محمد زعل السلوم: من فاندا إلى دمشق: هل تشفى الأمم من أمراضها؟

حين كتب بلزاك روايته L’initié «المبتدئ»، خلق شخصية فاندا البولونية المريضة، التي تجاوزت كونها مجرد امرأة على فراش المرض، لتصبح استعارة لوطن كامل يئنّ تحت وطأة الاحتلال والانقسام والخيانة. لم تكن أوجاع فاندا في جسدها فقط، بل في روحها وهويتها. واليوم، وأنا أتابع تفاصيل المشهد السوري بعد سقوط نظام الأسد، أجد نفسي أعود إلى فاندا لأطرح السؤال المؤلم: هل تشفى الأمم من أمراضها؟

مرض فاندا الذي جعله بلزاك محوريًا في روايته كان الـ Plica polonica أو «تلبّد الشعر البولوني». هو مرض غريب يجعل شعر الإنسان يتكتل ويتشابك إلى حد يصبح معه قطعة صلبة يصعب فكها. لكن بلزاك حوله من مرض بيولوجي إلى استعارة سياسية واجتماعية: شعر فاندا المتشابك صار صورة لبولندا، التي مزقتها التقسيمات والاحتلالات حتى تلاشت من الخريطة، بينما نخبها السياسية تتصارع على المصالح وتبيع البلاد للقوى الأجنبية.

حين أسقط السوريون نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، ظنّ البعض أن عقدة فاندا السورية قد بدأت تنفك. تشكلت حكومة مؤقتة برئاسة أحمد الشرع، وخرجت إيران نهائيًا بعد سنوات من الهيمنة العسكرية والأمنية والاقتصادية. بدا وكأن صفحة جديدة تُفتح. لكن الحقيقة أن سوريا ما زالت تشبه رأس فاندا: كتلة مشوهة متشابكة، مليئة بالعقد، بعضها واضح، وبعضها يختبئ في الأعماق.

فالنفوذ الإيراني ربما غادر قواعده العسكرية، لكن أصابعه لا تزال تحرك بعض الخيوط هنا وهناك. ميليشيات محلية، تجار سلاح، شبكات تهريب، كلها بقايا نفوذ إيراني سابق تحاول البقاء في المشهد السوري. وفي الوقت نفسه، التوغلات الإسرائيلية لم تتوقف. الطيران الإسرائيلي لا يزال يقصف أهدافًا في الداخل السوري كلما اشتبه بعودة نشاطات مرتبطة بإيران أو حزب الله.

وفي مارس 2025، اهتز الساحل بمحاولة انقلابية فاشلة قادها ضباط مرتبطون بالنظام السابق، في محاولة لاستعادة حكم الأقلية العلوية، أو على الأقل اقتطاع منطقة حكم ذاتي في الساحل. بينما في الجنوب، السويداء تشهد تمردًا غير مسبوق، إذ خرج الدروز يطالبون بحقوقهم السياسية والاقتصادية، رافضين البقاء في هامش السلطة أو أن يكونوا مجرد ورقة تفاوض بين دمشق والعواصم الكبرى.

في الشرق، دمشق دخلت حوارًا مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بحثًا عن تسوية جديدة تعيد دمج شمال شرق البلاد في دولة موحدة، لكن بشروط لم تُحسم بعد. قسد تخشى مصيرًا يشبه مصير أكراد العراق بعد تراجع الدعم الأميركي. دمشق تحاول استعادة موارد النفط والغاز التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية، لكن الثقة شبه معدومة بين الطرفين.

وسط هذا كله، جاء قرار رفع العقوبات الأميركية عن سوريا في مايو 2025 ليشعل جدلاً واسعًا. هناك من يراه خطوة ضرورية لإنقاذ الاقتصاد المنهار، ولإعطاء فرصة حقيقية لإعادة الإعمار. بينما يخشى آخرون أن تكون هذه الرفعة هدية مبكرة لنخب النظام السابق المتغلغلة في مؤسسات الدولة والاقتصاد، والتي ما زالت تتحكم بشبكات الفساد وتهريب العملة واحتكار الأسواق.

هنا تعود بي الذاكرة إلى فاندا. صحيح أن الطبيب هالبرشون في رواية بلزاك نجح أخيرًا في علاجها، لكن بلزاك يلمّح أن العلاج لم يكن مجرد دواء، بل معجزة. بعض الأمراض، خاصة تلك التي تصيب الأمم، لا تكفي معها الأدوية التقليدية. تحتاج إلى إرادة أخلاقية، إلى كشف الحقيقة، إلى عدالة حقيقية تعيد الثقة إلى النفوس.

رفع العقوبات ليس عصا سحرية. نعم، الاقتصاد السوري يحتاج نفساً جديداً، والأسواق تحتاج سيولة، والبنية التحتية تحتاج مالاً. لكن المال وحده لا يشفي أمة مريضة. إن لم يرافق رفع العقوبات تفكيك شبكات الفساد التي زرعها نظام الأسد الأب والابن، وإصلاح الأجهزة الأمنية، وإعادة بناء الثقة بين السوريين، فإن مليارات الدولارات قد تتحول إلى غذاء جديد للفساد بدل أن تكون علاجًا للمرض.

إن جريمة النظام السابق لم تكن فقط قتل مئات الآلاف أو تدمير المدن. كانت الجريمة الكبرى هي تمزيق المجتمع السوري من الداخل، بزرع الخوف والشك والحقد بين الطوائف والأعراق. حين يحكم بلدٌ نصف قرن بالرعب، يُصاب الناس بمرض نفسي عميق: يفقدون الثقة ببعضهم، لا يصدقون أحدًا، يرون المؤامرة في كل حركة. مثلما فقدت فاندا السيطرة على جسدها، فقد السوريون السيطرة على نسيجهم الاجتماعي.

اليوم، سوريا ما زالت بلدًا قائماً اسمياً، لكنها مفككة عمليًا. الخرائط الدولية تضع حدودها كما هي، لكن على الأرض، هناك مزيج من الحكومات، والإدارات الذاتية، والمناطق الخارجة عن السيطرة. كثير من السوريين في الداخل والخارج لا يعرفون إلى أي وطن ينتمون حقًا. وكأن سوريا دخلت مرحلة مرضية شبيهة بفاندا: نصف أمة، نصف ظلّ أمة.

لكن إذا استطاعت بولندا بعد أكثر من قرن من الغياب أن تعود أمة حرة مستقلة قوية، فلماذا لا تستطيع سوريا ذلك؟ التاريخ لا يغلق أبوابه إلا على من يرفضون طرقها من جديد. قد يكون علاج سوريا معقدًا كفك خيوط شعر فاندا المتلبد، لكن ليس مستحيلًا. الأمر يتطلب حقيقة وعدالة وإصلاح سياسي حقيقي، أكثر من مجرد ضخ أموال أو قرارات دولية.

إن قصة فاندا ليست مجرد رواية عن امرأة مريضة. إنها تحذير من أن الأمم تموت ببطء حين يتحول مرضها السياسي إلى مرض في العقول والقلوب. وسوريا اليوم، رغم سقوط النظام، ما زالت تخوض صراعها مع هذا المرض. فلعلها تجد طبيبها هالبرشون، أو بالأحرى إرادتها الداخلية، لتبرأ أخيرًا من عقدة فاندا.

هل رفع العقوبات حل سحري؟

برأيي الشخصي: رفع العقوبات قد يكون خطوة ضرورية لإنعاش الاقتصاد، لكن لا يمكن اعتباره حلًا سحريًا. المال لا يشفي الأمراض السياسية والاجتماعية. الحل السحري الحقيقي يكمن في إصلاح جذري للنظام السياسي، بناء دولة قانون، تفكيك أجهزة القمع، واستعادة الثقة بين الناس. وإلا سيظل المرض متربصًا بسوريا، حتى لو فتحت لها كل بنوك العالم أبوابها.

Share:

You Might Also Like