عباس عبد الحليم عباس: فدوى طوقان.. سؤال الهوية وجذور الوعي النسوي

تقول فرجينيا وولف: “الحرية الفكرية تتوقف على الأشياء المادية. لقد كانت النساء دائمًا فقيرات، لا لمدة مئتي عام فقط، بل منذ بداية الخليقة، وكنّ أقل حرية فكرية من أبناء العبيد في أثينا. النساء إذن لم تكن لديهن أدنى فرصة لكتابة الشعر. وهذا هو السبب الذي جعلني أؤكد كل هذا التأكيد على ضرورة النقود والغرفة الخاصة“. 

وهذا بطبيعة الحال يشير إلى أن التنظيرات التي بين أيدينا حول وضع النساء تؤكد مدى السوء الذي تعرضن له عبر التاريخ، وحجم الحرمان الذي عانينه في كثير من المجتمعات، الأمر الذي صبغ هذه التنظيرات بصبغة واحدة. ولعل مراجعتنا للإطار النظري لمثل الدراسة الحالية تفصح عن هذا الوضع كما ورد في دراسات نسوية متعددة. فنسويات ما بعد الحداثة -على سبيل المثال- تتأسس على النظرة النقدية تجاه كل شي، بما في ذلك الأفكار المحددة والممارسات الاجتماعية غير العادلة، إضافةً إلى التشكيلة البنائية التي يوجدن بها، واللغة التي يفكرن بها، والنظام الذي يحتمين به.  

وهو ما تتفق عليه كل الاتجاهات النسوية، وحتى اتجاهات ما بعد النسوية، وهي ظاهرة متطورة تمثل توجهًا بعيدًا عن ثقافة الضحية التي نمّتها الموجة السابقة من الحركة النسوية، بحيث تصبح مقاومتها مقاومة غير معادية، وكل ما تطمح إليه هو الوصول إلى نمط من التوازن الاجتماعي بين الذكور والإناث، تنتزع فيه المرأة من الرجل اعترافًا بذاتها المستقلة وهويتها وكينونتها، وتدفع به نحو الاعتراف بالذنب جرّاء ممارسات ذكورية قاسية ألحقت الكثير من الضرر بجنس النساء – ماديًا ونفسيًا-عبر التاريخ.

لم يكن من السهل على فدوى طوقان أن تكتب سيرتها الذاتية بكثير من الانطلاق والجرأة والحرية، فمع أنه حق من حقوقها أن تكون ذاتًا/امرأة تعبّر عن مشاعرها ومواقفها، لكنها في الوقت نفسه ابنة وطن سليب شغلت قضيته فضاء العالم، لا أبناءه فحسب. كما أن اشتراطات الكتابة السير– ذاتية النظرية لا تترك لأي كاتب سيرة –رجلًا كان أم امرأة– أن يتخلص من إرث الميثاق الذي يفرض على الكاتب أو الكاتبة الالتزام بدلالة “سيرة ذاتية” التي يتم تثبيتها على غلاف الكتاب، مما يعطي انطباعًا بوجود اتفاق موقع عليه بين الطرفين على حد تعبير الفرنسي فيليب لوجون، أحد أبرز المنظّرين لأدب السيرة الذاتية.

وهذا بحدّ ذاته يمثل عقبة ليست بالسهلة أمام كاتبة السيرة الذاتية تحديدًا، فالحلم لا تحده حدود، ولا يقف عند حواجز وأسوار، لكن الذات تصطدم بواقع الموضوع: المجتمع، الموروث، الممانعة، الأهل، خبرات الطفولة وجراحها، جراح الوطن… إلخ. أما القارئ فهو دائمًا يمنح نفسه حق القراءَة والتأويل، وقد أشار فيليب لوجون نفسه، وهو يتأمل إشكالية الميثاق في أدب السيرة الذاتية، إلى أن هذا الميثاق “لا يمنع القارئ الواقعي من اختيار صيغ قراءَة مختلفة عن الصيغ المقترحة عليه.” 

تمثل سيرة فدوى طوقان الذاتية سيرة الحزن بأبعاده الذاتية والموضوعية، الحزن المتراكم المتداخل نتيجة عدم رضا عمّا يحياه مجتمع الحريم في مدينة هي كالقرية لا أكثر ولا أقل، فضلًا عن كونه حزنًا ناجمًا عن إحساس إنساني بالنقص أو الحاجة إلى الآخر. لقد اعترفت فدوى طوقان بأنها عاشت لسنوات على حافة وعي الآخرين الطيبين، مثل شقيقها إبراهيم طوقان وصحبه، ولم تجد بأسًا في الإفصاح عن نموذج تراثي تلبَّسها أو تلبّسته، فمثّل في لا وعيها آنذاك صيغة ترضي الجانب الطيب في المجتمع الذكوري من جهة، ولا تهدد بخدش كبرياء الجانب الشرير في هذا المجتمع من جهة ثانية. إنه نموذج “دنانير” جارية يحيى البرمكي. تقول فدوى طوقان: كنت أوقّع قصائدي الغزلية باسم دنانير وأبعث بها إلى مجلة “الأمالي”
حيناً وإلى مجلة “الرسالة” القاهرية حيناً آخر. كانت كلمة الحب تقترن في ذهني بصورة الفضيحة والعار، فهذه هي الصورة التي طبعتها في نفسي البيئة المحيطة منذ الصغر.

ومن هذه الأرض، أرض الرفض والانتقاد، أرض المعركة، كما تسميها فدوى، تنطلق الإرادة وينطلق الحلم. الإرادة التي تدفع بالمرأة إلى أن تكون هي، والحلم الذي يقودها إلى آفق آخر، أفق مغاير في بيئة زمانية ومكانية تحجب كل أفق! الأفق الذي كانت تبحث عنه فدوى، وربما ملايين النساء العربيات. وكما يحدث في نطاق المجتمع، حيث تكون الرقابة المستبدة والقمع والقهر سببًا في خلق بنية تتركب من ثنائية الخضوع والتمرد معًا. كذلك يحدث ضمن نطاق الأفراد، فالفرد الذي ينمو في مناخ الشرطة السرية والسلطة العائلية المستبدة ينشأ بتركيب نفسي. 

غير أنّ بوسع كاتب السيرة في حالات معينة يتفق فيها اختياره مع مزاجه، أن يعبّر عن بعض مشاعره دون تشويه مشاعر بطله. وفي مثل هذه الحالات يلجأ الكاتب إلى التلويح والتلميح، وإخفاء هوية أبطاله في أحايين كثيرة، والاكتفاء بالرمز لهم بحروف معينة، فعلى سبيل المثال نقرأ عند فدوى شيئًا من هذا الترميز: “وكان شقيق الروح AG جنة لقيت في ظلها الهدوء والسلام، والراحة والسكينة. إنسان مؤنس، وديع بجانبه كان يغيب شعوري الدائم بأني قد أُلقي بي في عالم أقوى مني.

ويمكن أن يكون هذا الحسّ الذي يُعلي من موقع الشعور، ويرقى بالعاطفة وتجلياتها عند فدوى طوقان، انعكاسًا واضحًا لطاقتها الشعرية، وما تتضمنه هذه الطاقة من إشراقات ذاتية، تستعين بها الشاعرة للتعبير 

إرباكات القهر الاجتماعي والنفسي والأسري. حيث تلجأ المرأة إلى الطاقة الشعرية الكامنة فيها – في حال كونها شاعرة كفدوى– لتغرف منها في كتابتها السيرة الذاتية، وقد مرّت فدوى بالكثير من ظروف القهر النفسي والاجتماعي التي يمكن تلخيصها اعتمادًا على ما كتبه صبحي حديدي في دراسته المعنونة بـ:

(الحداثة العاطفية: فدوى طوقان والريادة النسوية في الشعر العربي الحديث) وفيها يرصد جملة من الشروط التي خضعت لها طفولتها ويفاعتها، وكان لذلك أثرٌ عميق سوف يلازم معظم محطات حياتها اللاحقة، ويتكفّل بتكييف ميولها الحياتية إجمالًا، والإبداعية بصفة خاصة. فإلى جانب واقعة منعها من الذهاب إلى المدرسة بسبب استلامها رسالة غرامية من فتى مراهق، واصلت تعليمها –وخصوصًا في جانب التتلمذ الشعري– على يد شقيقها إبراهيم طوقان، داخل أسوار البيت العتيق المحافظ، الذي كانت ترى فيه “حظيرةً كبيرةً تملؤها الطيور الداجنة“. وتقف هذه السيرة على سلسلة من السياقات الاجتماعية والعائلية والنفسية التي تشخّصها طوقان كما يلي:

– خرجتُ من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعدّ لتقبّلي. حاولت أمّي التخلّص منّي في الشهور الأولى من حملها بي، كرّرت المحاولة، ولكنها فشلت.

– لم تكن الظروف الحياتية التي عاشتها طفولتي مع الأسرة لتلبّي حاجاتي النفسية، كما أنّ حاجاتي المادية لم تعرف في تلك المرحلة الرضا والارتياح.

– للتندّر والفكاهة وإطلاق النعوت الجارحة عليّ: “تعالي يا صفراء، روحي يا خضراء”.

– تُرى، هل ربطت أمّي مقدمي إلى العائلة بالنحس الذي طرأ عليها، أعني إبعاد الإنكليز لأبي إلى مصر منفيًا عن عائلته ووطنه؟

– كان التصاقي بخالتي أكبر وأعمق من التصاقي بأمّي؛ كنت أتمنى دائمًا لو أنني ابنة لخالتي وزوجها، وظللت أكره انتمائي إلى العائلة التي جعلني سوء الحظ واحدةً من أفرادها. لقد كنت أفضّل دائمًا الانتماء إلى عائلة أقلّ غنى وأكثر حرية.

 – وإذا كنت قد التصقت بخالتي أكثر من التصاقي بأمّي، فقد كان التصاقي بعمّي الحاج حافظ أشدّ وأعمق من التصاقي بأبي.

– البيت أثريّ كبير من بيوت نابلس القديمة، يذكّرك بقصور الحريم والحرمان، وقد هُندِس بحيث يتلاءم وضرورات النظام الإقطاعي. في هذا البيت، وبين جدرانه العالية التي تحجب العالم الخارجي عن جماعة “الحريم” الموءودة فيه، انسحقت طفولتي وصباي وجزء غير قليل من شبابي.

– وبدأ يتكثّف لديّ الشعور الساحق بالظلم. كان الانتحار هو الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أمارس من خلاله حريتي. أمّا من الناحية الأخرى، فقد تعوّدت على الانكفاء على النفس والغياب داخل الذات. رحت أتحصن بالعزلة. كان لي عالمي الخاص الذي لا يمكنهم اقتحامه، ولقد ظلّ هذا العالم موصدًا أمامهم ولم أسمح لأحد باكتشافه.

_ ثم أصبح أنا نفسي غريبة عن نفسي، وأغرق في حالة غريبة جدًا من اللاحضور واللاشيئية”(24)

وأصبت بمرض بغض السياسة، إذ لم أكن متحررة اجتماعيًا، فكيف أستطيع أن أكافح بقلمي من أجل التحرر السياسي أو العقائدي أو الوطني؟ 

إنّ الكتب وحدها لا تكفي كمصدر لمعرفة الحياة، وما في العلاقات البشرية من تعقيد وتصادم.. علينا أن تحيا في الحياة ذاتها، فتجاربنا الخاصة تظل هي الينبوع الأصلي لتلك المعرفة. 

وحتى تكتمل الصورة، أعود إلى نص سابق في رحلة طوقان، يضعنا أمام أبشع صور القسوة والتعسف الأسري والاجتماعي الذي يمارسه المجتمع الذكوري على الفتاة/ المرأة. تقول فدوى: 

“في عام 1939 حانت لي الفرصة لتعلم اللغة الإنجليزية وسمح أبي لي ولشقيقتي بأخذ دروس خصوصية لدى فتاة مسيحية تخرجت حديثًا من مدرسة “الفرندز” في رام الله. أخذنا الدرس الأول، ثم صدر قرار بالتوقف، فقد اعترض بعض أرباب العائلة على هذا الأمر الناشر، وكان أبي حريصًا على إرضائهم.  

لقد كانوا يرتدون الزي الأوروبي، ويتكلمون التركية والفرنسية والإنجليزية، ويأكلون بالشوكة والسكين، ويقعون في الحب، ثم يقفون بالمرصاد كلما حاولت إحدانا تحقيق إنسانيتها عن طريق التطور الطبيعي أو التطلع إلى الأفضل والأحسن، كانوا يمثلون –خير تمثيل– جمود الإنسان العربي وعجزه الكلي عن الاحتفاظ بشخصية واحدة غير مشطورة، كنت أقف دائمًا موقفًا سلبيًا مستسلمًا، فما ملكت يومًا الصوت الجريء لأرفعه أمامهم بالاحتجاج. وهذا ما ينطبق على ملايين الفتيات والنساء الأخريات ممن قضين حياتهن بمثل هذا العجز والخوف واللا إرادة”.  

إنّ مثل هذه المشاهد واللقطات في السيرة الذاتية للمرأة العربية تدلل على وعي حضاري وثقافي بدأ يتأسس لدى المرأة، ويكوّن ثقافة مغايرة، بل يعيد صياغة “الخطاب” وشكله، حيث يوضح الناقد والمفكر الفرنسي ميشيل فوكو “أنه ليس لدينا الحق في أن نقول كل شيء، وهذه المنظومة الراسخة المتجذرة لا يمكن تفكيكها إلا بدخول الهوامش بخطاب أصيل، يأخذ مواقعه إلى حيز المنظومة المركزية هذه“، حيث تعد الكتابة الإبداعية النسوية، شعرًا، وسيرة ذاتية، ورواية، ومسرحًا، وغير ذلك، أبرز مكونات هذا الخطاب ومؤثثاته التي بدأت تأخذ مكانها، وشرعيتها، في جسد هذه المنظومة.

“لم يُسمح لنا بتغيير ملابسنا، خطفنا معاطفنا من الخزانة بسرعة، ووضعنا أغطية رؤوسنا كيفما اتفق، وخرجنا إلى السوق مع بقية الرجال والأطفال في حيّنا “حي الياسمينة” وبحسب أوامر الجيش سار الرجال في طريق، وسارت النساء في طريق آخر، كان بين النساء نفساء في يومها العاشر، تسكن بجوارنا، رأيتها وهي ترفع وجهها المحجب إلى أعلى فيبدو عنقها الأبيض، وبعض خصل سالفيها الحمراء، قالت وهم يتحسسون لفائف المولود الجديد: (ربي يكسر جاهكم ويرمل نسوانكم) قالتها بلهجة نابلسية أصلية، ناطقة الميم نونًا كما في اللهجة العامية، أما عمتي الشيخة فكانت تحت وطأة نزلة صدرية حادة، ولا تقدر على السير، فحملها جارنا الدحدوح؛ بائع الخضار على ظهره ومشى في موكب النسوة، إن منظر الشيوخ والطاعنين في السن في مثل هذه المواقف، يثير في النفس من المشاعر المرّة والحزينة ما لا يثيره الفتية والشبّان.. ورأيت في صف الرجال رجالًا عُرفوا بالشدة والنزق والعنجهية، فشعرت بتناقض وجودهم في المشهد الذليل”.

يشير المشهد الذي تتذكره فدوى لسنوات عديدة، إلى عمق إحساسها، وحساسيتها الفائقة لما يحدث حولها، إذ لم يمر ذاك المشهد، وما تعلق به مرورًا عابرًا، بل حفر في أعماقها علامة قاتمة لا يمكن أن تنمحي على مر الأيام. 

وكما مثّلت “رحلة جبلية.. رحلة صعبة” سيرة الذات والروح، مثّلت أيضًا الحكايات البطولية، وأخبار العنف والموت والاعتقالات والنفي والخيانات والمظاهرات. وكانت تعلق مؤكدة أنّ بكاءها مردّه عجزها عن الاندماج في هذه المظاهرات، والمشاركة الفعلية في الالتحام بالجماهير الثائرة.  

وربما كانت المسألة الإبداعية النضالية هي “غرفة فدوى طوقان” في هذه السيرة، على حدّ تعبير فرجينيا وولف: إذا أرادت امرأة الكتابة فعليها أن تمتلك غرفة تخصّها وحدها. 

“كان وجه القاص توفيق فيّاض من أوائل الوجوه التي هلّت عليّ في ذلك الحين، وانعقدت بيني وبينه صلة مودة وصداقة. وكان حينئذ يقاسم محمود درويش وسميح القاسم السكنى في البيت نفسه، وكان ثلاثتهم يتقاسمون الجوع والحياة الصعبة. وكان توفيق يوافيني بجريدة الاتحاد، وبمجلتي الجديد والغد، وكانت هذه الصحف السياسية التقدمية محظوراً توزيعها في الضفة والقطاع. ومن خلال هذه الصحف تعرفت على إميل حبيبي، والدكتور إميل توما، والأستاذ صليبا خميس، وعلي عاشور، وسواهم من رسل القوة وأعداء الضعف والانهيار”.

مثّلت “المعرفة” منقذًا يشدّها وينتشلها من مرارتين: مرارة قمع الاحتلال، ومرارة سلطة المجتمع الأبوي الذكوري التقليدي بأعرافه وأفكاره. زد على ذلك كله أنّ فدوى كانت تتلوى بمرارة أخرى إضافية، هي مرارة المسؤولية الأدبية تجاه وطنها وجمهورها الشعري. حتى الصهاينة واليهود أنفسهم كانوا يقرؤونها ويتابعون أشعارها؛ ففي خطابه في قصر الثقافة قرأ وزير الدفاع الإسرائيلي “دايان” بعض أشعارها، واقترح إقامة أمسية شعرية لها في المكان نفسه. وكتبت الصحافة الإسرائيلية عن كل حركات فدوى وسكناتها، وكانت وكالة “عتيم” تنشر في كل مرة خبر عبورها الجسر. نُشرت قصائدها في الصفحة الأدبية في جريدة هآرتس، ونُشر عن وساطتها لأجل السجناء، وضد نسف البيوت. أوقفوها عند الجسر، وأجروا تفتيشًا في دارها. 

وهذا يؤكد ما ذهب إليه العرب والمستشرقون، من أنّ فدوى طوقان كانت مثالًا للمرأة المستقلة التي حققت خصوصيتها في الأدب العربي، وشكّلت نبراسًا لنساء العرب اللاتي جئن بعدها أو عاصرنها في تجربتها النسوية التي مكنتها جاهدة أن تحقق وجودها، وكينونتها شعرًا وسردًا.

فمثلما حققت فدوى طوقان حضوراً فكريًّا وأدبيًّا محلّيًّا وعربيًّا، حققت أيضاً حضوراً عالميًّا، جلب لها جماهير وصداقات من أرجاء العالم، اعترافاً بحسّها الوطنيّ والإنسانيّ الكامن في أدبها، أو بالأحرى في شعرها الذي انسجم مع ما أسماه صلاح فضل في كلامه عنها، بأنّها حققت “مفهوم الشعر الحديث الذي يتأسّس على قطبي التعبير والتوصيل، وهما جانبا الفن والفكر باتساقهما وتلازمهما بما يشبه تلازم وجهي العملة الواحدة، بل شكلت أحيانًا معادلًا فنيًا لما يضطرب في داخلها من مشاعر لا تستطيع التصريح بها بسبب الحياء الذي تربت عليه الفتاة الشرقية، لهذا بدت لغة الحب لديها لغة علوية مسّيجة بالحياء الشرقي. 

فبالرغم من أنّها في “رحلة جبلية.. رحلة صعبة سجّلت الكثير من المؤاخذات والإدانات والاعتراضات على واقع المرأة العربية الشرقية، ابنة المجتمع الفلسطيني أو المجتمع العربي على وجه العموم، فإنّها، برغم هذا كله، لم تتمكّن من تسجيل درجة عالية من البوح عن حياتها العاطفية والشخصية بسبب قيود كثيرة. وآثرت في الرحلة الأصعب أن تتحدّث عن إبداعها وتجربتها الأدبية وما أحاط بها، حتى ذهب بعض الباحثين إلى تسميتها “سيرة الأدب والمقاومة والصمود”.

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply