لينا العاشور: بطلات بلا صوت: عندما تكتب الدراما بلغة ذكورية

في عام 2023 كنتُ عضوة في بيت النرجس للمعرفة النسوية، وقرأنا ضمن أنشطته كتاب “اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنسوية” للكاتبة الأردنية زليخة أبو ريشة. لم تكن قراءة عابرة، إضافة إلى الحمولة المعرفية، فالكتاب ترك أثرًا بالغًا في تصوّري لعلاقة اللغة بالسلطة، والجنسوية الكامنة في الخطابات اليومية، الأدبية منها والإعلامية.

تزامن ذلك مع متابعتي لمسلسلات رمضان لذلك العام، ومع كل حلقة كنت أكتشف كيف تنعكس مفاهيم التمييز الجندري التنميط اللغوي في الأعمال الدرامية، عن وعي أو غير وعي.

ولذلك، لم يأت هذا المقال كرصد متأخر فقط، بل هو محاولة لاستعادة تلك اللحظة الفكرية التي جمعت بين القراءة والمشاهدة، بين التأمل النظري والتحليل العملي.

كتابتي هذا النص الآن بعد مضي وقت على عرض تلك المسلسلات، ليس بوصفه مراجعة فنية، بل كتحليل نقدي لما قالته الدراما عن المرأة — وبأي لغة قالت ذلك.

صورة المرأة في الدراما: بين التنميط وتكريس الجنسوية؟

حين ننظر إلى المرأة في الدراما، لا نكتفي بمشاهدة حكاية على الشاشة؛ بل نتأمل مرآة تعكس ما ترسّب في لاوعينا الجمعي من تصوّرات عنها. بين بطلة تكدّ لتكسر القيود، وأخرى تُصوّر كسلعة أو كائن تابع، تتأرجح الصورة الدرامية للمرأة بين رؤيتين: واحدة تكرّس التنميط، وأخرى تحاول خلخلته.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ما زالت الدراما الرمضانية العربية لعام 2023 أسيرة لتمثلات تقليدية تُعيد إنتاج «الجنسوية»، أم أننا أمام تحوّل في السرديات النسائية على الشاشة؟

يأتي تعريف «الجنسوية» بحسب قاموس Collins كالتالي: “التمييز على أساس الجنس، خصوصًا اضطهاد الرجال للنساء”.
 ووفقًا للكاتبة زليخة أبو ريشة، فإن:  “اللغة ليست وسيلة تواصل محايدة، بل أداة تعكس التحيزات وتُكرّسها أحيانًا”.

الدراما مرآة اجتماعية

تُعد الدراما واحدة من أكثر الفنون تأثيرًا في الوعي الجمعي، لما لها من قدرة على التسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، خصوصًا في العالم العربي حيث تحظى بمكانة خاصة في شهر رمضان.

وتستند الدراما إلى عناصر مركبة: الفكرة، الحبكة، الشخصيات، الموسيقى، واللغة. وهذه الأخيرة تُعدّ مفتاحًا للتغيير، كما تؤكّد جوليا كريستيفا، فهي التي تُمرّر الرسائل، وتُبلور التمثيلات الثقافية.

المثال الأوضح على التنميط: مسلسل “جعفر العمدة”

يُعد مسلسل “جعفر العمدة” للفنان محمد رمضان من أكثر المسلسلات المصرية مشاهدة في رمضان 2023. حيث تدور أحداثه في بيئة شعبية حول شخصية “العمدة جعفر” المتزوج من أربع نساء، ويتعامل معهن وفق جدول زمني يُنظّم توزيع الليالي. يبرّر البطل ذلك بالقول:

“الشرع حلل أربعة”.

تكمن إشكالية الطرح الدرامي في تقديم المرأة ككائن تابع دون إرادة، يُمارس عليها العنف الرمزي والمؤسساتي من خلال خطاب ذكوري مهيمن.

في دراسة ميدانية منشورة على موقع Rawabet.org عن صورة المرأة في الدراما السورية لعام 2022، تبيّن أن الصورة النمطية ما تزال حاضرة بقوة، حيث تُقدَّم المرأة غالبًا:

  • ككائن عاطفي، تابع، غير مستقل.

  • محصورة في أدوار تقليدية (ربة منزل، زوجة، ضحية، أو مغرية).

  • تُسلّع صورتها بصريًا لخدمة التسويق.

يظهر ذلك بوضوح في مسلسل “جعفر العمدة”، الذي يكرّس الخضوع والطاعة كسمات أنثوية، ويُضفي على تعدد الزوجات طابعًا مشتهى يُحتفى به دراميًا.

يقول الناقد جلال سيريس:
 “في السابق، كانت صورة المرأة أقرب إلى الواقع، امرأة عادية تُجسّد معاناة واقعية. أما اليوم، فثمة تغذية للعنف الرمزي ضدها”.

ويعلق الناقد رامي وهبي:
 “الواقعية في الدراما لا تعني بالضرورة استنساخ العنف وتبريره، بل مساءلته. غير أن ما نشهده هو تطبيع ضمني مع الهيمنة الذكورية”.

 اللغة كأداة للتمييز: مسلسل “الزند”

في السياق نفسه، أثار المسلسل السوري “الزند” جدلًا واسعًا. فرغم الإبهار البصري، إلا أن اللغة المستخدمة في الحوارات حفلت بتعابير جنسوية فجّة تكرّس دونية المرأة، مثل:

“يا ابن المفقوعة”
 “ابن المتسطحة”
 “المبطوحة”

وهي تعابير تربط بين الضعف والمهانة والأنوثة، بينما تُقرَن الصفات السلبية بالمرأة كمصدر للعيب.

وترى زليخة أبو ريشة تقول في كتابها آنف الذكر “اللغة الغائبة”: “عندما نقول: (جبان كالنساء)، فنحن لا نصف الجبن بل نُكرّس تصورًا سلبيًا عن النساء. والأجدر أن نقول: (جبان كالنعام)”.

بصيص أمل في “تحت الوصاية”

في المقابل، يقدّم مسلسل “تحت الوصاية” بطولة منى زكي، نموذجًا مغايرًا لصورة المرأة.
 تجسّد منى زكي شخصية “الريسة” — امرأة تفقد زوجها وتضطر لقيادة قارب صيد لإعالة أبنائها، متحدّية بذلك الأعراف والقوانين التي تمنح الوصاية للجد بدلًا منها.

تطرح الدراما هنا أسئلة جوهرية:

  • هل تُعتبر الأم غير مؤهلة قانونيًا لرعاية أبنائها؟

  • لماذا تُقصى من مهنة “القيادة” لأنها امرأة؟

من خلال هذه القصة، يُنتج العمل سردية جديدة تُمكّن المرأة من لعب أدوار بطولية، مهنية، وقانونية، في تحدٍ مباشر لثقافة التنميط.

ومع ذلك، لم يسلم العمل من اللغة الجنسوية المتجذّرة، حيث نسمع بعض الشخصيات تقول:

“لم نرَ في حياتنا امرأة (ريسة)، من يقبل أن يعمل تحت قيادة امرأة؟”

الخاتمة: نحو دراما بلا تنميط

إن ما بين “جعفر العمدة” و*”تحت الوصاية”* مساحة درامية واسعة تتأرجح بين تكريس الجنسوية وتفكيكها. ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل تستطيع الدراما أن تُساهم فعليًا في بناء منظومة قيمية عادلة، تُعيد للمرأة إنسانيتها بعيدًا عن التنميط واللغة المهيمنة؟

 وهل يمكنها أن تحقّق هذا دون أن تتخلى عن متطلبات التشويق الفني والنجاح الجماهيري؟

المصادر:

  • اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنسوية — زليخة أبو ريشة

  • Rawabet.org: دراسة عن صورة المرأة في الدراما السورية

  • مسلسل جعفر العمدة — إنتاج مصر 2023

  • مسلسل الزند — إنتاج سوريا 2023

  • مسلسل تحت الوصاية — بطولة منى زكي

  • لقاءات مع النقّاد: جلال سيريس، رامي وهبي

  • قاموس Collins: تعريف مصطلح “Sexism”

مجلة أوراق/ العدد 24

Share:

You Might Also Like