أدخلُ البيت
ولا تتحرّج مني أُكرةُ الباب؛
وهي تتلقف يدي بارتعاشتها اللدنة
مثل عُري وردةٍ؛ تتوسل سِترَ حنينٍ لاهث؛
يتدلّى من مفاصلها الصدئة
أو مثل جفنٍ لم يعد يطيق نكهة النعاس
في محبرته.
.
أدخلُ البيت
ولا تتحرج مني آنيةُ الطبخ؛
وهي تُدندنُ مع اللهبِ أهازيجَ جوعه،
تلهثُ كحصانٍ يجرُّ عربةَ أيامه المحترقة،
تتهالكُ فوقَ موقدٍ يشيخُ،
كحارسةٍ تئنُّ تحتَ وطأةِ السفر لداخلها
وتنثرُ رائحةَ الشمس الذابلةِ في الفضاء
كدمًى مكسورةٍ تُغني لأطفال لم يعودوا
من رحلةِ المدرسة.
–
هنا، من خلفِ الستارةِ القديمةِ:
كفُّ أرملةٍ تلوّحُ للوداعِ
قصيدةٌ تُطلُّ على شرفاتٍ
تعيش دورتها الشهرية،
تحملُ صدى صوتٍ تخثّر في الهواء
أنفاسٌ تذوبُ،
بقوّةِ الحمضِ، في فجوةِ الرئتين
دمعةٌ لم تجدْ عبر مسيرتها المضنية
إلى عينينِ تبحثانِ في الأخيلةِ المشرعةِ
عن مأوى يضجّ بلعنةِ السفرِ في خيامه.
وهنا، عن يميني فُوّهةٌ
تحفر في رُكامِ الذكرياتِ
تنبشُ الوقتَ المهشّم، في ظلامِ البوحِ الأصم
تغسلُ وجهَ الفجرِ بماءٍ يقطرُ من صلاةِ الثلجِ
بماءٍ يأتي من ربوعٍ لم تمسسها الأنهارُ،
أو تفتحها كأسطورةٍ؛
تُعيد كتابتَها زنابقُ حوّاء الأولى
–
وهناك أمّي..
يزحف ثوبُها الشفيف في وحشةِ الصالةِ،
ببطنها المخروطيّ الأوجاع،
بصبرها/ المغزول على نُول دهشتها:
وهي تنتظرُ تساقطَ النجومِ بين يديها،
كما لو تـُرتّبُ الخيباتِ على رفّ الخزانةِ الفارغ.
.
في كلِّ زاويةٍ من البيتِ
يقعي جبلٌ تتوسدُه المتاهةُ والسفر الضنين،
يهيم، في تشظّي المجرة المفقودة
كأنّي همسُ مكانٍ لا يراهُ المارّةُ في الظلِّ
ولا تسمعه الريشةُ في جناحِ قُبّرةٍ وديع/
كأنّي نسيمٌ قطعوه من زمنِ البراحِ..
أطرقَ الرأسَ،
واسترقَ النظرَ إلى دفءِ الغياب
إلى عُلبةِ التزيين المركونة جنب فرشاةِ الحلاقة؛
وهي تندب حظّها السيء
في الأحمرِ من دونِ اشتباهٍ في خجلِ الوردتين
والأخضرِ من دونِ النغزتين في دفقةِ الخجل.
.
في كلِّ زاويةٍ هنا،
في كلِّ زاويةٍ هناك..
أشاركُ الشهقاتِ وشوشةَ الحوائطِ
ثرثراتِ المهملين في بردِ المعاطفِ والأسرّةِ
في صدأ باب الثلاجة، أشاركُ قعقعةَ النسيان
في رنين ملعقةٍ هزيلة أصاحبُ فنجانَ قهوةٍ بائس
في انحناءِة الضوءِ الكسيح على زجاجِ النوافذ
في خفقةِ الريحِ العالقةِ بين شقوقِ المسافاتِ
في ارتعاشةِ الظلِّ المراوغِ تحت طاولةٍ تميل بزاويةٍ حادّة
في صريرِ الأصابعِ فوق أرففِ الغُبار
في ضجيجِ الصمتِ حين يعضُّ عقاربَ الساعة،
في تمازجِ الرطوبةِ مع حُزنِ الضلوعِ المتصدّع
في نكوصِ إبرةِ الجرامافون من قُرصهِ الدوّار
في انحلالِ الوقتِ كقطرةِ زيتٍ على جلدِ قطةٍ،
مفتوحٌ بطنُها كهويسِ حربٍ ضروس،
حيث ينحتُ الموتُ سرياليته؛
وهي في الزاويةِ تبيض دُودًا يشبهني،
يُزيد من حركته فوق البلاطِ،
يتلوّى جسدٌ.. يزحفُ خارجَ البرواز،
ثم يعودُ إليهِ منكسرًا بخسارةٍ نكراء!
.
شبحٌ، لا يطيقُ الصبرَ على مثولهِ المفاجئ
يُعيدُ حياكة الروح من مسارها الأول؛
تتوهجُ، في عينيه، فوهاتٌ من ضوءٍ يألفني؛
يُنعشُ الكائنَ من حصى العظامِ
ولينِ المفاصلِ والجِلدِ والأمعاءِ
واصطكاكِ الفكين وانهزامِ القريحةْ
–
حتى الفراغُ الذي يُحدّقُ بي طويلًا
يتثاءبُ حالمًا بمائدةٍ تهبطُ سهوًا،
في قصعته الوحيدة.
–
كلُّ شيءٍ هنا يتكرّرُ دون بدايةٍ أو نهاية
كل ظلٌّ يلاحقُ ظلَّه الآخر، في المرايا
.
كلُّ شيءٍ هنا يتآكلُ دون أن يفنى
الأنفاس تتخثرُ في دربها الضيق للبلعوم
وأنا لا أقوى على استعادة عافيتي
-قبل اكتمال تشكيلي-
من هذا التّشظّي البطيء الماحق،
من هذا الجسد النافق بين ضِدّين،
مُلتفًّا على نفسي، مثل حلزونٍ أعمى
كأنّي لم أكن..
وكأنّي لن أكون!
مجلة أوراق/ 25
