أحب، كغيري، أن أحكي بحسرة عمّا كانت عليه الشام قبل العروض المخزية للملهاة السورية في 2011. أحب بشدة أن أروي تفاصيل دهشتها، وغنى يومياتها كمدينة متهاونة مع الإفصاح، مدينة ترافق خُطى الحب والعشاق بتؤدة وغفران، مدينة منغمسة في الحسّية، مشرّعة الأفق للمغامرة، ومفتوحة على الاحتمالات. لكني، واحترامًا للحقيقة ولذاكرتي، لن أفعل. أتفهم، بتسامح ورأفة، خصوصاً الآن، مع الاختناق والتقلّص في الفضاء العام، كيف نودّ ونصرّ على التفجّع، ونُطنب ونُعلي من قيمة حياتنا المسترخية آنذاك. نعم، أقدّر المراثي على مدينة نتمنى لو أنها كانت تليق بأغنية رحبانية “مجروحة بالحب، مفتوحة للصدفة”، لكنها يومًا لم تكن.
رغم هذه الحقائق، ظلّت الشام المتحفّظة، المتوارية خلف عماراتها ذات الحارات “السد”، المتمطية في كسلها، مدينة قابلة للعيش. إذ، بقليل من المران و”مطمطة” العضلات لفضاءات وجيوب المدينة، استطاعت الشام تقديم ما تستطيع من الخفة والدهشة لقاطنيها، ولهذا، في قحطٍ شديد القحط، بدت أي مغامرة في علنية طرقها، مهما كانت بريئة أو ساذجة، كأنها رحلة تيه لبطل في ملحمة سومرية. مع أني لم أكن يومًا بطلة ملحمية، ولم أَنتسب تمامًا للسومريين، إلا أني عشت في الشام، ومن باب العرفان بالجميل، أعترف أنها قدّمت لي، رغم كسلها، الكثير من الحكايات، أو ما يشبهها.
في مساء خريفي من العام 1999، داخل سينما السفراء، ضمن فعاليات مهرجان دمشق السينمائي، كنت كعادتي أسكن قاعات العروض: للحقيقة، لا أذكر اسم الفيلم، لا الحكاية ولا الممثلين، ما أذكره كان صوت ضحكاتي خلال متابعة العرض الذي لم يكن مترجمًا إلا للإنكليزية. وأذكر أيضًا بضعًا أو كثيرًا من الضحكات المتواطئة معي، لا سيما من شاب لم يلفتني به، في غواية الظلام والخيالات المنعكسة خفوتًا واشتدادًا من الشاشة العملاقة، سوى شعرٍ طويل تجاوز كتفيه بكثير، وتجاوز الذائقة المألوفة للشبان في تلك الفترة. لهذا، ولكل من يعرفني ويعرف نَزَقي ونزوعي إلى اللامألوف، فإن هذا التفصيل الشِّعري أثار اهتمامي، وسمح، بعد انتهاء الفيلم، بتعارف سلس مع الشاب ذي الشعر الطويل.
في ذاك الوقت، كنت أجمل وأصدق نسخة مني: فتاة عشرينية، تحب نفسها وتملك حلمًا، ستصل بعد أشهر مدينة أحلامها لتتعلّم عن الأفلام. بينما، ها هي الآن، تعيش في الرحيل، في تلك المسافة الحدودية ما بين البقاء والمغادرة، بين الغفران للمدينة وتشرّب جمال ربما لن تلمحه بعدها. وها أنا براحة واسترخاء، أثرثر مع شابٍ بشعرٍ طويل عن هوسنا بالأفلام، حيث مرّ كل ما بيننا حلواً، آمناً، ومفتوحاً على الاحتمالات. قدّمت المدينة لذائقتنا الشرهة: خريفًا حنونًا، فيلمًا شهيًّا، ومطرًا ناعمًا يُندي القلب وشوارع المدينة. ليلتها، لم نُرد مغادرة الطريق، فقد مسّتنا الحرية وسكرنا بنشوتها، حكينا كمعارف عتيقين، ضحكنا بألفة، وصار أن تواطأت المدينة معنا، فهطل مطر ناعم، وجدنا بعده يدينا مشتبكتَين برقصة أولى، وبدأنا نركض كما بطلَين في قصيدة قبّانية تحت المطر. بدت الحكاية تامّة، ولأني أدوخ بالحكايات وأكره كل ما في الواقع، تمنّيت لليلتي تلك نهاية فيلم. تحقّقت الأمنية، عندما وجدنا أنفسنا بالقرب من سينما الكندي. طلب الشاب أن يتركني لدقيقة كي يفعل ما يُفعل بعد مشي ساعتين أو أكثر، وبينما دخل إلى القُهود الشعبية الملاصقة للسينما، أتتني فرصة عظيمة لإكمال الحكاية. بسرعة، أشرت إلى سيارة تاكسي عابرة، صعدتها كبرق واختفيت، هكذا، بلا رقم هاتف، أو عنوان، بلا إسم أو كنية، مجرد ذكرى من السهل تخيّلها، تأليفها، أو إضاعتها. مجرد ذكرى لفتاة وشاب ركضا تحت المطر، قبل أن تضمحل في ليل دمشق.
لكنها الشام، ومهما غيّرت جِلدها، فإنها ستعود لتكون نفسها: ضيّقة حتى على حكاية، بخيلة بمغامرة، خانقة الزوايا، معدومة الاحتمالات، متوقعة وباهتة. بعد أشهر، وجدني الشاب، بعدما انزلقت من أحاديثنا تفاصيل دلّت عليّ. ظلّ لأسابيع يسأل عني في السفارة الإسبانية، فقد أخبرته عن ورشة إخراج سينمائي كنت أتبعها مع طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية. ولأني كنت مشغولة بتصوير فيلم تسجيلي آنذاك، لم أكن أحضر بانتظام، لكن الشاب فعل. وبعد مروره بانتظام لأسابيع من دون أن يجدني، صار وأتيت، ووجدتُ وجهًا جديدًا يحدّق فيّ بإصرار. انتهيت من حضور الورشة، وأتى الوجه ليحدثني، لم أميّز من يكُن. عجزتُ عن تبيان ملامح مَن تركته في عتمة ليل دمشقي، في مساء خريفي ماطر. وللأمانة، كنت محقّة. الشعر الطويل على كتفيه اختفى، الألق اختفى، ما بقى هو لوم وعتب ومرارة، وشراسة شديدة من جانبي. فعندما علمت مَن يكون، صار وأصاب روحي مسّ جنون، بدأت بتقريعه على الإصرار الغريب لإيجادي، ولومه على ذاك الإصرار. كيف لم يفهم؟ كيف لم يُراعِني؟ كيف فعل بي “أنا” ما فعل؟ كيف تجرّأ أن ينزع عليّ حكايةً اعتقدتُ، ولو حالمة، أن الشام، بفقرها وضيق مخيّلتها، قادرة على منحها لفتاة مفتونة بالحكايات؟
اليوم، حضرت الذكرى بحرارتها. مع أن بيني وبين تلك الشام مطارات ومنافي، لكني، عندما علمت بقرار إغلاق سينما الكندي ثم قرار إعادتها إلى المؤسسة العامة للسينمامن دون أن يتضح تالياً سقف الحرية لبرمجة عروضها، عادت المدينة لتدافع عن نفسها بي. خصوصاً عندما علت الأصوات مدعية أن صالات السينما لم تكن يوماً جزءاً من نسيج حياة السوريين! هل أكذّب حكايات أبي، وشَعر أمي الذي كان يُصفف كل يوم خميس لحضور حفلات الساعة التاسعة؟ هل أكذّب هوس الشاب ذي الشعر الطويل، وأخيراً ذاكرتي أنا؟ لكل هذا، ها أنا اليوم، أُفصح عن رغبة سيدة خمسينية، تُصرّ أن تجد شابة مثلها، حضناً أو جيباً من جيوب المدينة يحتضن مخيلتها. تشتهي لشابةٍ الاشتباك مع فضاء المدينة، الذي لم يكن يومًا رحباً بما فيه الكفاية، لكنه مع قليل من المخيّلة، قد يتمدد، ليسمح بالحب، أو يتّسع لمغامرة، والأجمل، والأكثر بهاءً، ليكون جديرًا بحكاية.
*المدن
