للمرّة الثّانية خرجتُ من بوّابة الكليّة وأنا أقاوم البكاء، للمرّة الثّانية رفضَت الجامعة تسجيلي لدراسة الدكتوراه. من الغباء وضع الكحل في أيّ موقف أشكّ فيه أنّ دمعي سيسيل، كنتُ أحاول التركيز على الكحل، أمسح بقاياه، أفتفتُ المنديل في يدي، وأركّز على أي شيء لا يذكّرني بأنّ مَن أخذ فرصتي شابٌ لا يطيق الأدب، لا يتحدّث إلى الكتّاب في خياله كما أفعل كلّ يوم، لكنّه فقط يريد الاستمرار في الدراسة كي يأخذ وثيقة رسمية تساعده على تأجيل الخدمة العسكريّة بضعة سنوات.
عشتُ سنواتٍ طويلة أدرس الأدب والتاريخ والشعر والروايات الإنجليزية، وحصلت على مرتبة الامتياز في ماجستير الأدب المقارن، لا أريد أن أقضي الباقي من حياتي في تدريس الحروف الأبجدية لطلاب الابتدائية، ولا أن أبقى مترجمة لمشاريع التّخرج في الظّل.
لم يسألني أحدٌ عن رغبتي في الدراسة والبحث والتدريس الأكاديمي، لا هنا ولا حتّى حين رفضتْني المنحة الأجنبية. هنا رُفِضت لأنّ أحدهم تقدّم علي بـ 0.03% درجة، وفي المنحة اعتذروا مني لأنني لم أقنعهم أنّني قائدة مجتمعٍ مؤثرة غيّرتُ حياة الملايين من قبل، وسأغيّر حياة الملايين الباقية بعد عودتي المؤكّدة إلى بلدي.
أريد أن أكون جزءاً من صخب العالم. يقتلني هدوء المدينة الصغيرة، خاصّة أنّها بقيت على حالها بعد خسائر القصف والحرب منذ سنوات. أمسكتُ بيدي آخر راتب قبضته من المدرسة الخاصة قبل أن أستقيل، (450) ألف ليرة، كنت سأخصّص نصفها للاحتفال بهذا اليوم.
داخل الميكرو باص، لم أجد إلا مقعداً واحداً خلف السّائق، ذلك المقعد الذي تضطر فيه أن تواجه كل الركّاب. داخله كانت كلّ الوجوه تشبهني، بملامح واجمة وعيون لا تدري أين يجب أن تنظر.
“أريد شوكولا” عقلي كان يزدحم بهذا الصّوت، كلما حزنتُ أبحث عن أقرب قطعة شوكولاتة، شعرتُ أنّ جميع الرّكّاب يحتاجون قطعة حلوى، في جوٍ طافح بالمرارة.
سأصنع وأبيع الشّوكولاتة، قرّرتُ بلا تردّد، وقبل أن أصل إلى البيت، كنتُ قد اشتريتُ بكلّ ما لديّ قوالب وأدوات ومواد بسيطة لصناعة الحلويات.
لامني الجميع على ترك عملي الثابت، وأخبرتني والدتي أنّ جرّة الغاز التي ننتظر طابور تبديلها كلّ ثلاثة أشهر، لن تكفي لمشروعي الصغير. في تلك اللّحظة تذكّرتُ حديث جارتنا عن استخدام دفاتر وكتب في الموقد للطّهي والتدفئة، لديّ الكثير من الكتب والمحاضرات. تواصلت مع زملائي في الجامعة، أخبرتهم عن حاجة طالبةٍ فقيرة ومستجدة للكتب والمحاضرات التي لم تعد تلزمهم، جمعتُها وصنفتها بحسب الكاتب.
تذكّرتُ مقولة ميلان كونديرا: “أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد”
وأنا كذلك.. أريد أن أقاوم، أن أسخر من العالم، حتى من نفسي، ومن كل شيء، أو على الأقل أعكر صفو الهدوء القاتل. تذكّرتُ أيضاً مقولة زميلي الذي واساني في الجامعة وأخبرني أنني امرأة، مرجوعي إلى المطبخ، ضحكت وتابعت طريقي إلى المطبخ.
شغلت أغنية “Thunder”، جهّزتُ موقد جدّتي القديم في فسحة المنزل، وبدأتُ بصنع قوالب الشوكولاتة والكيك الصغيرة. كنت أطهو كل خلطة بحب ولهو لذيذ. أسميت الأكلات بأسماء أدبية، كل مزيج تحترق تحته كتابات أحد الأدباء، ويستلهم منها طعمه. هل يجب أن نحرق ما نحب كي ننضج؟ لا أعلم، ربّما..
“وليم” قطعة كيك اسفنجية انجليزية كلاسيكية، تناسب الشاي، تماماً ككتابات وليم شكسبير.
“شو” قطعة كلير محشوة بكريما الليمون الحلو اللاذع، على اسم برنارد شو.
“رولينغ” على اسم ج. ك. رولينغ، قالب رول شوكولاتة بالحليب محشو ببسكويت الـ (أوريو) وقطع الـ (سميري)، يحبّها معظم اليافعين.
“دان” قطعة الكيك الحمراء أو (ريد فلفيت)، تلك القطعة التي تعرف أنّ ألوانها الغنية قد لا تشي بالضرورة بطعمٍ غني ومتجدد، على اسم دان براون.
“تشارلي” قطعة (تارت) التفاح، مغطّاة بطبقة من القرفة والسكر، دافئة ومألوفة، على اسم تشارلز ديكنز.
“برونتو” كرة شوكولا داكنة لامعة ومحشوة بكريما (باتيسري) بطعم الفراولة وماء الورد، ملائمة للمناسبات أكثر من التحلية اليومية، على اسم الأخوات برونتي.
“أورويلا” (تشيز كيك) بالفول السوداني والكراميل، قطعة دسمة مشبعة وغنية بالنكهات، على اسم جورج أورويل
“أوسكار” قطعة شوكولاتة بطعم القهوة، طعمها مميز مع لذعة مرار خفيف، على اسم أوسكار وايلد.
صنعتُ عشرين نوعاً، وأخفيت دلالات الأسماء كما لو أنّني أمٌّ ماكرة، تخفي أنّها منحت طفلها اسم حبيبها السابق.
ما اسم ماركة الحلويات؟ لتكن “ساركا” مزيج من اسمي (سارة) و(كيك)، هذا ما أعلنته، لكن في الحقيقة أسميتها ساركا، من ساركازم (السخرية).
لا أنكر أنّي كنت خائفة من النتائج، والإخفاق والخسائر. وضعتُ المنتجات بتسعيرة مخفضة في بقالية خالي بمنطقة شعبية، واتّفقتُ مع ابنه الصغير على الترويج لها مقابل نسبة من الأرباح، كما اتّفقتُ مع أخي على أن يصوّرَ كلّ المنتجات مقابل تذوّقِ قطعةٍ من كل نوع.
بعد يومين، ذهبت لأطمئن على مبيعات الحلويات، شاهدت ابن خالي الصغير أمام برّاد الحلويات على الرصيف المقابل للمحل يصيح: “شوكولاتة وكيك… أطيب شوكولاتة وكيك.. وليم بأربع آلاف، قرّب وذق.. أوسكار بخمسة يا نور العين… رولينغ بسبعة، بسبعة الحلو، يا حلو بسبعة”
ضحكتُ من قلبي، لا أعرف مَن انتصر ومَن انهزم، لكنّني شعرتُ بالنشوة، كمن أحرق سفنه وبقي على جزيرة صغيرة، لأنّ الوجهات التي كان يحلم بالوصول إليها لم تستقبله. وضعت السماعات، شغلت أغنية “Viva La Vida” على هاتفي، واستمتعت بمذاق منعش للحياة، طالت أظافري أخيراً واستطعت خدش الوجه الجاف لسلطة القوانين، ربما لاحقاً سأغرزها أعمق.
الأسعار الرخيصة والمكوّنات الجيدة البسيطة، ساعدتْ كثيراً على انتشار الحلويات في الحي، تصلني مئات من رسائل الطلبيات على صفحة ساركا. صرت أـعامل مع أكثر من بقالية لتعرض المنتجات، وأكتب وصف الحلويات على صفحتي في الانترنت كما لو أنني أعرض رأيي في كل كاتب، وبتُّ أشتري الكتب والمحاضرات من كلّ الطلاب بأسعار زهيدة.
في رمضان، دُعيت للمشاركة في معرضٍ لبيع منتجاتٍ من صنعِ النساء. هناك حيث اقتربت مني المراسلة التلفزيونية وسألتني: “حدثينا كيف أتتكِ فكرة حلويات ساركا؟ لماذا اخترت هذا المجال؟”.
تخيّلتُ أنّني أقف أمام الطّلاب في المحاضرة وأقول لهم: “هذا العالم مرٌّ، هذا الواقع مرٌّ، يحتاج الكثير من الحلويات، الكثير من ساركا”.
*كاتبة سورية
مجلة أوراق/ العدد 24
