وماذا لو أنّ البيت زارني؟ قليلٌ عليّ؟ سنين كثيرة طويلة وأنا أشدّ إليه الرحال، لأقضي تحت سقفه بضعة أيام، وأشبع من رائحة الطين التي في الجدار، والذكريات التي في الشبّاك. ماذا عليه لو جاءني ليقضي عندي بضعة أيّام! لست طمّاعًا، أفتح الباب على “حوش صغير” بحبلي غسيل، وغرف قليلة، وبوابة صغيرة مسدودة ببرميل فارغ!
.
على الأقل لأقف على الأطلال، لأشكره لأنه منحني آلاف الصور في فصول الطفولة والشباب والشتاء و”الصفري”، من هنا مرّت “جوالات العدس” نحو غرفة المؤونة، ومن هنا مرّت إناث الماعز إلى ساقية المعدن “الطوالة” ومن هنا زُفّ عرسان وعرائس، ومرّت جنازة أبي، وحملت الحقيبة في الطريق إلى حلب.
.
يا بيت، تعال، على متن مقطورة صغيرة، الحرب انتهت، ربّما انتهت، تعال بعد المربعانيّة بقليل، سأعيد طلاء “الحايط” الغربي بالكلس، وأسدل على النافذة الستارة الأولى، وسامحني إذا رسمت على الباب الخشبي عبارة ما بخطّ الثلث. أعن ذاكرتي يا بيت، ولا تهرم، وقل لجدرانك القديمة أن تعود، وللباب القديم أن يعود، وللأحياء القدامى أن يعودوا، وسأصبّ لهم الشاي، ولن أتذمّر إذا قال لي ضيفنا الشايب: “وال تعال صبّ لّي” ولن أتذمّر إذا قال لي أبي: “روح جيب لي باكة تتن”. تعال فقط، بجدرانك المكلّسة بالغريان، وبتحزومة الدار، وبالبساط الباهت، والمخادّ البيضاء.
.
لا تأتني في الحلم، وتضحك عليّ، الأحلام الآن “طريفة” ثمّ إنّي بتّ أنسى الأحلام، تعال شخصيًّا، وهات معك كيس “المردقان” ذاته، وأرغفة الخبز “القامشلاوي” المخرّمة، وبالراصور الذي لازم الباب الداخلي سنوات، تعال يا صديقي، تعال “يا ربيعي” يقولون إنّ الحرب انتهت، وإن البيوت القديمة ستعود إلى المدرسة، ولكنّي أريدك أنت، أريد أن ألعب “الطابة” الخضراء في المساحة الصغيرة بين البئر والدكّان، أريد أن أسجّل هدفًا، أن أملي على إخوتي الصغار نصّ إملاء غريب.
.
أنا أعرف أنك تستطيع أن تأتي؛ فلا تتدلّل عليّ، أرجوك، تعال مع برد العجايز، أو في ذيل شباط، اركب السيارة “المستجبلة” ولا تأبه للحواجز، ولا تطلب منّي أن أقول: “تسقط الحواجز” أخاف أن يعتقلوا منك ضحكة أمّي يوم نجحت في أوّل مادّة لي في الجامعة، أخاف أن يشتبهوا بصرخاتنا يوم كنّا نشاهد مباراة البرازيل وإيطاليا صيف 1982، أخاف أن يكشفوا عنك سقف الكونكريت ليتحسّسوا نسبة “الخارور” في الدم، والحنين الذي في الذكريات.
.
لم أعد أجيد الذكريات، ولا الشعر لأكتب قصيدة قوافيها “بيت أنتمي إليه” و”ليت لم تعد تخدعني” وكلمات كثيرة كلّ دمعها يفضي إلى ياء وتاء. لم أعد أقوى على “حنين جيّد” بات الحنين مكلفًا يا صديقي.
.
تعال