أمس خمر وغدًا أمر

الأحد أشرقت شمس الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2025 فرحانة. بماذا تريدين أن أقسم على أن الشمس كانت سكرانة من الفرح؟

في 1970/11/16 – صباحًا أو مساءً: من يذكر؟ – أعلن التلفزيون أن زمن القيادة المتسلطة والمناورة – أي زمن جناح الحزب الحاكم الذي يتزعمه صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ومن لفّ لفّهما – قد عبس وتولّى، وجاء زمن الحركة التصحيحية، قل: زمن البعث الأسدي، قل: زمن الأسدية.

إذا ما أردت الإحصاء منذ ذلك الصباح أو المساء حتى شروق هذه التي أسكرها الفرح، فإليك:

  • 54 سنة ونيف
  • 19786 يومًا
  • 474864 ساعة
  • 1709510400 ثانية

لكن الكارثة التي ابتدأت منذ انقلاب 1963/3/8 أكبر. فإن أردت الإحصاء منذ ذلك الصباح أو المساء حتى شروق هذه التي أسكرها الفرح، فإليك:

  • 63 سنة ونيف
  • 23334 يومًا
  • 560016 ساعة
  • 2016057600 ثانية

أسرع صديق يهتف إليّ في الضحى: من تحت الدلف لتحت المزراب. إنها هيئة تحرير الشام وكواكبها. ترحمت على امرئ القيس وترنّمت: اليوم خمر وغدًا أمر. لن أدع منغّصًا ينغّص عليّ هذه الفرحة.

طوى التلفزيون والموبايل النهار سريعًا. وطلع المساء بأحمد الشرع يخطب في الجامع الأموي. أعلن الرجل أن تاريخًا جديدًا يكتب في المنطقة بأسرها بعد هذا النصر العظيم. قاطعه من حوله: تكبير، وكبّروا. أعلن الرجل أن هذا النصر تاريخ جديد للأمة الإسلامية. أعلن الرجل أننا لم نستعن بأحد، ولا دعمنا أحد، حتى الصواريخ صنعناها بأنفسنا. لماذا يتقوّل القوّالون إذن بالدعم التركي؟ لماذا لم يذكر الرجل الأمة العربية، بينما كرر ذكر الأمة الإسلامية؟ لماذا يضمّ الأصابع غالبًا عندما يحرّك يمينه؟

لسان العرب صباح الحرية

أنجدني يا لسان العرب

أستأذنك صديقي الغالي محمود درويش، أستأذنك مرسيل خليفة أيضًا، وأنشد بروحي المشروخة، لا بصوتي المشروخ: هذا هو اليوم الذي لا ينتهي، أي: هذا هو الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024. لا، لا. هذا هو العرس الذي لا ينتهي/ في ليلة لا تنتهي/ في ساحة لا تنتهي/ هذا هو العرس الفلسطيني.. لا، لا هذا هو العرس السوري ولو تكسّرت الموسيقى بالعروض أو بالإيقاع أو بصوت مشروخ، بل بروح مشروخة.

هرب بشار. لا. هذا ليس بشار.

سقط الأسد. لا أيضًا. هذا ليس الأسد، ولا بشار الأسد ولا أيّ اسم أو أيّ لقب إلا..

إلا ماذا؟

أنجدْني يا لسان العرب.

هذا هو الذي تمْلِسُ فيه الريح كل مَمْلس. ولسان العرب يقول: ملسَ الرجل يملسُ ملْسًا: ذهب ذهابًا سريعًا.

لا، لا.

هذا هو الفرافص، بل هو الفرافصة كما يسمّي لسان العرب الأسد. هذا هو الجفّاخ الجمّاخ، كيلا أقول: المتكبّر. وهو: المدنّخ، كيلا أقول: الفحّاش. بل هو: الفرافر، كيلا أقول: الأخرق.

بشار الأسد هو كل ذلك، وهو أيضًا وأيضًا: العُوّار، قل: الجبان السريع الفرار، وهم، رهطه الأقربون والأبعدون: العواوير.

بشار الأسد هو الهِقلس، كيلا أقول: السيء الخلق. وهو الهلّس أو الهِلكس، كيلا أقول: الدنيء الخلق، وهو الهيجبوس، كيلا أقول: الأهوج المجافي.

بشار الأسد هو الفَدِر، والخوخاء، والعفلق، كيلا أقول: الأحمق، ورهطه الأقربون والأبعدون هم: الخوخاؤون والفَدِرون والعفلقون. والعفلقون ليسوا العفلقيين من نسل ميشيل عفلق.

أخيرًا وليس آخرًا، بشار الأسد هو: العفلط، وهو ابن نخسة والله أعلم. ولمن يريد شرح الكلمات الغريبة: عليك بلسان العرب.


صباح الخير يا وطن

تأخرت في الخروج من البيت حتى التاسعة. كلما استطلعت الشوارع من الشرفة وجدتها مقفرة. عندما لمحت عابرًا يلاصق سور الحديقة تنسّمتُ الطمأنينة. لم تكن خطواتي في صباح أبطأ منها الآن. هذه ليست رياضة صباحية.

أوازي بعد دقيقتين بيت الإمام. واحد من حرّاسه يركش في الحديقة الكبرى أمام البيت المسوّر بالورود والهيبة والسر. حارس آخر يتأمل البركة المنزوية في خاصرة الحديقة الصغرى. خطوات ثم…

ثم أتسمّر قبالة البناية الأسدية. بيني وبينها الأوتوستراد بفرعيه. هنا أقام فواز ابن منذر الأسد حتى مات. سيتردد سريعًا أن مسلحين من الهيئة داهموا البيت الذي انتقلت أسرة فواز إليه على أوتوستراد جبلة. وحين شكت لهم أنْ لم يبق لها إلا البيت، غادروه وغادروها.

ذات ضحى قبل أربعين سنة، أقلّ أو أكثر بقليل، باغت فواز ابن منذر الأسد الجالسين في مقهى البستان، ومنهم إلياس مرقص مع صحبه. أمر فواز مشهرًا مسدسه بالنزول إلى تحت الطاولات. نزلوا. نزل إلياس مرقص إلى تحت الطاولة.

إلياس: سيدي وحبيبي – بالإذن من عنوان رواية هدى بركات “سيدي وحبيبي” – ليس الأمر فقط أن فواز الأسد مات بعدك بقليل. كلهم يا سيدي وحبيبي: فصّ ملح وذابوا.

هنا كان يقيم حافظ ابن منذر الأسد قبل أن تستأثر به دمشق. وعلى الرغم من خواء البناية الأسدية، ما من سرفيس يجرؤ على أن يقف أمامها لينزل منه راكب. ما من سيارة تجرؤ.

أين هي صورة الفرافص الجمّاخ الجفاج التي نصبها حافظ ابن منذر منذ سنوات في الفاصل بين فرعي الأوتوستراد؟ مِزَقٌ فقط ما تبقّى من الصورة التي كانت تتسامق أمتارًا. شجّعتني مِزَقُ الصورة فتابعت كما يليق بالمشي في الصباح الرياضي لمن سيطوى ثمانين عامًا بعد أقل من شهرين. اندفعت جنوبًا وأنا أصبّح على البحر البعيد الذي أسرع بردّ التحية نسائم (قِبلية) باردة. تجاوزتني سيارة صغيرة ورأيت مسلحًا ينزل عن الرصيف ويشير للسيارة. توقفت. هذا مسلّح إذن من الهيئة. ظهر مسلح آخر وانفتح غطاء السيارة الخلفي. انطلقت السيارة وتباطأت خطواتي حتى وقفتْ قبالة المسلحين اللذين عادا إلى الرصيف. اختفى الشرطي الذي كان يرابط في تقاطع الأوتوستراد مع الشارع الرابط بين سور الجامعة وجامع ياسين. ظهر مسلحان آخران أمام مطعم دجاجتي. اختطفتُ نظرة حذرة من كل مسلح وتابعت السير أتساءل عما حلّ بالسيارات الفارهة التي كانت في عرض دائم أمام بناية كمال الأسد.

قاطعني الزجاج المحطم أمام بناية شاليش. هنا أيضًا اختفت السيارات التي تنهرك من بعيد: ابتعد عني. وهذا زجاج مدمّر أمام بناية كمال الأسد، وما من سيارة. ثمة مسلحان أمام البناية، شابان ملتحيان كالآخرين. فوق الرصيف، حيث أسير، صورة كبيرة وعالية للفرافر المدنّخ العوّار الهِلقس الهِلكس الهِلّس الهيجوس الذي يلقبونه منذ البارحة بالساقط المجرم الهارب. تحت الصورة عبارة (تقدمة شركة الغلال). قبل أن أبلغ ما كان مقهى فينيقيا – ما اسمه الآن؟ – عدت، وإذا بالمسلحين تحت الصورة، كأنما يتأملانها. فجأة ارتفعت بندقية أطولهما وحاولت أن تنال من الصورة العالية. تكررت محاولاتهما الفاشلة، حتى إذا وازيتهما صبّحتُ عليهما فردّا: أهلًا يا حاج. وأنا لا أحب أن أنادى بهذا اللقب مع أنني أديت العمرة مرتين. خاطبت الشابين كأني أعرفهما منذ زمن: لينحن أحدكما وليصعد الآخر على ظهره فتبلغ البندقية الصورة. تبادلا نظرة وضحكة، وفي طرفة عين كانت أشلاء الصورة تتطاير.

تابعت السير شمالًا مستأنسًا بعابرين وسيارة. تجاوزت بيت الإمام والبناية الأسدية قبالته إلى أن رأيت ملء الدوار سيارات متوّجة بالرشاشات: واحدة في أول الدوار، واحدة تتوسطه، واحدة في الجهة المقابلة.

تباطأت وأنا ألجم عينيّ. مسلحون كثر قبالتي، في الطرف الآخر من الدوار، مولدة كهربائية بيضاء ضخمة تبيع الأمبيرات. على بياض المولدة تشعّ كتابة عرجاء باللون الأخضر: (أريحا/ الساروت). إلى اليسار مولدة أصغر كتب عليها بالبخاخ نفسه: الجولاني. لا زالت المولدات الكهربائية لشركة ستاركو – لمن من آل الأسد؟ – تبيع الأمبيرات.

علم الاستقلال يرفرف وسط الدوار. أمس جعلته أيقونتي على الواتس. ولأن الدكتورة ف. ز. لامتني لأنني أرفع ما سمته علم الدويلات الطائفية، سأعيد نشر مقالة كنت قد نشرتها سنة 2013 عن علم الاستقلال، مزودة بتاريخ وصور الأعلام التي عرفتها سورية منذ سنة 1918. وقد كتبت المقالة، بل البحث، ردًا على وصم رئيس تحرير جريدة تشرين لهذا العلم بعلم الانتداب الفرنسي. أعود إلى البيت محاذرًا عداد الخطوات في الموبايل لم أبلغ الحد الأدنى لرياضة المشي الصباحية 6000 خطوة. حسنًا.

صباح الخير يا وطن

أستعير من الصديق المصري رؤوف مسعد عنوان كتابه “صباح الخير يا وطن” لأصبّح على سورية. للكتاب عنوان فرعي هو “شهادة من بيروت المحاصرة”. كان ذلك عام 1982، وها هو الحصار يطبق على الصدور أنّى قلّبت بصرك من سورية إلى غزة إلى…

من الصديق الكويتي محمد الرميحي أستعير عنوان كتابه “صباح الخير يا وطن” (2014) لأصبّح على سورية. ومن الشاعر اليمني عباس الديلمي أستعير عنوان الأغنية التي لحّنها له الصديق الراحل سهيل عرفة “صباح الخير يا وطنًا”. أمل عرفة وفهد يكن يصدحان بالأغنية وأنا أصبّح عليك يا سورية وأبكي.

إلى دمشق

عملية ردع العدوان أسرعُ من عملية السلطان سليم الأول والسيطرة العثمانية على سورية.

دخل السلطان سليم إلى حلب سلمًا في 1516/8/28 وسلّمته المدينة مفاتيح القلعة، وعيّن عليها واليًا، فكانت أول ولاية عثمانية في سورية.

من حلب تقدمت سيطرة السلطان سليم سلمًا إلى حماة، فحمص، وبلغ دمشق في 1516/9/27. أي إنه سيطر على سورية سلمًا خلال ثلاثين يومًا، بينما انطلقت عملية ردع العدوان في 2024/11/27، وسيطرت على حلب فحمص فحماة فدمشق خلال أحد عشر يومًا. وعلى الرغم مما يمكن تسميته بالمناوشات تبدد الأبد الأسدي، وصدق قول من قال: “ما بين غمضة عين وانتباهتها”. لكن السؤال ينشب: أين اختفى هؤلاء جميعًا، ليس في اللاذقية وحدها. في كل مدينة، أين اختفى رؤساء فروع الأمن العسكري وأمن الدولة والأمن الجنائي والمخابرات الجوية والأمن السياسي وفرع الحزب وأقسام الشرطة والمحافظ و و و و؟ ما بين غمضة عين وانتباهتها ذهبوا بَددًَا. إلى البدد إلى البدد يا حافظ الأسد. من يذكر التحية المدرسية الصباحية؟

الأسدية

على إيقاع قول أبو سكسوكة جنان – على وزن أغنية فريد الأطرش: أبو ضحكة جنان – أقصد: على إيقاع قول: فلاديمير إيليتش لينين: الامبريالية أعلى مراحل الاستعمار، أقول: الأسدية أحطّ أنواع الديكتاتورية.