مضر عدس: بحر الدهشة

أعود يوماً يا ترى، أو لن أعود! هكذا تدار أفكارنا في أولى سنوات المنفى. منّا من تغرقه هذه الثنائية المتناقضة ليبقى أسير ذكرياته إلى الأبد، ومنّا من ينجو بالنسيان. وإن كانت علّة حارتنا النسيان، فعّلةُ منفانا التذكّر. 

نستحضر الأهل بالموائد، والأصدقاء باللقاءات، والأزقة بالسفر الكثيف والمتكرر، وفي كل مرّة نعتقد بأننا غدونا جزءً من الوطن الجديد يعيدنا السؤال الأول “هل أعود يوماً يا ترى؟” إلى منافينا، حتى تنهشنا الذكريات. 

لكنّ منّا من نجا، وكسر عادة الاستحضار والتذكّر والسؤال العبثي، ثم تناسى -عن قصد أو غير قصد- إلى أن أتقن المنفى، فغدا وطناً بديلاً، وربما حقيقياً، وهنا يصير سؤال العودة تعبيراً بسيطاً نعتاد ذكره حتى يخلو من مغزاه “سقى الله!”. بس “سقى الله على شو؟!”.

حتى سقط النظام. فجأة! 

بُنيت إحدى نظريات العقل الحديثة، وتدعى “العقل التنبؤي” على مبدأ بسيط: يخلق الإنسان نموذجاً ذهنيّاً عن العالم منذ لحظاته الأولى في رحم أمه، ثم يغدو هذا النموذج المرجعية الأولى في كل المدخلات الحسية إلى عقل الإنسان، فيقارن بين أيّة مدخلات وإشارات مولّدة من نموذج العالم الذهني. كل ذلك بهدفين أساسيين؛ أولاً، تفادي أيّ صرف زائد للطاقة، وهذه سمة بشرية تطورّية. وثانياً، منعاً لأي دهشة قد تصيب صاحبها بالضرر. 

أمّا أنا، وعودة إلى الذكريات، والأسئلة المرافقة للمنفى، فقد كنت من النوع الثاني. نوع “سقى الله”.

أذكر في عامي الثاني للمنفى أني قرأت رواية إيزابيل الليندي “باولا” التي حدّثتني فيها عن منفاها. قالت: عدت بعد خمسة عشر عاماً إلى التشيلي. هذا الرقم الذي علق في ذاكرتي، حتى وإن لم يكن دقيقاً. يومها تشاءمت، خمسة عشر عاماَ في المنفىّ، ومضت خمس أوائل، كالعلقم طبعاً. ثم اتخذت القرار، محطماً المنفى الإجباري بآخر اختياري. صنعت بقراري هذا نموذجاً للعالم لا عودة فيه ولا أمل، لا روائح طعام سورية في الجوار، ولا مقاهٍ سورية في الأزقة. ولا أصدقاء أو أهل، إلا من خرج والتقينا، ثم نجوت بمنفاي الذهني حتى غدا المنفى الحقيقي وطناً مناسباً لي أكثر، واختفت أحلام العودة، فلا عودة أصلاً ولا مصالحة. وكنت كلّما تذكرت الليندي أبتسم وأقول “يا الله باقي خمس سنين، يا الله باقي أربع سنين”. ثم مضت اثنا عشر عاماً. 

وسقط النظام. فجأة! 

اتصل بي عبد (مين عبد) بعد سقوط النظام بيوم واحد، صديقي الذي شاركني رحلتي إلى إسطنبول فكتبتُها رواية. قال: حجزت لي ولك رحلة إلى دمشق بعد ثلاثة أيام. وافقت على الفور، لكني في اليوم الثاني قررت أن أؤجل الرحلة شهراً على الأقل، وما أن مضى عشرون يوماً حتى حجزت رحلتي الأولى إلى دمشق.

رحلة العودة بعد اثني عشر عاماً، واثنين وعشرين يوماً، أي قبل ثلاث سنوات من الموعد المقرر. من برلين إلى دمشق عبوراً ببيروت، لمدة اثني عشر يوماً، ثم عودة إلى بيروت فبرلين. وعقلي كأي عقل آخر يعود إلى نموذجه الذهني لتوفير الطاقة، وتفادي أي دهشة غير متوقعة. وأي دهشة كانت، بل فلنقل بحر من الدهشة. 

“يعني خلص، وصّلنا!” 

صحت في وجه سائق الأجرة الذي تفاجأ بطريقتي. أجاب: “هيك بتقول اللافتة خيّ”. بالفعل، لوحة طرق كبيرة تشير بوضوح أن سورية قريبة، وبأنها ترحب بي.

اجتزنا الحدود، دمشق تبعد بضع كيلومترات. 

فتحت النافذة، وأخذت نفساً عميقاً، ها هي إذن رائحة الطريق! أكاد أجزم أني أعرف هذه الرائحة، فكانت الدهشة الأولى. 

من طريق بيروت دمشق، عبرنا إلى مشروع دمر، وما أن أعلنت عن وصولي إلى البلد، بصورة السيف الدمشقي -هي غلطة مبتدئ حذرت كل من عاد بعدي ألا يكررها– 

انهال الكثير الكثير من الأصدقاء والأقارب بالاتصال والترحيب، عارضين اللقاء. لم أرفض أي لقاء، بكل صدق. لكني، مع الأسف لم أجتمع إلا مع خمسة بالمئة ممن اتفقت معهم. هؤلاء الخمسة بالمئة ممن بادر، ولم ينتظر اتصالي كما وعدت.

لم أتخيل يوماً -حتى في سنواتي الخمسة الأولى- ماذا سأفعل حين أعود. كنت أحلم أني سأعود، ألتقي ذاك وتلك، وأتمشى هنا، وآكل هناك. تفاصيل عودتي بنيت على الذكريات. لكني قمعت تلك الذكريات، وأخرجتها من نموذجي الذهني، وهكذا ولكي أنجو من المنفى صارت عودتي ضحية للنجاة. لكني عدت وكُسر المنفى إلى الأبد. 

أسير في دمشق وحيداً أو مع أحد الأصدقاء أو الأقارب، مذهولاً بما أرى وأسمع وأشم وأتذوق. 

عائد إلى دمشق، أتنقل بلا ذكريات، كالتائه الذي لا يعلم إلى أين تقوده قدماه، لكنه ورغم علم اليقين ومع كل لقاء جديد لا يجد عقله أي إشارات تنبؤية، يقارن بها الإشارات الحسيّة التي يستقبلها. وفي كل مرة يسألني أحدهم: “كيف حاسس بالرجعة؟” 

أجيب:

أنا غارق في بحر من الدهشة.

مجلة أوراق/25

Share:

You Might Also Like