نوار جبور: أن نفهم زياد في سوريا…لا أن نُدينه

صعد نجم زياد الرحباني منذ أواسط سبعينات القرن العشرين، بوصفه امتدادًا لعائلة ذات رمزية كبرى في الخيال العربي، كانت سيرته تصل إلى السوريين لا فقط كإبن فيروز وعاصي الرحباني، بل كحالة جديدة تُنسب إلى إرثٍ لا يشبهه تمامًا. تلقّاه السوريون بسرعة كـسليل، لكن زياد بدا وكأنه يريد أن يُبطل شرعيته الوراثية منذ اللحظة الأولى. أراد أن يُجرّد نفسه من سلطة النسب، ومن طائفته، ومن مساحات التلقي الجاهزة. الشرعية التي أرادها لنفسه لم تكن فنية فقط، بل شرعية تفكك الانتماء التقليدي، تسكن في الهامش بدلاً من المركز، في الكسر لا في النقاء، وفي الغضب لا في التمجيد.

لقد ظهر زياد، مبكرًا، كعلامة لا تكتمل، كما لو أنه ينسف بنفسه قابليته لأن يكون “مؤلفًا نقيًا”. فالمؤلف النقي، بحسب الخيال الثقافي السائد، هو من يأتي من فراغ، لا من نسب. أما هو، فكان يرث أكثر مما يحتمل: إرثًا عائليًا فنيًا، طائفيًا، قوميًا، شعبيًا، ووجدانيًا. وبدلاً من جعل هذا الإرث منصة، حوّله ساحة صراع. كان زياد، في أغانيه ومسرحه ولغته، يُمارس الحِداد باكرًا: الحِداد على لبنان الذي تمزّق، على أبيه الذي غاب، على عائلته التي تصدعت، على الفكرة القومية التي ذبلت، وعلى الأحلام التي كبر عليها. وكأن كل ظهور له هو مرثية مؤجلة، لأجيال كانت تبحث عن صوتها ووجدت فيه انعكاس جرحها.

زياد

وصل زياد إلى سوريا في التسعينيات. قبلها، كانت الثمانينيات مظلمة، والنظام الأسدي يُغلف البلاد وذوقها العام، حتى كاسيت للشيخ إمام كان يتم تبادلهُ سراً. قُمع ما كان ثورياً وما كان ضداً للدين والمجتمع… الشيخ إمام، ومارسيل خليفة،… كان زياد يأتي من بعيد، زياد الذي كان في فنه قريباً لوعي نهاية الثمانينيات، النقد ضداً للتأليه، الشتيمة والعار والاكتئاب والمجانين عوضاً عن ممارسات جمالية صنعها الرحابنة. من دون أن يدرك تمامًا، صنع زياد فنًا ساخرًا ونقديًا خاصاً به.. ثم أنه كان يصنع شيئاً عرفهُ السوريون بعد الثمانينيات، عري العنف وسقوط الأيديولوجيا تلقفه فن زياد بأنسنة راديكالية، إذ كانت تجرِبة اليسار في لبنان وسوريا تصدم بالطائفية والعنف، فكان الفن وعريها الحاد بشخصيات “فيلم أميركي طويل” و”بالنسبة لبكرا شو” صدمة نظرية. المرأة والمجانين والطبقة المثقفة، كلهم زجهم زياد في مسرح سخريته اللاذعة. ما قام به زياد أنه فكك الجمالية الرحبانية، أشعر مستمعيها بخللها وعدم واقعيتها، ونزع الزخرفة ليضع النُدبة والجرح، مصورًا المجتمع وطبقاته وفئاته وكأنهم بلا حماية، ليجعل كل متلقٍّ يعيش اغترابًا: هل أنا ذلك المجروح، أو المجنون أو الكاذب؟ هل أنا مُفكر ماركسي حزبي يساري؟ كل شخصياته دارت في هذا الفلك، وهو  كتب من دون ان يشعر، لزمن سقوط الفكرة وموت المعنى، خصوصاً حينما جعل الشخصية تصرخ أو تدخل في حوار يكون سؤالها “بالنسبة لبكرا شو؟”، كيف يُثقل الموضوعي إنساناً معذباً بذاته وغارقاً في تناقضاته. الحرب الأهلية التي عاشها زياد، عاشها معه السوريون خفية.

كان زياد بالنسبة للسوريين ورطة أجيال وُلدت بعد التسعينيات، وجيل المعتقلين في الثمانينيات والناجين منهم، كان حاداً في أعماله التي انتقلت إليهم، والتي لم يكن النظام يفضلها كثيراً، لا شخصية العاهرة، ولا شخصية الطائفي المريض، ولا المفكر المعتقل، ولا حتى آراؤه كانت تعجبه. بدأ زياد يظهر عند الشبان والمترجمين والمثقفين كشاب متمرد، قال لهذا الجيل إن أفكاركم ذات ذائقة تقليدية، وبنى شكلاً جديداً للتلقي يجعل الجمهور متورطاً في قول شيء، في الضحك، أو حتى في الحيرة. وصل زياد إلى سوريا ضداً لمارسيل خليفة مثلاً، إنه لا يقف من موقع المنتصر ولا الآمل، ولا أي موقع يكون فيه لخطاب مسرحياته موقعاً لسلطة. موقع اللاسلطة سيظهر، ونظام صوتي ومرئي بشخصيات مهمشة لغويًا واجتماعيًا، وبثورة ضد الطوائف والطبقة وضد الحب. ثم إنه صنع الشتيمة في المسرح وفي الأغنية، فانتشر مثل الطاعون لأنه قالنا على خشبة، قال مثقفينا ومجانينا وهم يشتمون وهم يملكون عبر التسجيل واقعًا شاتمًا بالضد من أخلاقية السلطة في سوريا.

زياد في سوريا كان ضداً للطقس اليومي القومي الأخلاقي الزائف، وضداً لكل نشيد وشعار. مستمع زياد، السوري، كان يداعب تعطيل الطقس والسياسة، وتشويش الوعي، لدرجة أن زياد حوّل الإنسان السوري آنذاك إلى حائرٍ محاصرٍ بتلفاز رسمي رديء، وأعمال فنية محدودة وموجّهة، وسلطة طبقية حادّة، كان زياد كفيلاً بتخريبها. تبنّته الطبقة الوسطى والمسحوقة بشدّة، لأنه امتلك الشتيمة والحقيقة وتكلّم باسمها. جمهور زياد في سوريا كان “هامشيًا”: مترجمون، طلاب، منفيون داخليًا، لا يمتلكون صوتًا علنيًا، فوجدوا في زياد سيمياء بديلة تُشبههم: ناقصة، غاضبة، غير مُصنّفة. ما فعله زياد في سوريا أنه أفسد طقس التلقّي، خرّب وحدة الذائقة، وخلق صدمة أنثروبولوجية جعلت السوري يُدرك فجأة أنه جزء من مسرحية لا تُشبهه، وأن الشخصيات المجنونة على الخشبة ربما كانت تتحدّث عنه.

وصول زياد إلى سوريا كان تراجيديًا أيضًا، لأنه يحمل معنى لقيمة الخفاء، في ظل ذائقة تُصاغ من فوق، وهوية ثقافية مؤطّرة بمفاهيم الأخلاق القومية والبطولة المتخيّلة، كطقس عبور مقلوب وزاحف. لم يأتِ من بوابة المؤسسة ولا عبر السلطة الثقافية، بل عبر الكاسيت والنسخ والتهريب ودوائر الطلاب الجامعيين والمثقفين. من فضاء الشرعية اللبنانية في المسارح التي وصل إليها زياد، إلى الفضاء المسروق. ولانتقاله هذا مراحل وأطوار: زياد المنفصل المتمرد، وتمرده على الفن الرحباني وقدسيته، ثم العتبة التي قطعها في عقل السوري وشعوره، ليس بوصفه فنًا بل خرقًا وفضيحة، ثم الاندماج معه طوال أكثر من 25 سنة. وهذا ما سنراه كدهشة مسكوبة على شفاه الجميع: من المسرحيين إلى الممثلين والمخرجين السوريين، والناس العاديين. كلهم يحبون زياد ويريدون الكتابة مثله. لقد عاش طقس العبور الخفي، ثم تسيد الشفاه والأفكار السورية. أيمن رضا وياسر العظمة سيذكرانه، وسيقلدانه أحيانًا.

فيروز

لقد قادت أعمال زياد، ما كان سيسمّيه النظام عملًا غير أخلاقي أو غير جيد، إلى مطلب سوري حقيقي من أجل التوتر، والتوقّع، والصدمة. ولم يكن ذلك فقط، بل جعل الجمهور يفرّغ مكبوتاته بذكاء، ومن دون إحساس بالذنب. وزياد كان مضحكًا للسوريين لأنه كان يقول عنهم ما لا يقولونه، ثم لأنه كان يلعب على المسرح، ويلعب بهم. لقد أتاح زياد لكل أُذُن تسمعه حقًا مساحة للعب، والسخرية، وإنتاجها. ثم إنه تساوى معهم؛ فلقد أكّد أن الخذلان شيء يمكن أن يعيشوه، وأن الفشل فضيلة فنية، ولم يطلب منهم أبدًا أن ينتصروا، أو يموتوا، أو يضحّوا، بل إن كل شيء معطوب، وأن هذا لا يحتاج للندم، بل للضحك الحزين. لم يكن لأحد، مثل زياد، أن يقول للسوريين إن هناك متعة جمالية في الخذلان. زياد لم يؤسّس مدرسة، وهذا ما لم يفهمه الكثير من محاولي تقليده؛ لقد كان ضد المؤسسة، وضد المدرسة، بل ينفر منهما لسبب رئيسي: لأنه كان ضدّ الطهارة الفنية، ولأن الدراما والسينما لا تُشبِه – بحسبه – إذا لم تقدّم خيانة للعالم وتصوّره كما لو أنه شيء مفهوم ومُتماسك.

كان زياد في التسعينيات أيضًا قيمة، قيمة متبدّلة، هوية مضافة للمثقف السوري، وللشاب الذي يبدأ حياته، ويفكّر، ويقرأ. كانت صورة زياد تُعلق في البيوت والغرف؛ كثير من صوره كانت تُقصّ من جريدة “السفير” أو “الحياة” أو “النهار” إن وصلت الصحف ولم يمنعها النظام. هناك صورة له من إحدى مسرحياته انتشرت بين السوريين، ثم اخترق الفضاء العام مع عصر الصورة المطبوعة، وسكن المقاهي والأماكن العامة، حتى بعض المكتبات وضع له صورًا. كان مستمعو زياد نخبة، لكن نخبة هشّة وغير مثقفة بشكل تقليدي؛ لقد حاول النظام أن يجعل حضوره محدودًا في الانتشار، لكنه أدرك أن اليساريين والقوميين يحبونه، وأن غالبية معتقليه من الشبان في أواخر التسعينيات وما بعد الألفين يتمسّكون برمزيته. ظنّ النظام أن وقوف زياد مع حزب الله، مثلًا، سيفرّغه من رمزيّته كمضاد للسلطة، ولم يعرضه علنًا على التلفاز الرسمي، لكنه علم أن صورته تسلّلت بوصفها أيقونة مقموعة رمزيًا، لكنها حاضرة وبقوّة. كان زياد يُقاد إلى الفضاء العام بوصفه فعل مقاومة ناعمة، حيث كانت صورته تُجاور صورة الزعيم، لا كمنافسة بل كإرباك. وزياد حين دخل المقهى والمكتبة، صارت الأمكنة السورية شبكة رمزية، وانتماءً غير مُعلن ضد السلطة وتفاهتها وذائقتها، وكان هو نموذجًا معرفيًا غير طائفي، وغير سلطوي، وشعاراته قليلة.

ما أن وصل زياد إلى دمشق في العام 2008، خلال احتفاليتها كعاصمة الثقافة العربية، حتى أتمّ صلحًا مع شباب أحبوه منذ زمن. كان صلحًا غير مُعلن، واعترافًا متبادلًا ومدهشًا. لقد شاهده من كان يراه أسطورةً بعيدة، بعيدة من المسرح، بعيدة من الجغرافيا، بعيدة من الشاشة. لم يعد منفيًا، بل أصبح معترفًا به، حيًا أمامهم. كانت تلك لحظة تحوّل حارّة في عقول السوريين، وفي ذاكرة المحبة نفسها. وزياد نفسه ذُهل من كمّ المحبة التي وجدها، ومن سنوات الانتظار الطويلة التي لم يكن يعرف أنها كانت تحدث على الطرف الآخر من الحدود.

ذهب كثير من السوريين ليشاهدوه، لا ليصفّقوا فقط، بل ليشكروه، خفيةً وصراحةً. ليقولوا له: لقد كنا معك. حضور زياد في المسرح السوري كشف أن غيابه نفسه كان قيمة، وأن انعدام حضوره كان بمثابة موقف، فلما حضر، غنّى الأغاني نفسها، أغانيه التي حفظوها وكرروها وكتبوها في دفاترهم وقلوبهم. أغانيه السردية، “إني الفقير” و”الناس” و”اسمع يا رضا”، أغاني الموقف والحدث، والألحان التي ما زالت مذهلة.

زياد، بأغانيه، لم يخترق الذائقة، بل الوعي نفسه. الوعي الذي حاول النظام السوري أن يفرض عليه ذائقة جاهزة. لكن زياد قدّم فنًا ملتزمًا، وفي الوقت ذاته مشوّشًا، مفككًا، ساخرًا، وهنا تمامًا حصل التحوّل: أصبح زياد ثقافة، وأصبح معنى، وأصبح تجربة متأنسنة لا تُختزل في التصنيف السياسي أو الفني. ثم أن زياد وصل إلى سوريا بذاكرة السوريين المختلطة، لم يكن موضوعًا للفهم بل كـ”حدث يُفهم”. لقد سكن وجدانهم من دون أن يُشرح، وشكّل حالة عصيّة على التحليل النمطي.

وهناك شيء تلقّفه العقل الجمعي السوري والعربي عمومًا: أن زياد بدأ متمردًا على الأم، على فيروز، وعلى الآباء الرحابنة، ثم أعاد اختراع فيروز داخل نصه ولحنه. لم يلغِها، بل أنسنها. أدخلها في الشارع، في الحب، في الشك، في السؤال. لم تعد فيروز مع زياد رمزًا للقداسة والنقاء فقط، بل تحوّلت إلى كائن يُحب ويُخذل ويغنّي للواقع، وليس فقط للمعنى السامي في الشعر، أو الأغاني المركبة بلغة صعبة على أجيال جديدة، ولا شعر الرومانسية العربية.. وبهذا التمرّد على الميراث الرحباني، لم يهدمه، بل اخترقه. كسر التوارث القيمي المغلق، وبات صوت فيروز، من خلاله، يدخل كل بيت كنقاش وتجربة إنسانية، لا كدعاء. لقد أخرج فيروز من “المذبح”، وأنزلها من “المسرح الطاهر”، لتصبح صوتًا حيًا بين الناس. الناس الذين أحبّوه، أحبوه لأنه لم يكن مؤديًا سياسيًا، ولا شاعرًا غنائيًا، بل كان يغني العادي والمخذول والمضطرب، ويحوّل ذلك كله إلى لحن جميل ذكي، يُشبههم أكثر مما يُشبه “الخطاب”.

بدايات زياد

سيفقد زياد كل قيمته المتراكبة سورياً، ويخرج من طيات الاستماع السوري حينما صمت على جرائم الأسد. أصبح غريباً ومنزوعًا من يومياتنا، ومسرحياته لم تعد تُتبادل كما كانت من قبل. الهجوم عليه ثقافيًا بدأ يزداد، واكتشف كثيرون مواقفه السياسية المريعة أحيانًا. كان زياد في التسعينيات يُريد من أولئك الذين علّمهم الواقع والثورة أن يقتنعوا بأي حكم عسكري، وأن الحرية شيء لا يُستحق، وأن من يقف في وجهها هم “الحكماء”. بقي زياد يملك شيئاً من قلب الجميع، لأنه سرد طويل لشخصية تمردت وتيقّظت واحتضنت وقالت. ثم أنه ابن فيروز التي تشكّلت في الوعي السوري كأم وكتاريخ. لكن ما لم يكن عادلاً في حق زياد، أنه قتل نفسه بنفسه؛ فقد تحوّل من فنان متمرد إلى كاهن سلطوي، تبنّى خطابًا استبداديًا باسم الواقعية، وانهار رأس ماله الرمزي مع انكشاف موقفه الرمادي من الأسد. بل أسّس، من دون أن يدري، لما سمّاه إدوارد سعيد “تحييد الذاكرة”، فخان الذاكرة التي ساهم هو نفسه في صنعها، وتخلى عن أي مواجهة أخلاقية ممكنة. لقد وضع ثقافته وذاته على محك نقد قاسٍ، وكان يواجهه بجلافة لا تشبه إلا مثقفي الأنظمة الشمولية، لا مثقفي المقاومة.

وفي النهاية، يبقى سؤال عادل ومُلِحّ في السياق السوري: هل غش زياد السوريين؟
الجواب المنصف قد يكون: نعم.
كثيرًا ما كان زياد وهمًا جميلًا، أو قشرة لثقافة لم تكن قائمة حقًا، بل مجرد متعة ذكية مغلفة بالخذلان.

*المدن

Share:

You Might Also Like