هند العيتي: المصيدة

رغم سنواته التي تقترب من الستين، وخطوط الشيب العريضة التي تملأ رأسه، وشيء من الانحناء طال قامته الطويلة، والكثير من الهمّ الذي يسكن ملامحه، إلا أنّ تجارة ما زالت رائجة رغم الحرب، وبيت في ضاحية راقية، وسيارة حديثة، كلُّ هذا لا بد أن يجعل منه صيدًا ثمينًا لفتاة طموحة جاوزت الثلاثين، أو هذا ما ظنّته زوجته.

مضى على زواجهما أكثر من ثلاثين عامًا، لم يكن يومًا ضمن أولوياتها، كان شخصًا غير متطلّب، وكان جُلُّ وقتها لأولادها وعملها وكانت مطمئنة إلى أنه دائمًا هنا.

سافر أولادها، تركت عملها بقرار تقاعد مبكّر، وأصبح عالمها خاويًا إلا منه.

كمن استفاق من غيبوبة تكتشف كم هو جميل أن يكون لها زوج، تلك نعمةٌ تحسدها عليها الكثيرات.

استفاقت في الصباح الباكر، أعدّت له القهوة، تبسّم باستغراب وجرع فنجانه واقفًا، استمهلته بنظرة، ربّتَ على خدّها بلطف:

“تأخرتُ، تعلمين.. الموظّفة الجديدة لا أستطيع الاعتماد عليها”.

سحب من فوقها غلالة عطره ومضى، تمنّت لو تستبقيه دقائق أخرى، تمنّت لو تسدُّ المنافذ على رائحة عطره فلا يشمُّه أحد غيرها.

الموظّفة الجديدة! تذكرُ أنّه أخبرها شيئًا عنها، منذ متى؟ لا تذكر.

وفاء الأزهري… أمسكت هاتفها الذكي، وكأفضل مُخبر سرّي جاءها بكل التفاصيل.

خريجة معهد تجاري، ناشطة في جمعيات العمل المدني، مواليد التسعينات، عازبة، تسكن مع أبيها في بيت في ضاحية هادئة، لم يبخل عليها مُخبرها الذكي بأيّ تفصيل، وجاءها بصورة البيت المسوّر بحديقة صغيرة، وأخبرها أنّ أباها توفي منذ شهرين.

مسحت بإصبعها الشاشة الذكية، أصبحت وجهًا لوجه أمام الشابة الثلاثينية، كانت متأنّقة بصورة مبالغ فيها، وكان جمالها بائسًا إلى درجة تثير الشفقة، تنهّدت بغير ارتياح، أحسّت بثقلٍ بوزن ريشة يهبط على قلبها، فالشفقة مكانها القلب.

قفز في صدرها فأرٌ صغير أبيض، أولتْه ظهرها وتركته يلعب، كيف لها ألا تفعل وهو فأرٌّ بريء ينظر إليها بعينين حائرتين.

في الأيام القادمة بدأت تلاحظ ما لم تكن تُعِره اهتمامًا، وباتت على يقين بأنّ لزوجها عالمًا سرّيًا، يقيم فيه أفراح روحه بعيدًا عنها. 

قفز لها الفأر أصبح رماديًا بأسنان حادة، بدل أن تقتله جرَّها إلى مجاريره العتمة، أومأ إلى هاتف زوجها الذي بات لا يفارقه، فتَحتْه، قرأتْ رسائلَهما، أصغتْ إلى فحيحِ الرغبة بين الكلمات المتحفّظة وأحسّت بالفجيعة.

باتت تتعمدُ ذكرَها، تسأله عن تفاصيل العمل، ترْقُبُ غمامةَ الهمّ التي تعبر وجهه عند ذكر اسمها، الحبّ يورث الهمّ، أخبرها فأرها الرمادي.

الفأر أصبح فئرانًا، تعبث بأدراج أمنها واطمئنانها، تقفز على السرير بينها وبينه، تتركها في شكّ وحيرة، أقبلَ أم أدبرَ.

تغضب، تصرخ في فئرانها:

“الأخرى مجرد شبح”.

تطردُ فئرانها وتتوعّدها بأنّها ستصطادها فأرًا فأرًا، تسخر منها الفئران وتظلّ قابعةً في الزوايا.

لم تتأكّد من أنَّ الأخرى من لحم ودم وليست شبح، إلا يوم جاء صوتها على الهاتف تطلبُ زوجها معتذرةً عن الإزعاج، ناولتْه السماعة وتخيّلت كيف سينسكب الصوت في أذنه هادئًا واثقًا ودافئًا، علا صوتُه مخاطبًا محدّثَته وأرغدَ وأزبد، عندها أدركتْ أن الشجار المفتعل على الهاتف لم يكن إلا رقصة تانغو يؤدّيانها ويستمتعان بألمِ دهسِ الأصابع.

استسلمتْ واعترفتْ لفئرانها بأن الأخرى لم تكن لتخطرَ على بالها، لولا أنها رأتها تعْبرُ في عينيه عندما تلعثم وهو يذكر اسمها، ولمّا أشاح بنظره، قفزت من عينيه وأخذت ترقص على الطاولة بينهما، يومها أدركت كم كانت غافلة وأنّها ربما فقدته من زمن بعيد، أمّنَت الفئران على كلامها وأكّدت لها أنّها شاهدت الرّقصة أيضًا.

تساءلت هل يمكن أن يقوده بؤسه ليمضي في علاقة بائسة؟

تعلم كم غدَوا -هي وهو- كائنين بائسين، يتربّع كلّ منهما بعيدًا عن الآخر، على ضفاف صمتٍ يهدرُ بينهما، يهدم جسورًا ويبني قلاعًا خاوية.

هل كان انشغالها الدائم عنه ثم فراغ البيت من الأولاد سببًا في بؤسه، أم أنّها الحرب والأفق المسدود لكلّ شيء. لم تتوقف طويلًا لتجيب عن السّؤال، وأنشأ عقلها ينبش في التفاصيل، كم مضى على هذا الأمر؟ منذ متى وهذه العشبة الضارة تنمو في بيتها؟

فَطنت إلى الأعشاب الضارة التي تتعانق مع نباتاتها؟ لم تقتلع عشبة منها يومًا، دأبت تسقيها وترعاها، كانت لها فلسفتها الخاصة في الأمر، أليست خضراء؟ أليست تتنفس وتنمو وتُزهر؟ كيف لها أن تسلبها حقّها في الحياة!

ما يحدث بين زوجها وتلك الفتاة عشبة ضارة ضربت جذورها عميقًا في غفلة منها، تطاولت وأورقت وأزهرت، وها هي خطاطيفها تمسك بتلابيب روحها وتكاد تخنقها، هل ستقتلعها؟ أم ستتعايش معها كما روّضت نباتاتها أن تفعل!

هل ستدخل في منافسة مع ثلاثينية وهي التي تقترب من الخمسين؟ نظرت إلى جمالها الذّاوي وأيقنت أنّها منافسة خاسرة.

كم كان يبدو الغمُّ الذي هي فيه بعيدًا عنها، حتى نكتة الزواج الثاني التي يتسلّى بها الأزواج، كانت عند زوجها نكتة سمجة لا يستسيغها.

“لكن ظروف الحرب خلقت معادلاتٍ جديدة، بات مقبولًا أن تقبَل الشابة بالكهل، وأن يعدّد من كان مكتفيًا”.

تَذكرُ أن هذا كان نقاشًا دار بينهما يومًا على قلّة تحادثهما وأنها وافقته، يومها ظنّت أنّ الأمر يمكن أن يعني الأخريات فقط، ربما القابعات في كوكب آخر، أو على أرض لن تطأها.

فكّرت.. الأمر ليس خيانة لها فقط، بل خيانة لأفكاره ومبادئه، أخرجها تفكيرها من خانة الغضب والحسرة إلى خانة التعاطف ربما! كيف سيتدبّر أمره؟ 

تصرّفت كنبتة أصيلة تتعايش مع أعشابها الضارة.

في الأيام والأسابيع القادمة لاحظت أنه بات مشغولًا جدًا وكثرت اتصالاته مع محاميه، كانت تشعر بأنه يرتّب لأمر ما.

“طبعًا شابةٌ طموحة مثلها لن ترضى به قبل أن تؤمّن مستقبلها”.

تحاصرها فئرانها تضعها في دائرة وترقص حولها.

لكن فئرانها سقطت في مصيدة واحدة، عندما جاءها ذلك المساء واضعًا بين يديها أوراق تنازله عن كل أملاكه لها وللأولاد.

ذُهلت: 

“لماذا؟”

بعينين مُحِبّتين أوضح لها أن الأمر هكذا أفضل:

“إذا متُّ لن تحصل الضرائب على شي”.

“بعيد الشّر عنك”

بكت.. بكت طويلًا، شتمت نفسها في سرّها مئة شتيمة، كم هي تافهة وخائنة، لتظنّ بزوجها الحاني أسوأ الظنون!

في الليل جلست تفكّر، على أيّ شيءٍ بنَتْ وهمَها، لم يتغيّر معها يومًا، لم يطرأ أيّ شيء على وتيرة حياتهما، ما الذي جرى لتغرق في هذا الوهم؟

تلفتت حولها تبحث عن فئرانها، لم يبقَ فأر واحد يدعم ظنّها، اختفت كلها كأنها لم تكن.

نامت ليلتها كأسعد ليلة، وفي الصباح تودعا كعروسين، أخبرها أنه سيغيب يومين لتخليص بضاعة في المرفأ، ولن يتأخر.. وعدها.

في المساء جاءها الخبر، شاحنة تدهورت على صفِّ سياراتٍ أمامها، لم ينجُ أحد من الحادث. 

سودٌ.. سودٌ أيامها ولياليها، حزنها مضاعف، هل كان يشعر بدنوِّ أجله عندما فعل ما فعل؟ تشعر أنّها فقدته قبل موته عندما أضاعت آخر أيامهما معًا بوهمٍ كاذب، تعضُّ الحسرة قلبها وتتركه كثمرة عفنة.

تلوكُها الأيام والأسابيع كلقمة غير مستساغة، تتمنى لو يقذفها زمانها من فمه وتستريح.

يتصل بها المحامي:

“آسف على الإزعاج سيدتي.. لا بد من حضورك إلى المحكمة لإنهاء إجراءات الإرث”

مسربلةً بالحسرة:

“أيّ إرثٍ أستاذ؟ تعلم أنّ المرحوم نقلَ كلّ أملاكه لي وللأولاد”.

“أعلم سيدتي.. ولكن هناك تفصيل صغير”. 

يتنحنح:

“الطبيب الشرعي أثبت أن السيدة وفاء الأزهري توفيت بعد الحادث مباشرة، المرحوم توفي بعدها بنصف ساعة، وعليه فإنه يرث نصف البيت الذي تملكه ويؤول الإرث لكم سيدتي”.

أغمضت عينيها وسقطت كفأر أطبقت عليه مصيدة.

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply