علي سفر: سينما الكندي والرهان الخاسر على إنجازات الزمن البعثي

مرَّ معي قبل أيام حديث قديم للمعمارية العراقية الراحلة زها حديد، تجيب من خلاله عن سؤال حول عمل المعماريين العرب على استلهام التراث في العمارة. ويمكن تلخيص رأيها المثير بالقول: إنك لن تستطيع أن تكون معاصراً أو حداثياً إن لم تتخلَّ عن جزء من هذا التراث، وما يجب الاستغناء عنه هو كل ما يقيِّد تفكيرك وانفتاحك على المستقبل.

قد يبدو هذا المسار في الطرح مستغرباً من شخصية لطالما أُحيطت بهالة كبيرة من الاحترام والتقدير، بالنظر إلى كونها امرأة مشرقية استطاعت أن تضع بصمتها في العديد من المشاريع المعمارية حول العالم. المشكلة هنا لا تتعلق بكون جلّ عملها بعيداً من العناصر التكوينية التراثية العربية والإسلامية، بل في كونها تصارح الآخرين بأن ثمة شيئاً معتاداً في التفكير يجب أن يتم إسقاطه، لا سيما الاعتقاد المكرَّس في كل مجالات الحياة بأن تراثنا الخاص يمكن أن نحتفظ به طوال الوقت كقيمة ملاصقة لدخولنا فضاءات الحداثة.

كلام زها حديد يعكس نزعة حداثية متأخرة، قريبة من التفكيكية في العمارة والفكر، أي التيار القائم على التحرر من سلطة المرجعيات الثابتة (سواء التراث أو الكلاسيكيات الغربية) لصالح الابتكار المستقبلي. لكن لا يجب النظر إلى رأيها على أنه صالح دائماً، لا سيما في البيئات التي لا تستطيع القطع مع كل تفاصيل الماضي، بل يجب قراءة الفكرة بوصفها تنطوي على ديناميكية واجبة من أجل عدم تقييد المرء لعقله، أو الجماعة لمسيرتها، أو التيارات الفنية بالعناصر التراثية المتوفرة في البيئة التي تعمل فيها. أي إننا يمكن أن نتماشى مع الفكرة حين نحتاج حلاً ما لإشكالية مستعصية، ويمكن ألا ننظر فيها حين يتوجب علينا المحافظة على الأثر القديم، طالما أنه لا يعيق حياتنا.

القرار

لو عكسنا طرح زها حديد على بعض من مجريات النقاش العام في سوريا ما بعد الأسدية، حيال الكثير من القضايا الشائكة، سنكتشف أن واحداً من أكثر المعوّقات للانطلاق صوب المستقبل، يأتي من طريقة تعاطينا مع الماضي. لا أحكي عن زمن بعيد، بل عن سنوات حكم حزب البعث، وعن اعتقادنا بأن هناك أشياء مهمة جرت فيه يجب ألا نتركها، لأنها تمثل لنا قيمة ما.

ولكي لا يذهب النقاش نحو الإشكاليات العميقة التي تحتاج إلى قراءة صبورة وأشد تفصيلاً، سأتحدث الآن عن قضية سينما الكندي في دمشق، والتي تبيَّن للوسط الثقافي السوري أنها ملكية وقفية، وأن وزارة الثقافة تستأجرها من متعهد يدفع للأوقاف مبلغاً زهيداً لا يعكس القيمة الحقيقية للاستثمار. طبعاً نتذكر كلنا أن ضجيجاً واحتجاجاً واجباً قد اندلع من أجل ألا تتغوّل الأوقاف على المكان الثقافي، وقد أعلن المدير العام لمؤسسة السينما، الفنان جهاد عبدو، أن الإشكالية قد حُلّت، وأن السينما ستبقى كما يرغب المثقفون والسينمائيون الذين يتوسمون بالإدارة السورية الجديدة ألا تبدأ عهدها بتجريد المشهد الثقافي من صالة رسخت في الذاكرة على أنها تقدم أفلاماً محترمة.

لكن الطمأنينة التي سرت بعد إعلان عبدو، سرعان ما تبددت قبل يومين، حين أظهرت صورة ملتقطة حديثاً قيام وزارة الأوقاف بتعليق لافتة كبيرة فوق لافتة السينما تقول إن المكان مركز ثقافي يتبع لها. ثم ظهر أحد الشيوخ في فيديو حديث جداً يقول إن “الكندي” لن تكون صالة لعرض الأفلام الروائية، بل ستقتصر شاشاتها على عرض الوثائقيات والأفلام التعليمية!

وقفة احتجاجية بعد قرارا وزارة الأوقاف باستعادة سينما-الكندي
من اعتصامات سابقة لإنقاذ سينما الكندي

ما جرى يثبت أن خطة الأوقاف في استعادة ملكيتها وتحويلها إلى أداة لا تخرج عن سياستها وأفكارها، ماضية نحو الوصول إلى هدفها، ولن تستطيع أي جهة إيقافها أو الوصول إلى تفاهم يحيد بالمكان عن أن يكون ساحة دعوية. وربما يمكن القول إن أي جهد يصب في هذا الاتجاه سيكون ضائعاً وبلا قيمة. كما أن اللجوء إلى إدانة السلطة الجديدة واتهامها بأنها تستبيح السينما، لن يكون أمراً منصفاً، طالما أن الموضوع يتعلق بحق الملكية، لا سيما أن المتحدث عن الأوقاف أشار إلى أن الجزيرة العقارية التي تقع فيها السينما، مطروحة للاستثمار كعقار واحد يمكن أن يحتوي كل الخيارات في المستقبل.

ربما لم يسأل أحد عن إمكانية أن يحتوي المبنى المستقبلي على صالة سينمائية بديلة، أو صالة متعددة الاستخدامات، لكن السؤال الذي يجب طرحه الآن، على إدارة مؤسسة السينما وعلى وزير الثقافة، يتعلق بالخطط المستقبلية التي تنهي ارتهان الوزارة لأصحاب العقارات التي تشغلها إداراتها. الأمر الذي يكشف فعلياً أن الإرث الثقافي المكرَّس والمستخلص من الزمن البعثي كان مجرد استثمار في الأشخاص، ولم ينحُ إلى إنشاء أبنية تمتلكها المؤسسات الثقافية. 

يمكن مراجعة واقع المؤسسات التي أُنشئت خلال العهد البائد وسنكتشف شيئاً فشيئاً، ليتبين أن غالبية “الإنجازات” التي لطالما تباهى بها الأسديون، كانت قد وُضعت خططها في زمن الوحدة مع مصر. وهذا يشمل المكتبة الوطنية ودار الأوبرا ومبنى المعهدَين المسرحي والموسيقي، كما أن خطط إنشاء المراكز الثقافية جرى تدوينها في ذلك العهد أيضاً. وإذا حاولنا إثبات تقاعس النظام السابق عن أداء دوره، فلننْظر في بقاء المركز الثقافي العربي في مدينة دمشق ضمن بناء سكني في أبو رمانة، وإبقاء المسارح الرئيسة كالقباني والحمراء في أبنية قديمة لا يعرف الجمهور إن كانت مُستملكة أو مُستأجرة.

جهاد عبدو ووزير الثقافة محمد ياسين صالح
الوزير محمد ياسين صالح مع الفنان جهاد عبدو

إذاً، نحن أمام واقع يجب أن يتم تجاوزه بأسرع ما يمكن. إذ لا يُعقل أن يرتهن النشاط السينمائي لصالة واحدة، والمسرحي لخشبة واحدة، أو الإحالة إلى الصالات الأخرى التي تعاني قِدَم تجهيزاتها، ويرفض أصحابها تحديثها كونهم يريدون هدمها والقانون يمنعهم من فعل ذلك. بل يجب المضي نحو رؤية أكثر راهنية بدلاً من التشبث بالماضي. وهذا سيؤدي إلى توسيع مفهوم إعادة الإعمار، ليشمل ليس ما دمّره النظام البائد من مساكن ومؤسسات في المناطق التي حارب سكانها فحسب، بل كل ما كان يجب أن يُبنى في سوريا الحديثة، وجرى استبعاده بسبب فساد كان يملي على الأسديين التركيز على مصالحهم وإهمال كل ما دون ذلك.

التشبث بصالة الكندي ذات الوضع التقني القديم والكراسي البالية، ورغم قيمتها في كونها صالة عرضت فيها أفلاماً رسخت في ذاكرة الجمهور، يشبه فعلياً ما أشارت إليه زها حديد عن ذلك التراث الذي يؤذيك، فلا تستطيع أن تتركه ولا تستطيع أن تستثمره، فهو لم يكن ملكك، ولم تُسهم في بنائه أصلاً.

*المدن

Share:

You Might Also Like