في “البدء كانت الكلمة”، وليست أيّ كلمة، إنها تلك التي تصل القلب بالقلب، وتمنح ما لم يسمى وجودًا، الكلمة لتضيء وتنير وتشرح وتوضح.
وفيما مضى، كان الإنسان قليل الكلام، يستخدم يديه أكثر من لسانه، فلا يملك الوقت اللازم للإسهاب والإفاضة ويتوجب عليه على غرار “كنديد”، بطل رواية “التفاؤل” لفولتير، أن يعتني بحديقته، فما حاجته للكلام إلا في حدوده الدنيا. سيتحدث للشجرة أكثر مما يفعل مع جاره. لا جدل ولا حاجة للإثبات. لا شيء ليتنازع عليه، وكان الهواء والماء والتراب كلّ ما تقوم عليه الحياة.
ورغم أن القتل بدأ مع الخليقة، لكنه لم يحتج إلى الكلام، فالمبارزة كانت الفيصل بين المتبارزين، وقابيل ألقى على أخيه حجرًا فأرداه ثم اكتشف سوء فعلته فحمله نادمًا. آنذاك، عرف الإنسان بفطرته أن الكلام لا يطعم الفم ولا يكسي البردان ولا يبني الجدران. وفيما بعد أصبح وسيلة تواصل لإظهار الروح تحت الجلد والفكر داخل الرأس: “تكلم كي أراك” بالنسبة لسقراط، فهو فن توليد العقول والنفوس عبر السؤال والحجّة وكشف التناقضات البشرية وهذا ما أوغر صدور مستمعيه إذ تحدث بما لا يشتهون وأظهر عنهم ما يخفون.
ترى السفسطائية عكس ذلك، إذ يمكنك استخدام هذه التناقضات بشكل بارع لتحويل الحقيقة إلى رماد. فلا ضير إن لم تكن لديك حجة أو برهان. والمهم في هذه الحال تعلّم فنون القول واللعب بالكلمات والمراوغة الفكرية واستخدام المنطق الشكلي، وهزيمة الخصم في مبارزات لا تبتغي الحقيقة، بل البراعة في رصف العبارات وتأليب المستمعين على الخصم.
لم يعد الكلام إظهارًا بل إخفاء في جانب منه وتعمية على الحقيقة. تقدّم العالم، أنشئت المطابع والجامعات وحبست اللغة بين جدران الأكاديميات. ولو رأى الإنسان الأول حالنا لأصابه العجب؛ إذ ينهار نظامنا البيئي ويتصحّر كوكبنا وتقلّ مياهنا وتزداد ثرثرتنا.
صار الناس يقايضون أفكارهم. وتعلّمنا أن كل كلمة نقولها لها ثمن عاجل أو مؤجل. سادت حجج الإقناع، الجدل، والدفاع عن الفكرة. عليك أن تتقن فن الحوار كي تكسب معركة، أن تنضم لإحدى الورش التي تدرّبك على القول والثبات الانفعالي لحظة الكذب والقدرة على الإقناع وهزيمة الخصم حتى لو جافيت الحقيقة. فلا يهم أن ترى بل أن تتحدث بشكل جيد. المهم أن تعرف أين وكيف تبيع كلامك وبأي طريقة نحن الآن نتحدث كي نأخذ ثمن كلماتنا لأن هناك دائمًا شخصًا يستهلكها وهو يريدها رغم أنها لن تملأ معدته ولن تدفئ صغاره.
لكن الكلمات لها سطوة على العقل البشري، بإمكانها تغييب العقول وتحييد الحقيقة وبناء عالم طوباوي للإنسان الغاطس في وحل الشتاء، بإمكانها بناء عالم مثالي للجائع الذي يطوي ليله على جوعه. إن لها قدرة على الإيهام أو بتعبير دوبلن “هي، وبسبب التباسها الغريب تحاول إقناعنا، نحن مستخدميها بدقّتها وقيمتها عبر إظهار نفسها بكونها إثباتًا مطلقًا”.
أصبحت الحروب كلامية، وتريد وهمًا كافيًا لجعله حقيقة، كتب لويس كارول في قصيدته “صيد السنارك”: “ما أقوله لك ثلاث مرات فهو صحيح/ ما أقوله لك صحيح ثلاث مرات”.
وفيما بعد، مثّل عصر الصورة تحوّلًا جذريًّا في سلطة الكلام إذ فقد فاعليّته أمام: العين، وخلقت الميديا ما أطلق عليه غي ديبور “مجتمع المشاهدة”. وبفعل هذا الطغيان للصورة “أبيد الواقع” بتعبير بودريار، واختفى كل أثر له، وصرنا أمام شبح الواقع. إذ خلقت الصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي غابات جميلة، في الوقت الذي احترقت فيه الغابات، وبيوت آمنة في الوقت الذي تهدّمت فيه البيوت. وخاطبت العين لأن سلطة العين هي أقوى الحواس لا تفوقها سلطة، فهل يُكذّبُ الإنسان عينه!
تقرن الكتب المقدسة الحقيقة واكتشافها بالنظر “أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ” (1).وفي الإنجيل “سراج الجسد هو العين. فمتى كانت عينك بسيطة فجسدك كلّه يكون نيرّا، ومتى كانت شريرة فجسدك يكون مظلمًا” (2).
في كتابه ” الجمهورية” وفي “أسطورة الكهف”، يروي أفلاطون أزمة الحقيقة في ارتباطها بالعين والرؤية، وقد أراد من خلالها أن يشخّص أزمة الفيلسوف بكونه فردًا داخل جماعة تشدّ وثاقهم سلاسل تجعل نظرهم يتجه للجدار. لا يرون من الأشياء سوى ظلالها، ثم يشبّه الفيلسوف بالشخص الذي يفكّ القيد ليخرج من الكهف ويرى الألوان على حقيقتها في انعكاسها. لم يكن شرط الوصول للحقيقة التخلّص من السلاسل فحسب، بل الرؤية أو النظر بالعين وباقي الحواس وملكة العقل.
فالعين هي البرهان والفيصل: “رأيت بعيني”، ويمكن للأذن أن يأخذها الشطط فتؤوّل المسموع على غير وجهته. لكنّ العين هي الحصن الأخير الذي تعتمد الحقيقة عليه. وهي مغرفة الكلام ونهاية المآل وآخر ما يرى الإنسان لحظة الموت “وكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد” (3).
لكن العين، أمام سيل الصور المتدفّقة وتقنيات الاجتزاء، فقدت يقينها وجُرِّدت من سلطتها. ومع انتشار الصور المولدة بالذكاء الصناعي صارت موضع شك!
وبين وقت وآخر، تتناقل الميديا فيديوهات وصورًا تبثّ من هذا الطرف أو ذاك، بعضها مجتزأ من سياق طويل وآخر معدل بتقنيات حديثة وثالث تعرض لعملية إنتاج تلائم وجهةً ما. تُعدّل الكثير من الصور والفيديوهات لتضلل الرأي، وتعمد الأطراف المتناحرة إلى القص أو التشويه أو التدخل في مسار الصورة وحرفها نحو وجهة أخرى؛ ما يجعل المتلقي عاجزًا عن الثقة بما يراه.
وفي هذه المتاهة، التي يصدر فيها فيلم مولّد أو مجتزأ ثم يتبناه الناس ثم يعلن زيفه ثم يخضع هو الآخر لفحص الخبراء ثم تنتفي صحّته عبر الوسائل ذاتها التي ولّدته، تصل الحقيقة متأخرة أو في الوقت الذي لا ينتبه إليها أحد.
لقد اعتقدنا أن سلطة العين لن تمسّ، لكنها تفتّتت وتشظّت في متاهة الصور التي تضخّ يوميًّا وعبر التلاعب الإعلامي وأساليب عمل الميديا سالت الحقيقة وذابت بين الخطابات فلم يعد ممكنًا التمييز.
لقد شبّه جان بودريار ذلك بأننا لا نعيش الواقع بل ما فوق الواقع الذي ينكره ويلغيه، وقد اختصر ذلك بقوله: “بعض الأشياء تندثر باندثار العبارات التي منحتها وجودها”. والسؤال هنا هل ستندثر الحقيقة باندثار العبارة الأثيرة لقلب الإنسان “رأيت بعيني”، لننسى مع الوقت فاعلية كلمات من قبيل: “من رأى ليس كمن سمع”، “ربما تكذب الأذن لكن العين لا تفعل”، وقال ابن عربي “إن الحقيقة لا تُدرك باللسان بل بالذوق والوجدان، والعين هي وسيلة المشاهدة التي تكشف نور الحق في مظاهر الخلق”.
لم يعد ما نراه حقيقيًّا، فأصبحنا كحال أسرى أفلاطون نرى الظلال ونحسبها الأصل محتملين هذا العنف الذي يقع كل لحظة على العين؛ إذ إنها الضحيّة الأولى لحرب الصور بعد أن كان العقل البشري ضحيّة حروب الكلام. وفي ظل هذه الفوضى يختفي الواقع الحقيقي خلف الاجتزاء ويتلاشى كما نعرفه ليُخلق واقع آخر.
هل يمكننا تصديق العين؟
هذا سؤال يستدعي الأسى، لكنه سيتحول إلى نكتة يومًا ما، والأهم في ذلك أننا فقدنا تركيزنا وضاعت قدرتنا على الحكم السليم، فقد كانت العين آخر حصون الإنسان: “رأيت بعينيّ هاتين” هذه العبارة ستتلاشى كغيرها من الكلمات القديمة وتنقرض.
*كاتبة سورية.
هوامش:
(1) الغاشية، الآية رقم 17.
(2) إنجيل متى (6. 22-23) وإنجيل لوقا (11: 34).
(3) سورة ق، الآية 22.
مراجع:
– ألبرتو مانغويل، “مدينة الكلمات”، ترجمة يزن الحاج.
– جان بودريار، “المصطنع والاصطناع”، ترجمة جوزيف عبد الله.
*ضفة ثالثة
