في إعلان الصحافي والروائي خليل صويلح عدم موافقة الرقابة على طباعة روايته “جنة البرابرة” في سوريا، يكون الوسط الثقافي والأدبي في البلاد قد وصل سريعاً إلى تبيان ملامح النمط الرقابي الجديد الذي سيواجهه في المقبل من الأيام!
رواية صويلح ظهرت للمرة الأولى في طبعة مصرية العام 2014. وبحسب منشوره في فايسبوك، والذي اعتذر فيه لمتابعيه عن إمكانية نشر الرواية إلا بحذف عشرات العبارات “التي توثّق وقائع ما جرى في البلاد من صراعات بين السلطة والفصائل المسلحة في السنوات الأولى من الحرب”…بالإضافة إلى تغيير عنوانها!
وفي مطالعة للقرار الذي وقعه مُراقب ما، وحصلت “المدن” على صورة عنه، فإن الرواية في البند الأول “تشوه الثورة السورية من خلال وصف الثوار بأوصاف وأعمال القتل والنهب والتعذيب واعتقالات والذبح والجلد والجنس والتطرف الديني والسجون والتفجير وربطها بالجهاد الإسلامي وغيرها”. وفي البند الثاني رأى المراقب بأن عنوانها “جنة البرابرة ملغوم وغير بريء”!
التقرير مكتوب بخط اليد بعجالة، وتصعب قراءة بعض كلماته، ولا ترويسة توضح عن أي جهة يصدر، لكن هذا يُذكر بتعميم سبق أن أرسله اتحاد الناشرين في شهر نيسان الماضي، طالب فيه، وبحسب تعليمات وزارة الإعلام، الناشرين الذين طبعوا كتبهم خلال فترة “الرقابة الذاتية”، أي من دون الحصول على موافقة الوزارة، التقدّم بكتبهم إلى الوزارة للحصول على موافقة رسمية. الأمر الذي أثار ضجة كبيرة، طُرحت فيها التخوفات من أن تخضع حركة التأليف والنشر لرقابة متشددة من قبل وزارة الإعلام، التي ردت بدورها عبر بيان توضيحي، قالت فيه بأن الرقابة الذاتية هي اجتهاد من اتحاد الناشرين وأن هذا أدى إلى “إحداث فجوة قانونية بين وزارة الإعلام ودور النشر مما أدى إلى تعطل أعمال الناشرين وتكدس الملفات في الوزارة خلال المدّة السابقة. ذلك أن المنافذ الحدودية، تشترط موافقة وزارة الإعلام للسماح بالتصدير أو الاستيراد، بناء على المادة 2 من القانون رقم 5 لعام 2023 والمادة 5 من الإعلان الدستوري الصادر في 8 رمضان 1446 هـ الموافق لـ 3 آذار 2025 التي تنص على ما يلي: “يستمر العمل بالقوانين النافذة ما لم يتم تعديلها أو إلغاؤها”. وأكدت الوزارلة “التزامها التام بحرية الفكر والنشر والطباعة التي ضَمنها الإعلان الدستوري وتسعى بحسب ما تتيح القوانين الناظمة، للتخلص من إرث النظام البائد وأدواته الرقابية المشددة وتحديث نظمها الإدارية لتعمل وفق معايير مهنية مرنة، تعزز من فعالية دور النشر، وتدعم رسالتها الثقافية والمجتمعية” داعية جميع الناشرين لمراجعتها في حال وجود أي شكوى لحلها”.

تساؤلات المثقفين حول قرار الرقيب في ما يخص رواية صويلح، استدعت من الشاعر محمد طه العثمان، رئيس لجنة تسيير أعمال اتحاد الكتاب توضيحًا، نشره كتعليق في فايسبوك، قال فيه إن الاتحاد ليس مسؤولاً عما جرى. وبحسب قوله فإن لجنة تسيير أعمال الاتحاد “اعتذرت عن قراءة أي مخطوط وإعطاء الموافقات أو المنع”، وقال أيضاً: “قدمنا مقترحًا لوزارة الإعلام برفع الرقابة عن المخطوطات، لكن يوجد قانون يحتاج إلى تشريع جديد لتغييره، وهذا سيحدث بعد انتخاب مجلس شعب، لذلك تم الاتفاق مع الوزارة أن يكون دور الاتحاد هو الدفاع عن أي كتاب لا تتم الموافقة عليه وتقديم طعن وإعادة تقييم، ونحن جاهزون إذا طلب منا صاحب الشأن ذلك”.

وبالعودة إلى مشكلة الطبعة السورية لرواية “جنة البرابرة”، فإن صاحبها الذي وضع لها مقدمة خاصة، أوضح لـ”المدن” استغرابه مما جرى، وقال: “لم يخطر في بالي أن هذا النص سيتعرض لانتهاك رقابي، لظني أن الاشتباك الأساسي كان مع سلطة الرقابة السابقة، وأن الأوان آن كي يتنفس هواء آخر ويعود إلى مشتله الأصلي.. لكن ما حصل يشبه محاكمة بأثر رجعي والمطالبة بتنزيه الكتائب المسلحة.. لا أظن أن هؤلاء كانوا يزرعون أشجار الزيتون فوق المقابر الجماعية.. عمومًا إن هذا النص كان بمثابة يوميات يعيشها الراوي متمثلًا يوميات البديري الحلاق في تدوين يوميات دمشق قبل مئتي سنة، وتاليًا أنا لا اكتب منشورًا سياسيًا بقدر عنايتي بسرديات الشهود وتحولات البلاد”.
الرواية المكتوبة في السنوات الثلاث الأولى للثورة، تحتاج ونحن نقرأها اليوم، إلى فلترة من نوع خاص، فهي تروي تفاصيل وقعت على الأرض، في وقت احتدام أعمال القتل اليومية التي بدأها نظام الأسد البائد، واستدعت في المقابل ردود أفعال عنفية من قبل الفصائل المسلحة. وبحسب أسلوبية يدركها قارئ روايات صويلح، فإن الكتابة هنا، تدور حول اليوميات، وترصد أقوال شخصيات تروي ما حصل معها، وقد يكون بعضها قد حصل فعلًا، وربما لم يحصل. لكن المرحلة بذاتها تحتشد بتفاصيل يمكن توجيهها بحسب موقع القارئ،. فربما يرى البعض فيها تشويهاً للثورة، بينما يرى البعض الآخر أن التوثيق الحقوقي لكثير مما جرى يتضمن أفعالًا تستحق الإدانة، لأنها خرجت عن مسار النضال ضد السلطة الغاشمة، وأعادت في بعض الأطوار إنتاج جرائم الاستبداد ذاته، فإذا ما وردت مثل هذه التفاصيل في عمل روائي فهل يجب أن تُقرأ كما قرأها الرقيب المجهول؟
نسأل صويلح وبشكل صريح؛ التقرير يشير إلى تشويه واضح للثورة! هل تعمدت أن تشوّه صورة الثورة؟ فيجيب: “كنتُ منهمكاً في ما فعله البرابرة بالبلاد من دون الاصطفاف مع أحد، وهناك جرعات عالية في إدانة السلطة في ثنايا النص والأمر ذاته حول ما كان يسمى إدارة التوحش”!

فعلياً، لا يبدو أن مشكلة خليل صويلح الآن تقف عند حدود مشكلة الرواية مع الرقابة، بل بالتباس موقفه عمومًا، فقد أثار إعلانه عما جرى حفيظة بعض المشتغلين في الوسط الثقافي المعارض، الذين تساءلوا عن موقفه من النظام الدموي وعن صمته حيال جرائمه. فكتب الصحافي والروائي غيث حمور منشوراً في فايسبوك، شكك فيه في مواقف خليل وصحة قصته، قائلًا: “على مدار 14 عاماً من المجازر والانتهاكات التي ارتُكبت في سوريا، لم نسمع من الكاتب خليل صويلح كلمة واحدة تُدين القتل أو تُسمي الأشياء بأسمائها. لم يتحدث عن البراميل، ولا عن المعتقلين، ولا عن الأطفال الذين قضوا تحت الأنقاض. اكتفى بوصف ما جرى بأنه حرب، وتجنب تماماً استخدام كلمة ثورة، رغم أن التاريخ والشعب سمّياها كذلك (…) فجأة، يخرج علينا بخبر مفاده أن السلطات الجديدة في سوريا منعت طباعة روايته الأخيرة داخل البلاد. من دون أن يُقدّم أي دليل أو وثيقة أو حتى تصريح رسمي يُؤكد ذلك. هل المنع ممكن؟ نعم. لكن هل نثق في كاتب صمت عن الدماء كل هذه السنوات؟ شخصيًا، لا أثق. وإذا كان وزير الثقافة مشغولًا في صناعة محتوى في تيك توك، فإننا نُوجّه هذا النداء إلى رئيس اتحاد الكتّاب العرب محمد طه العثمان، ونطلب منه إصدار بيان رسمي يوضح الحقيقة: هل مُنعت رواية خليل صويلح فعلًا من الطباعة؟ أم أن ما يجري محاولة متأخرة لغسل سيرة لم تكن يومًا إلى جانب المقهورين؟”

ومن جهة أخرى كتب الروائي هيثم حسين منشوراً، تحدث فيه عن مواقف الكاتب من دون ان يسميه فقال: “أن تُمنع روايتك اليوم في سوريا لا يجعل منك بطلًا، ولا ضحية، ولا صوتاً مستهدفاً. المنع مرفوض تحت أيّ بند أو ذريعة، لكنّه لا يمنح شرفًا، ولا يطهّر ماضيًا، ولا يبيّض صحائف سوداء. أن تتاجر بمنع كتابك، وتتقمّص هيئة المقموع النبيل، وأنت الذي ظللتَ توزّع صكوك الشرعيّة على قَتَلة الكلمة، ووقفت تمرح في “جنّة” المجرمين، فهذه وقاحة لا تُغتفر، وفضيحة لا تنطلي إلّا على بعض مَن يحاول أن ينسى التاريخ. ما أبشع أن يتحوّل المنع إلى بطاقة دعوة لحضور مهرجان الذات… تلك الذات المنخورة التي لا ترى سوى ما يخدم تمجيدها، ولو على حساب ذاكرةٍ امتلأت بالخيانة. كم من قناع سقط باسم المنع. وكم من مُتواطئٍ يحاول أن يعيد صكّ غفرانه الأدبيّ برشّ بعض العطر على ماضيه النتن…! أنا مع حرّية الكتابة والنشر، حتى لِمن ارتهنوا لأدوات الحذف والمحو، لكنّي أحتقر مَن يحوّل المنع إلى كربلاء شخصية، يستدرّ بها عطفاً مزيّفاً، ويعيد تدوير نفسه في بازار البطولة المستعارة”.
هذه المواقف التصريحية أو التلميحية حول موقف خليل صويلح في السنوات الماضية، استدعت أن نسأله وبشكل فجٍ أيضاً حول ما يشير إليه أصحاب الرأي أعلاه: هل كنت صامتًا حيال جرائم النظام؟ فكان جوابه: “أظن أن هذه الرواية تنتسب للعويل وليس للصمت.. ليس لدي طوال هذه السنوات عبارة واحدة في مديح السلطة.. أنا روائي، ولست ناشطًا سياسيًا”!
وفي مقابل الأصوات التي لاحقت الروائي وطرحت الرأي حول موقفه، تضامن آخرون معه، وجرى تداول منشوره، وكان التركيز في غالبية المشاركات يقوم على الخوف من الرقابة وسلوكيات الرقباء في هذه الفترة الحرجة، التي تلتبس فيها الرؤى الشخصية مع الرؤى الرسمية، حيث لا قانون واضحاً للرقابة يمكن الاستناد إليه في إصدار قرارات المنع، وبالتأكيد لا تخلو المواقف المنشورة حول الواقعة من انتحاء إلى صبغ المرحلة الجديدة بالسواد طالما أن القرار بيد سلطة ذات مرجعية دينية متشددة، كما يقول البعض.
فهل أغلق قرار الرقيب المجال بشكل نهائي على إعادة طباعة الرواية؟! بحسب توضيح وزارة الإعلام المشار إليه أعلاه، فإن أبوابها مفتوحة أمام الناشرين لمراجعتها في حال وجود أي شكوى لحلها. كما أن رئيس اتحاد الكتاب محمد طه العثمان أشار أيضًا إلى أن “دور الاتحاد هو الدفاع عن أي كتاب لا تتم الموافقة عليه وتقديم طعن وإعادة تقييم، ونحن جاهزون إذا طلب منا صاحب الشأن ذلك”. وهنا سألنا خليل صويلح: هل ستتواصل مع الاتحاد من أجل الطعن بقرار الرقيب؟ فأجاب: لا…!

مقدمة الطبعة السورية الممنوعة من رواية “جنة البرابرة”
إشارة لابد منها
كان هدير الحوّامات فوق سطح بيتي مباشرة هو من أهداني الجملة الأولى في هذه اليوميات! لم أفكر في ما سيؤول إليه هذا النص الهجين الذي كان استجابة للحظة متشظية ومفزعة وجهنمية، وتالياً كان عليّ أن ابتكر سردية موازية لا تخضع للقواعد بقدر عنايتي بزعزعتها وتحطيمها ببلطة بلاغية مضادة، ثم لم أكن واثقاً بأن هذا النصّ سيكتمل، إذ كان الموت قريباً، إلى حدّ الذعر، كما كانت الكتابة نوعاً من العلاج، وفحصاً أولياً للهوية، ذلك أن بربرية العنف أعادتني إلى قراءة تاريخ دمشق، ووجدت أن ما يحدث اليوم حدث في الأمس، بتكرار أحوال الظلم، وكأن هذه المدينة منذورة للحرائق على الدوام، أما اشتباك الشخصي بالعام، فكانت تحدّده نسبة الأدرينالين، في المقام الأول، وتراكم المشهديات وتنافرها في آنٍ واحد، بالتوازي مع رسم صورة للكائن السوري في احتضاره وبربريته من جهة، وتطلّعه إلى هواء آخر من جهةٍ ثانية. كان عليّ أيضاً أن أعقد مصالحة بين ابن عساكر وابن خلدون، لقراءة اللحظة السورية الراهنة من موقع المؤرخ وعالم الاجتماع في مدوّنة واحدة، فما حدث ويحدث في دمشق يحتاج إلى إعادة تركيب للهوية، وكشف طبقات العنف المضمرة، وأن “جنة المشرق” كما كان يُطلق على دمشق تاريخياً، هي “جنة البرابرة” اليوم، لفرط الوحشية والخراب والموت، وتالياً، فإن الوقائع التاريخية فرضت نفسها بقوة على مسالك النص، ووجدتُ في يوميات البديري الحلّاق المكتوبة قبل مئتي عام باباً للدخول إلى دمشق حينذاك، ومقارنتها بأحوالها اليوم، وبمعنى آخر تظهير نسخة جديدة من هذه اليوميات بأدوات المؤرخ المعاصر، مستفيداً مما تتيحه الميديا الجديدة من وثائق وصور وشهادات، وفحصها من الداخل، قبل إدراجها في الموزاييك العمومي للنص الذي كان يتشكّل وفقًا لقوة تأثير الوقائع الميدانية، أكثر من انخراطه في التخييل الروائي، وهو ما أفرز مثل هذه الهجنة في السرد.
أغلقتُ باب هذه الرواية بانتهاء ألف يوم على الحرب، لأكتشف متأخراً بأن هناك جرعة زائدة من المكاشفة الخشنة والآثام الرقابية والاعترافات الطائشة، فقرّرت أن أنفي هذا النص خارج الحدود خشية العواقب المتوقّعة! هكذا حطّ في القاهرة بعيداً عن مقصّ الرقيب، منفياً وخائفاً وأعزل، وها هو يعود إلى مشتله الأصلي بعد غياب عشر سنوات كاملة بطبعة سورية. (قبل منع الرواية)
خلال هذه السنوات كنت أحاول إخفاء هذه الرواية الملعونة كما لو أنني لم أكتبها، خشية وقوعها بين يدي مخبر محلّي أو ناقد تشبيحي أو ثوري أهوج، إذ كنت معنياً في المقام الأول بإدانة القَتَلة من الضفتين، أولئك البرابرة الذين هندسوا بالنار مشهد الخراب العظيم!
هل قلتَ رواية؟
حسناً، لتكن نصّاً مجهول النسب، لكنه يشبه لحظة البلاد، إذ لا مسطرة لقياس منسوب الألم أو الأمل أو اللايقين!
*المدن
