدعين المتحمسين للأدب.
اقترح عليّ الأصدقاء منظّمو الملتقى القيام بنشاطات مع طلاب المدارس، لأتوجه إلى ثانوية عبد الله الشفشاوني في منطقة اسمها “أولاد تايمة”، التي تبعد عن مدينة أكادير قرابة الساعة بالسيارة.
أدهشني الحضور الكبير للطلاب: فتيات وفتيان بأعمار الورد، جاؤوا متحمسين للاستماع إليّ، وقد تأكدت من حماسهم وحضورهم بإرادتهم لا بضغط من الإدارة، من أسئلتهم الكثيرة التي جعلت الإدارة تتجاوز وقت الندوة بساعات: استمر اللقاء قرابة أربع ساعات، بينما كان من المفترض ألا يتجاوز الساعة والنصف.
حتى أن بعض الطالبات والطلاب لحقوا بي وأنا في طريق المغادرة، واستوقفوني مرات عدة لطرح الأسئلة، وأخذ توقيعي، والتقاط الصور التذكارية.
“في داخل كل منكن، يوجد مبدع مُحتمل، يحتاج إلى التشجيع للظهور”، قلت للبنات خاصة وأنا أرى عيونهن تضيء بالأمل وتتجه صوبي: “سوف تأخذن هذا المكان ذات يوم، ستجلسن على المنصات وتتحدثن إلى جمهور من البنات اللاتي يرين فيكن الأمل”.
كنتُ أرى صباي في هذه الوجوه. وحين قالت لي شابة لا تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها: “سأصبح كاتبة مثلك”، تأكدت من هذا التماهي والتلاقي بين مصائرنا: كاتبات وبنات وشبان يحلمون بالكتابة، ويشعرون بإمكانية أن يصبحوا كتابًا، لأن الكاتب إنسان عاديّ مثلهم، حلم بالكتابة، وحقّق حلمه. إذًا، هم أيضًا يمكنهم الوصول إلى أحلامهم.
في تجربة مشابهة، أخبرتني معلمة في مدرسة فرنسية في تونس بأن طلابها هم الذين جعلوها تغيّر موضوع البحث المطلوب منهم، حين رأوا لقاء متلفزًا معي، فقالوا لها: هذه كاتبة حيّة، من لحم ودم، لماذا لا نعمل على روايتها، ونتحاور معها؟ أخبرتني، فخورةً بطلابها، بأنها راهنتهم إن تمكنوا من التواصل معي والحصول على موافقتي لحوار “أونلاين” فسوف تغيّر موضوع البحث، وأضافت: لقد كسب طلابي الرهان!
أما في فرنسا، وبعد قبولي دعوة جامعة ليون للحديث مع طلاب قسم اللغة العربية، فقد ملأتني تلك التجربة بأهمية التواصل بين الكاتب والطلاّب، لأن هذا النوع من اللقاءات يخلق الاحترام لجدوى الأدب وأهمية الكتابة في الحياة اليومية، وقدرتها على التغيير، وإن كان بطيئًا.
بقدر ما أشعر بالفرح، ومتعة التواصل مع أجيال جديدة، أحسّ أحيانًا بالحسد، وأتذكر طفولتي ومراهقتي في مدارس سورية، وأقول لنفسي: لو أن إدارة المدرسة استضافت ذات يوم إحدى الكاتبات، أو أحد الكتّاب، ربما كانت قد أنقذت كثيرًا من زميلاتي آنذاك من الذهاب إلى مصائر تقليدية، لتنحصر أحلامهن في الزواج والإنجاب، وتكرار مصائر أمهاتهن.

خلق الأثر وصناعة النموذج
وجود الكاتب من لحم ودم بين الطلاب يخلق بيئة محرّضة للإبداع، عبر التماهي مع الكاتب. في الدول الغربية، يطلبون من الكتّاب والشعراء المساهمة في التعليم، للاستفادة من المساحات المتّسعة التي يتمتع بها المبدعون في “الخروج عن الأطر التقليدية”، والتي تستطيع توليد طاقات إبداعية مستقبلية.
حين يلتقي الطالب بالكاتب، ويقترب منه، يصبح حلم الوصول إلى التحقق الإبداعي ممكنًا. لقد رأيت الشغف في عيون الطلاب، وأحسستُ بأننا نتبادل الطاقة الإيجابية والحلم بأن نكون جميعًا مبدعين.
الساعات التي قضيتها مع الطلاب، والنقاشات العميقة، أعتقد أنها ستخلق فضولًا لديهم للبحث عني أكثر، والبحث عن كتّاب وكاتبات للاطلاع على عوالمهم الإبداعية.
أستطيع تلخيص هذا اللقاء بأنه يجعل حلم أي طالب بأن يصبح كاتبًا ممكنَ التحقيق، وهذه هي أحد أدوات الكتابة الإنسانية: امتلاك الأمل والحلم.

ففي الوقت الذي تساهم فيه وسائل التواصل في نشر التفاهة، وكذلك تفعل الدراما العربية خاصة، حيث تصور النساء والرجال ضمن أدوار نمطية كسولة، تخلق لدى الشباب والبنات تطلعات لتقليد شخصية البطل “الفهلوي ــ الذكوري ـ …” و”المرأة الخانعة ــ اللعوب ..”، فكأننا أمام إعلام يقولب التفكير، فيتلقى الشباب مفاهيم مختلفة يتماهون معها، فإن الأدب يستطيع إنقاذ هذا الجيل من النمطية، وخلق مساحة فكرية عبر التفكير خارج الصندوق، وعبر صناعة أحلام مغايرة، تولد لدى جيل مختلف لا يريد أن يكون مثل أحد أبطال، أو بطلات، المسلسلات “السطحية”، بل أن يصبح شخصًا آخر.

دور التعليم في تنمية الإبداع الأدبي وصناعة الخيال
يستطيع التعليم الإبداعي المنفتح على الاستفادة من خبرات الكتاب من خارج المؤسسة التعليمية والمناهج الثابتة تعزيز الإبداع الأدبي عبر توفير بيئة محفزة للتفكير الحر، من دون التقيد الصارم بالقوالب الجاهزة. فهو يشجع على المغامرة الأدبية، وتعزيز التفكير النقدي، والانفتاح على التجريب، واكتشاف الموهبة الذاتية.
كما أن تواجد الكتّاب والشعراء والفنانين في صفوف الطلاب ينمّي الخيال لدى الباحثين عن اكتساب مهارات إبداعية بالاستفادة من البيئة الأكاديمية، لأن الخيال ليس فقط للمتعة وصناعة الصور والحكايات، بل يساهم في كونه أداة نقدية للتفكير، فهو بمثابة المختبر الذهني الذي يساعد الدماغ في الوصول إلى أفكار خارج الواقع: عندما يتخيل الإنسان موقفًا، أو مشكلة، فإنه في الحقيقة يقوم ببناء نموذج عقلي يحاكي ما يمكن أن يحدث في العالم الحقيقي، وبالتالي يساهم في تدريب التفكير النقدي. وبهذا، فإن الخيال يستطيع تنمية مهارات حل المشكلات، حين يواجه الشخص مشكلة معقدة يمكن للخيال أن يساعده في استكشاف حلول بديلة، وإيجاد طرق جديدة للتفكير فيها.
يستطيع الخيال أن يساهم في تعزيز فهم الطلاب لمشاعرهم ومشاعر الآخرين. من خلال تخيل المواقف الاجتماعية والتعامل مع الشخصيات الخيالية في القصص، يمكن للأطفال تطوير مهارات اجتماعية وعاطفية تساعدهم على فهم العلاقات الإنسانية والتفاعل بشكل أفضل في المجتمع. هذا النوع من الخيال يمكن أن يعزز أيضًا القدرة على التعاطف، وهي مهارة أساسية في التعلم الاجتماعي.

المدرسة والإبداع: تجارب الآخرين
تم إدراج الإبداع الأدبي في المناهج الدراسية في كثير من الدول الغربية، لتطوير مهارات الكتابة والتعبير الشخصي، ففي بريطانيا يقدم النظام التعليمي برنامج “الكتابة الإبداعية” الذي يُشجع الطلاب على الكتابة الأدبية بحرية، وبأسلوب فردي. يتم تدريب الطلاب على استخدام تقنيات مثل الخيال، والرؤية السردية، وبناء الشخصيات المعقدة. في هذه المناهج، يتعلم الطلاب كيف يعبّرون عن أنفسهم من خلال القصص والشعر والمقالات. من خلال هذه التجربة، يصبح الطالب أكثر قدرة على استخدام اللغة بطرق مبتكرة، مما يعزز مهاراته الأدبية..
وفي الولايات المتحدة، تعد “كتابة الإبداع” جزءًا أساسيًا من المناهج الدراسية، حيث يتم تشجيع الطلاب على استخدام الخيال، والتعبير عن أفكارهم وأحاسيسهم من خلال القصص القصيرة والشعر والمقالات الأدبية. تعتمد المناهج على استراتيجيات تدريس تشمل مناقشة النصوص الأدبية الكبرى من قبل الكتاب المشهورين، ولكنها أيضًا تتيح للطلاب كتابة نصوصهم الخاصة..
أما في فنلندا، فإن النظام التعليمي الفنلندي يُشجع الطلاب على التفكير النقدي والإبداعي منذ مرحلة مبكرة. تقدم المناهج إمكانيات واسعة للتعبير الإبداعي، حيث يُطلب من الطلاب كتابة قصص وشعر ومقالات ذات طابع شخصي، مع التركيز على تشجيع الخيال والابتكار.
هل يستطيع أحدنا أن يحلم بإدراج مواد الكتابة الإبداعية داخل المناهج التعليمية العربية، لتصبح مادة “التعبير والإنشاء” التقليدية المنغلقة حول كتابات مواضيع نمطية لا دور للخيال والتجريب فيها، وذلك عبر الاستفادة من المبدعين خارج الإطار الأكاديمي، الذين يأخذون بأيدي الطلاب للتحليق في سماء الإبداع، وإرشادهم إلى حقهم في أن يصبحوا كاتباَ؟

*ضفة ثالثة