أكثر كلمة تداولها السوريون لمناسبة وجود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في نيويورك، لحضور جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هي “التاريخي”. بموجب ما تداوله سوريون كثر، وبعض وسائل الإعلام، الحدث تاريخي والزيارة تاريخية والكلمة أمام الجمعية العامة تاريخية… إلخ. الشرع نفسه بدأ كلمته بالقول: “لقد جئتكم من دمشق عاصمة التاريخ ومهد الحضارات.. تلك البلاد الجميلة التي علّمت الدنيا معنى الحضارة”.
من المفهوم أن يركز الإعلام على ما هو أكثر جاذبية، بالإضافة إلى الميل التقليدي للمبالغة، كي يستجرّ عدداً أكبر من المتابعين. وحال السوشيال ميديا لا يختلف، بل إن المبالغة المترافقة مع اصطناع “التريند” هي في صلب ما يستخدمه المؤثّرون. هكذا تبدو سيرة الشرع أكثر جاذبية من التحدث في أمور ذات طابع يخص موقعه العمومي، فسيرة الجهادي الموضوع على لوائح مكافحة الإرهاب وهو يزور نيويورك “ظافراً” سيرةٌ مرغوب فيها من الإعلام، وتستقطب رغم تكرارها رقم مشاهدات كبير جداً. وصورة مجتزأة من لقاء له مع رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني كانت كفيلة بتداول فرضية المرأة الغربية، التي تذوب نظراتها إعجاباً بالبطل، في استكمال ميلودرامي للسيرة، التي لا شكّ في أن فيها ما هو غير مألوف، ويمكن تداوله والنقاش فيه على نحو لا يغوص في الأساطير.
توقف كثر عند كون الشرع أول رئيس يزور مقر الجمعية العامة بعد الرئيس نور الدين الأتاسي، الذي خطب من على منبرها بعد حرب 1967، وأوحى التركيز على هذه النقطة بأن حافظ الأسد ووريثه كانا ممنوعين من الوصول إلى المنبر نفسه. لكن، كما هو معلوم، اختار حافظ الأسد درب الانعزال، إلى جانب علاقات وثيقة مع المعسكر الشرقي. وفي زمن صعوده، كانت النظرة السائدة عموماً معادية للولايات المتحدة. أما إذا أخذنا الوريث؛ فقد كان من المحتمل جداً أن يحظى بحفاوة في نيويورك، لو ذهب في بداية عهده، حين كان يحظى باحتضان دولي واسع، رغبةً من المجتمع الدولي بتجاوز حقبة الأب. على هذا الصعيد، عودة سوريا إلى ما هو طبيعي ليست إنجازاً في حدّ ذاتها، وهناك عشرات الدول الصغيرة الضعيفة المشاركة في نيويورك؛ المحك يكون في القدرة الحقيقية والمستدامة على الانتماء إلى العالم والعصر.
واحد من أهم الاختبارات فيما يخص الانتماء إلى العصر يكون بالنزول من ذلك الإنشاء المتعلّق بالتاريخ، فالتاريخ ذهب وانتهى، ولمعظم شعوب العالم مساهمات فيه، وفيما وصلت إليه البشرية. لم ينتبه السوريون، في حديثهم عن “التاريخي”، إلى أنهم يطربون لنغمة مألوفة جداً ومتكررة. فنظام البعث وفكرُه عزفا طوال الوقت على ما هو “تاريخي”، وعزفا في الوقت نفسه عن ما هو واقعي. هي متلازمة معروفة جداً، وكانت تتفاقم مع كلّ تردٍّ في الأحوال؛ متلازمة المهزومين الذين يعيشون أوهاماً كبرى. الاختبار هنا هو في أن يتخلص السوريون من بعثيتهم وأسديتهم، وأن ينزلوا إلى الواقع بمفرداته المتناسبة معه حقاً.
تستطيع أجيال مخضرمة بين حكم الأب والابن تذكُّر الكثير مما هو تاريخي، فالخطابات التي لا تقول شيئاً واضحاً ومحدَّداً عن الواقع كانت تسوَّق بوصفها خطابات تاريخية، والزمن كان مليئاً بالمنعطفات التاريخية. لقد كانت الفجوة (التي تتسع ولا تضيق) بين الأقوال والأفعال هي الترجمة الواقعية لتغوُّل الإنشاء المنصرف إلى التاريخ، وهكذا لم تعد وظيفة الخطاب إيصال معلومة أو فكرة حقيقيتين؛ صارت وظيفة الكلام أن يكون كلاماً منمّقاً يستجرّ التصفيق، وربما الآهات الشبيهة بتلك التي تصدر عن منتشين بنغمة ألِفوها.
فجوة أسدية أخرى يجب ردمها، هي الفجوة بين الداخل والخارج. إذ لطالما تباهى أسديون بالمكانة الإقليمية التي حققها الأسد الأب لسوريا، وهي في الواقع مكانة لسلطته لا للبلد. ولطالما كانت هذه الإنجازات الخارجية المزعومة مهرباً من الأسئلة عن الإنجازات في الداخل وهي الأهم. من الضروري أيضاً على هذا الصعيد تذكُّر ذلك النفخ في إنجازات داخلية هي في الواقع مما تفعله الحكومات في أصقاع العالم بصمت، والسوريون أنفسهم كانوا يتندّرون مثلاً على اعتبار وصول الكهرباء إلى منطقة ما، أو تخفيض ساعات التقنين، إنجازاً تاريخياً.
جزء أساسي من إسدال الستار على تلك الحقبة أن يتحدث السوريون بلغة العصر، فيكون لكلامهم مدلول مشابه للمدلول المتعارَف عليه عالمياً. الحديث مثلاً عن حوار وطني جامع له مدلول عالمي، فيما يخص البلدان الخارجة من صراعات داخلية، إذ يُفهم على أنه مؤتمر وطني جامع، يشارك فيه ممثّلون حقيقيون للمجتمعات، فلا يختار أي طرف ما يروق له من ممثلين لأطراف أخرى. والحوارات الوطنية في هذه الحالة تستغرق وقتاً لبناء تفاهمات وطنية جامعة، تسير بموجبها المرحلة الانتقالية.
كذلك هو حال الحديث عن حكومة كفاءات، إذ يُفهم على نطاق واسع أنها حكومة تكنوقراط لا حكومة سياسية. بينما تهيمن شخصيات آتية من هيئة تحرير الشام على الوزارات الأساسية في الحكومة الحالية، والأهم ربما أن نواب الوزراء غير المحسوبين على الهيئة هم بمعظمهم من الهيئة، ولم يُعيَّنوا بقرارات من الوزراء. ولا يختلف الأمر في الحديث عن انتخابات لمجلس الشعب، فعندما يسمع الواحد منا عن انتخابات (خارج بلدان المنطقة) يتجه الفهم إلى كونها انتخابات ديموقراطية، يذهب فيها الناخبون إلى صناديق الاقتراع، بينما الآلية المتبعة لاختيار مجلس الشعب لا تقوم على ذلك، لا في الحصة الممنوحة أصلاً للرئيس الانتقالي، ولا في سواها.
تكرارُ العقلية التي سادت في العقود السابقة، والتمايز عنها شكلياً ومناسباتياً، لا يعَدِان بالمضي بعيداً عنها. ومن ذلك الاعتراف بحدوث مجازر، ومن ثم تشكيل لجان تحقيق فيها، والترحيب بتحقيقات أممية، من دون أثر واقعي ملموس لكل ذلك، تحديداً لجهة القبض على المرتكبين المشمولين بلجنة التحقيق الخاصة بالساحل، والتي أنجزت عملها وقدّمت تقريرها منذ مدة.
عبء الاستمرار في العقلية ذاتها لا يقتصر على مجال بعينه، فالدمار السوري الفظيع هو ابنٌ لها بكامل أركانه. أي أنه لم ينعكس فقط على المجال السياسي، بل طاول كافة المجالات، وفي مقدمها المجال المعيشي، وسيكون من الوهم الظنُّ بأن تكرار القديم ممكنٌ مع التملّص من عواقبه الباهظة. السوريون، الذين ملأوا الإعلام والسوشيال ميديا كلاماً عن التاريخي، يلزمهم الكثيرُ من التواضع للنزول إلى مستوى الكارثة التي وصلت إليها سوريا، ومن هنا يبدأ الانخراط الحقيقي في صناعة تاريخ جديد للبلد. عموماً، كان صنّاع التاريخ أكثر تواضعاً من أن ينسبوا الفضل والمجد لأنفسهم، وتركوا للمستقبل أن يقول كلمته.
*المدن
