أمام مرآتها الطويلة، وقفتْ بين علب الهدايا المتناثرة من حولها، تجرِّب فستان السَّهرة الجديد الذي أخرجته توَّاً من إحدى تلك العلب. يبدو اللون العنَّابي لائقاً بها، ينقصها عقدٌ ماسيٌّ تزيِّن به جيدها وتملأ بفصوصه اللَّامعة فراغ الأكتاف العارية. تستلُّه من أحد الأدراج، تطوِّق به رقبتها، وقبل أن تقفل السلسلة، تنتابها كحَّةٌ شائكةٌ مُخلِّفةً غصَّةً قاسيةً في حنجرتها. تزيل العقد عن رقبتها. تستدعي السُّعال مرَّةً إثر مرَّةٍ لتتخلص من الألم الذي علق في حلْقها، تشرب ثلاثة أقداحٍ من الماء، تتكلَّف مزيداً من السُّعال، تشعر كما لو أنَّ حنجرتها تطرق أبواب شفتيها مستجديةً الخروج، تترك كأس الماء الفارغة على طاولة التسريحة وتهرع نحو المغسلة فاتحةً صنبور المياه عن آخره، تحسب أنَّها على وشك التقيُّؤ، تبصق، تبصق غير مرَّة، وفي آخر مرَّة، تبصق رجلاً!
لعلّه كان رجلاً، بلحيةٍ أو بشارب. لم يتبيّن لها. كان وقع المفاجأة أعنف من أن تدقِّق النظر لتؤمن بصدق عينيها، وكان تدفُّق الماء أسرع من أن يفسح لها المجال لانتشاله من الدوامة التي ابتلعته نحو المصرف.
استقامت في وقفتها، دقّقت النظر في وجهها المنعكس على مرآة الحمام. لم تعد تشعر بأيَّة غصَّةٍ في حلقها. تخضَّلتْ عيناها، أشفقت على روحها، شعرت أنَّها تكاد تغادر جسدها، غادرت الحمّام وارتمت على سريرها منهكة.
«أحقاً كان رجلاً؟»
يحوم السؤال فوق رأسها.
تشعر أنَّ دبيب النَّمل يحيط برأسها كما لو كان كوفيةً من هواءٍ مضغوط. تحكُّ رأسها، تحكُّه بشراهة المصاب بالقمل، تواصل هرشه إلى أن تطمئن أنَّها فقأت بثرةً مختبئةً بين الشعيرات في منتصف الرأس، تغادرها الحكَّة. حين تنظر إلى أظافرها، تجد رجلاً قَسَمه ظفرها إلى نصفين. رجلٌ لا يتجاوز طوله عشرة مليمترات.
تُكذِّب عينيها، تنتفض من مكانها لتغسل رجس هلوساتها. وأثناء ما يسيل الماء، تُتابع بنظرها الجثَّة المشطورة المتناهية في الصِّغر تلحق بمصير سابقتها. تتناول منشفةً صغيرةً تجفِّف بها يديها. لم تجفِّفهما برقَّةٍ ونعومةٍ كما اعتادت، وإنَّما بشدةٍ وعنفٍ لتخلِّصهما من درن الجريمة.
بحلَقتْ فيهما كثيراً لتتأكد من جفافهما تماماً. زفرتْ بارتياح.
«نظيفتان وجافَّتان»، علَّقتْ متباهيةً بصوتٍ مسموع.
جفَّ كفَّاها تماماً، جفافاً تحوَّل لاحقاً إلى حرقةٍ شديدة.
«هذا من فرط الاحتكاك» سوّغت لكفّيها. وقبل أن تعود إلى سريرها، شعرت أنَّ سواراً من النَّار يطوِّق معصميها. يهدِّدها صوتها الداخلي:
«لا جريمة بلا عقاب»، تسمع ضحكةً ساخرة، تهشُّ الوهم بيدها. تزداد الحرقة، تقودها نحو درج الأدوية بحثاً عن مرهمٍ مضادٍّ للحساسية. تضع كميَّةً وافرةً تفرك بها يديها، تدقِّق النّظر خشية أن تؤذي رجلاً آخر دون أن تدري، غادرت الحرقة كفَّيها وتركَّزت في بنصرها فقط، تتأمَّل الزغب الأشقر على البنصر يستحيل سواداً، فتدرك لاحقاً أن رجلاً طفا على سطحه بعد أن ذابت ملامحه تماماً في المرهم الشفاف.
تشهق. تصرخ بصوتٍ مسموعٍ صرخاتٍ متتالية. تضرب رأسها بيديها وتبكي. تبكي وتنشق، تسيل في ألمها كما سال الرجل على بنصرها. تسيل دموعها ثخينةً وسميكة، يسيل أنفها، تسيل روحها، فتلملمهم جميعاً في منديلٍ ورقي.
تشعر ببعض راحةٍ بعد هذا البكاء كلِّه وتزفر متنهِّدةً بارتياح. لولا أنَّها لم تدرِ ما الذي دعاها إلى فتح المنديل الورقي المستعمل والنَّظر في داخله.
صرخت مجدداً. جلست أرضاً منثنيةً على نفسها تصرخ لفرط الألم الّذي أصابها ممزِّقاً أحشاءها. كان الألم يجذبها من أسفل بطنها، عميقاً نحو بطن الأرض. تنهشها مخالب الوقت ويعتصرها الوجع مفتِّتاً جوفها. لم تلبث أن شعرت بسخونة السائل بين ساقيها. «لعلَّه طمثُ مبكر» سوَّغت لنفسها أثناء ما تشعر بالنزيف، لم تقوَ على المشي، زحفت باتِّجاه الحمام، قعت تحت المرش، أراقت الماء على جسدها من دون أن تنظر لما تدفَّق منها، خافت أن تنظر. تشبَّثت بالباب الزجاجي لتنهض عن الأرض، استعانت بمقبض الباب لتقف، فتحت أزرار الفستان وتركت له حرية الانزلاق عن جسدها، طرحته مبتلاً في الأسفل وزفرتْ معه ما حسبت أنَّه آخر آلامها، وطئته بقدمها، وضمَّت جسدها بمنشفةٍ دافئة وخرجت.
ملتفَّةً بمنشفتها، شعرتْ بدغدغةٍ في أعلى ثديها الأيسر. لم تقترب من مكان الدغدغة. خافت. خافتْ أن تُزهق روحاً أخرى. حرَّرت جسدها من المنشفة بلطف. وهناك أمام مرآتها الطويلة في غرفتها، رأته ينبثق سيَّالاً من قلبها. مستعيناً بيديه الصغيرتين، يحاول تخليص جسده ليخرج به من جسدها، متواطئاً مع إيقاع قلبها الَّذي ما فتئتْ نبضاته تلفظه إلى الخارج. وضعت سبَّابتها قربه؛ كيلا يسقط، فوقف عليها.
رفعت إصبعها وقرَّبته من ناظريها. أمعنت في النظر في هذا الكائن البشري الصغير حدَّ الاختفاء. خفق قلبها. وخوفاً من إيذائه، وضعته على طاولة التسريحة ثم قلبت كأس الماء الفارغة فوقه، فصار سجين الزجاج الذي منحه بأبعاده الجديدة ملامح أوضح. يبدو وجهه مألوفاً. تأمَّلتْه، عرفته، وانطلقت ترتدي منامتها.
*
هناك في الشُرفة، كانت بسيطةً كريشة، خفيفةً كنسمة. مرتديةً منامتها القطنية المريحة، ترشف قهوتها جالسةً على كرسيها الهزاز، تاركةً له حريَّة التحرُّك قرب درابزين الشرفة. ينقبض قلبها حيناً وتنفرج أساريرها حيناً آخر.
اختلستْ نظرةً من الساعة المعلَّقة على جدار الغرفة خلف الباب الزجاجي للشرفة. لم تمض أربعٌ وعشرون ساعةً بعدُ على أمنيتها التي أطلقتها في الهواء في عيد ميلادها السابع والثلاثين. كم تأخَّرت في طلب تلك الأمنية!
قرَّبتْ وجهها من درابزين الشرفة، نظرتْ إليه بعمق، خفق قلبها فأشاحت بوجهها بعيداً عنه. وقبل أن تطفئ ألمها الأخير كما أطفأت شمعة عيد ميلادها بالأمس وهي تتمتم «اللّهمّ خفّة»، كانت تقنع نفسها أن بعض الحُبِّ عبءٌ يجب التخفّف منه.
ملأت رئتيها بكثير من الهواء والذكريات، حبستهم داخلها عميقاً ثمّ أطلقتْ في وجهه زفيراً طويلاً، زفيراً أخيراً حمله نحو الفضاء الفسيح، ومن مكانها وقفت تراقبه فيما كان يرفرف عبثاً بأطرافه الصغيرة ويصغر، ويصغر، ويصغر.
*كاتبة ومترجمة سورية
مجلة أوراق/ العدد 24
