لأصل الشاي أساطير كثيرة، منها أن أحد أباطرة الصين اكتشفه فجأة، إثر هبوب الهواء بقوة حاملاً أوراق شجرة من حديقة قصره إلى كأسه المترع بالماء المغلي، فلما راق له طعمه آثر أن يشارك شعبه بهذا النقيع الرائع، ولا ينفرد به دون جموع دانت له بالطاعة والولاء، بينما الحقيقة الثابتة أن أول إشارة إلى الشاي وردت في معجم صيني قديم نشر عام ٣٥٠ قبل الميلاد.
من لطيف قصص هذا المشروب أن إمبراطور الصين كان ذوّاقاً للشاي، وكتب بحثاً عنه، لذا خصصت طريقة لقطاف الشاي الإمبراطوري، إذ ترتدي العذارى الصغيرات قفازات، ويستخدمن مقصات ذهبية لقطف براعم الأوراق، ثم توضع في صحن ذهبي قبل أن تنقل إلى كأس الإمبراطور.
وفي إنجلترا بدأ الشاي مشروباً أرستقراطياً بعد زواج الملك تشارلز الثاني والأميرة البرتغالية كاترين عام ١٦٦٢ المغرمة بالشاي حتى أشاعته في البلاط البريطاني، ثم صار المشروب الشعبي الأول عند كافة الطبقات من الأكواخ إلى القصور.
يطلق على الشاي في اليابانية اسم “تشا” وفي الإنجليزية يسمى”تي”، وبينما تختلف التهجئة والنغمة قليلاً تستخدم معظم الدول حول العالم مصطلحات قريبة من هذين الاسمين. أسماء “تشا” المشتقة من الكانتونية انتشرت عبر طريق الحرير، بينما أسماء “تي” المشتقة من الفوجانية انتشرت عبر الطرق البحرية لذلك ستجد أسماء “تشا” في القارة الآسيوية، في حين تستخدم معظم الدول الأوربية أسماء “تي”.
طبياً للشاي فوائد كثيرة، لاحتوائه على نسبة عالية من البوليفينول، وهي مركبات مضادة للأكسدة تكافح تلف خلايا الجسم الناتج عن تراكم الجذور الحرة، ومن ثم تعزز صحة القلب وتحسن الصحة والمزاج. له بعض الاستخدامات الغريبة كالتقليل من الحكة الناتجة عن لدغة الحشرات، وتهدئة الطفح الجلدي من خلال وضع ضمادات مبللة بالشاي على المنطقة المصابة، إضافة إلى التخفيف من ظهور الهالات السوداء تحت العيون، والتخفيف من آلام الرضاعة الطبيعية، وتعزيز نمو النباتات إذ إن مزج أوراق الشاي بالتربة يزيد من نمو البراعم والجذور بشكل أسرع، وهناك من يستخدمونه موضعياً كواقٍ من الشمس.
كما أسهم الشاي في الثورات، ففي عام ١٧٧٣ كان سكان مدينة بوسطن الأمريكية في حالة ثورة ضد الحكم البرتغالي، وهنا ظهر حزب “حفل الشاي” الذي احتج على فرض الحكومة البريطانية ضريبة على الشاي، وفي عتمة الليل هجم ثوار أمريكيون على سفن بريطانية في مرسى ميناء بوسطن، وأغرقوا ٣٤٢ حاوية شاي في المياه، وكانت هذه الاحتجاجات خطوة نحو حرب الاستقلال الأمريكية.
قد يكون الشاي أسود، ولهذا النوع الكثير من العشاق، الذين يشربونه في كل الأوقات، وهو ذابل ومؤكسد بالكامل، ومجفف، وينتج عنه مشروب شهي بلون العنبر. وقد يكون أخضر عند من يرغب في إنقاص وزنه. وقد يجعله الصينيون يتأكسد بشكل بسيط ليصير أبيض، ويمنحك نكهة تشبه إلى حد كبير نكهة الشاي الأخضر، ولكنها أكثر دسامة وحلاوة. وقد تُجفف أوراقه ببطء لتتخذ اللون الأصفر، ويكون طعمه هنا معتدلاً بين الأبيض والأخضر، وقد يمزج مع الأعشاب والزهور والتوابل والنعناع وبعض البذور فيصير شاي الأعشاب.
دخل الشاي إلى العالم العربي في القرن السادس عشر، ومن ثم انتشر بشكل أوسع في القرون اللاحقة، ورغم هيمنة القهوة على المشهد باعتبارها عنوان الحب والكرم عند العرب، كذلك الشاي يحمل بين طياته وفي كؤوسه دفء العلاقات، وقد صار جليس المائدة ورفيق الغريب الذي يبحث عن صديق لا يخون.
هو الشاي صديق الأمزجة في الشام، يضبطها ويعدلها، ستسمعها كثيراً “كاسة شاي على الريق” كدليل واضح على ارتباطه ببدايات النهار، وقدرته على بناء يوم مليء بالهدوء والتوازن النفسي، وهو “الشاي المضبوط” أو” الكباية السادة” أو “شاي الغلابة” في مصر، ولا عجب في أي منها طالما أنه “رمانة ميزان الدماغ” المشروب الأرخص والأكثر شعبية الملازم للطبقات الكادحة، وهو “الأتاي” الشاي المغربي بالنعناع المحلى بالكثير من السكر، وهو “كوب العصرية” في الخليج بعد وجبة غداء دسمة، وفي جلسة وناسة مع الأهل والأصدقاء، وهو الذي لا يطيب في موريتانيا إلا بتطبيق قاعدة “الجيمات” الثلاثة، وهي شروط يجب أن تتوفر للحصول على جلسة شاي ممتعة، قاعدتها الأولى أن يكون في جماعة، والثانية هي “الجر” وتعني طول التحضير، وثالثتها أن يستخدم الجمر في عملية التحضير.
في الجزيرة السورية تبدأ علاقتك اليومية بالشاي مع شروق شمس الصباح، لتكون كأسك الأولى على الريق وكأسك الأخيرة قبل أن يتسلق النعاس جفنيك، ليتأرجح بعدها عدد الكاسات التي تشربها خلال اليوم الواحد حسب الطقس واللّمّة والمناسبة والمزاج، وحسب تصنيفك وفق معايير “شاربي الشاي”، وأكثر من ذلك بكثير، فأن تكون شاوياً تعني بشكل أو بآخر أن جدَّتك على الأرجح قد شرَّبتك الشاي مخلوطاً بالخاثر أو اللبن “المرجوجة” منذ طراوة معدتك قبل أن تحبو، أو ربما قبل أن تناغي، ثم يزداد وضوح “شاويتك” حين تفضل الشاي خفيفاً وحلواً متجاهلاً نصائح الأطباء، ودعاة الإتيكيت الذين يقدمونه بلا سكر، وإن كنت تستطيع أن تضع في كأسك ملعقتين وثلاث وأكثر .
لم يكن الشاي مشروباً عابراً في حياة هؤلاء الناس، ولن يكون رغم الصرعات الغريبة التي تغزو تفاصيلها باستمرار.
هو صديق جلسات النميمة وأحاديث العتاب ومواسم الحنطة والزواج وفطور الفلاحين، واستراحة حوّاشات القطن، وإذا أردت أن تختصر الحكاية، وتكثف العبارة لتتسع الرؤيا أمامك أكثر، فما عليك إلا أن تمدح جودة ما تشرب بعبارة يتجادل أهل اللغة حول دلالتها الفنية طويلاً “هالشايات دمعة”.
على مدار سنين طويلة تغزل الكثير من الشعراء والأدباء بالشاي، وخصص له بعضهم قصائد طويلة منها قصيدة الموريتاني “الشيخ سيدي” التي يقول فيها:
يقيمُ لنا مولايَ والليلُ مقمرُ
وأضواءُ مصباحِ الزجاجةِ تزهرُ
وقد نسمتْ ريحُ الشمالِ على الربى
نسيماً بأذيالِ الدجى يتعثرُ
كؤوساً من الشاي الشهيِّ شهيةً
يطيبُ بها ليلُ التمامِ فيقصرُ
وقال شاعر آخر:
وأطيبُ الشايِ ما صندوقُهُ خشبٌ
ويحتوي صنفَ أوراقٍ طويلاتِ
ذاكَ الربيعُ ربيعي يومَ أشربُهُ
فلا تغرُّكَ أكياسٌ بفتلاتِ
ويقول الشاعر السوري عيسى الشيخ حسن في رسالة حنين إلى أمه، في قرية بعيدة:
سأموتُ
إذا غابَ عن خاطري
شايُها في العصاري
ويقول ليو تولستوي “ينبغي أن أشرب الكثير من الشاي، وإلا لن أستطيع العمل. يطلق الشاي العنان لإمكاناتنا الموجودة في أعماق روحنا”.
ويصفه أوسكار وايلد بأنه “المتعة البسيطة الوحيدة المتبقية لنا”.
ولعل أجمل ما قيل في الشاي مقولة الشاعر الإنجليزي جورج أورويل “الشاي الجيد هو ماء الحياة، وكوب الشاي بلا شك أثمن من كل كنوز العالم”.
لم يكن الشاي مجرد طقس أو مشروباً يومياً عادياً في الشرق، بل كان عقيدة خالصة ومذهباً روحانياً ومبعثاً للراحة من أعباء الحياة اليومية اللامتناهية، ولا عجب أن يقول المثل الياباني “الشخص الذي لا يشرب الشاي ليس قادراً على فهم الحقيقة والجمال”.
قد لا تكون الزبدة أول ما يتبادر إلى ذهنك عندما تفكر في الشاي، ولكن أهل التيبت لا يحبون مشروباً أكثر من مخلوط الشاي مع الزبدة والملح، ويعتقدون أن هذه النسبة العالية من الدهون تساعد على رفع الطاقة، وهو مشروب مثالي للحياة في جبال الهيمالايا حيث تنخفض درجات الحرارة كثيراً.
وفي هونغ كونغ يتم مزج الشاي الأسود مع الحليب المكثف أو المبخر، ويطلق عليه اسم “شاي الحليب ذي الجوارب الطويلة” وهو اسم غريب ولكنه نشأ من طريقة تحضير الشاي في كيس قماش طويل من الخيش يستخدم لتنقية أوراق الشاي.
وفي تايوان يعتبر الشاي معشوق الجميع منذ دخل البلاد، هناك يخلط الشاي البارد مع الفاكهة أو اللبن وتوضع داخله كرات التابيوكا الخاصة، ويطلق عليه اسم” شاي اللؤلؤ باللبن” أو “شاي الفقاعات”.
وفي تايلاند يشربونه بارداً وبسكر وحليب مكثف وأحياناً يمزجونه باليانسون، ويصبه الباعة في الأسواق من على ارتفاع مثل بائعي العرقسوس في مصر والشام.
وفي اليابان تعرف الطقوس التقليدية لشرب الشاي الموروثة باسم “تشادو” وتعني هذه الكلمة حرفياً “طريق الشاي”، تمتد جذور هذه المراسم لأكثر من ألف عام، وقد تأثرت كثيراً بتعاليم مذهب الزن، وتتميز أنها لا تركز فقط على شرب الشاي بحد ذاته، ولكن على عمليات الإعداد والتحضير والتقديم. كل حركة حتى البسيطة منها مصممة بعناية فائقة بما فيها ترتيب جلوس الأشخاص، وهي تتمحور في مجملها حول “الجمال الذي يمكن لمسه من أبسط الأشياء”، ويتجلى هذا النهج في غرفة الشاي الخاصة بالحفل حيث يتم التخلص من كل العناصر غير الضرورية والسعي لوجود أجواء روحانية.
وفي العراق يفضلون شرب الشاي الغامق ويطلقون عليه اسم “سنكين”، وفي اللهجة العامية العراقية يطلق على الشاي “الچاي” بالجيم ذات النقاط الثلاث، كما تلفظ في تركيا وروسيا وأوكرانيا، ويحضر الچاي العراقي بوضع أوراق الشاي الأسود في إبريق الشاي “القوري”، أو عبر تسخين الماء حد الغليان، ثم وضع أوراق الشاي فيه، وإطفاء النار بعد ثوان قليلة، ويترك الشاي ليتخدر (أو يتخمر) قبل شربه، والعراقيون مثل معظم سكان الجزيرة السورية يشربون الشاي في الصيف كما الشتاء، ولا تمنع درجات الحرارة العالية التي تصل إلى خمسين مئوية في شهر آب من شربه، ولا تقلل من الطلب عليه.
يقدم الشاي في العراق بأوعية صغيرة تعرف باسم “الأستيكان” وأصله كما يروى من الهند حيث يطلق عليه اسم” بيالة”، كان الجنود البريطانيون الموجودون في الهند خلال فترة الاستعمار يأخذون تلك الأوعية معهم كهدايا إلى بلدهم الأم، وللتمييز بين البيالة الهندية وكوب الشاي الإنجليزي التقليدي أطلق على وعاء الشاي الهندي اسم “east tea can” أي وعاء الشاي الشرقي، وحين دخل الاستعمار البريطاني إلى العراق، أدخل معه الجنود الهنود الشاي ووعاءه الشرقي، ثم دمج العراقيون الكلمات الثلاث في كلمة واحدة لسهولة الاستخدام فصارت “أستكان” لتنتشر بسرعة في المقاهي و الأحياء والبيوت.

وفي المغرب لا يكاد يخلو سوق شعبي في العاصمة الرباط من تلك اللوحة الفنية التي يرسمها بائعو “الشيبة” والنعناع وباقي أعشاب الشاي، وهم يفترشون الأرض أو دكاكين صغيرة، ويطلق المغاربة اسم “الشيبة” على الأجزاء العليا، والأوراق المزهرة لما يعرف بـ “الأفسنتين” أو” شجر مريم” ليصبح الشاي بالشيبة الشراب الذي يمد الجسم بالدفء والطاقة والهدوء لا سيما في الطقس البارد.
يحتفظ الشاي بطقوسه ومكانته الأثيرة حول العالم، فنحن على اختلافاتنا ونزاعاتنا التي لا تنتهي قد نجحنا في الاحتفاظ ببعض المسرات المشتركة التي تجمعنا بسلام كالفن والموسيقى والأدب والشاي طبعاً، ولعله كما يقول الياباني أوكاكورا كاكوزو “ينطوي على سحر خفي يجعله لا يقاوم، ومنه القدرة على إسباغ الإحساس بالمثالية، فالشاي ينأى بنفسه عن غطرسة النبيذ، وعن غرور القهوة، وعن البراءة المتكلفة في نبتة الكاكاو”.
مجلة أوراق/ 25
