عامر الطيب: دوره في اللعبة

إذا كنتَ تقرأ كتاباً

فمن الجيد أن تنهيه الآن 

بما أن القذائف ستدك سقف الحجرة 

الجنود سيرشقون النوافذ بالرصاص

المصورون سيوثقون الغبار متطايراً

في ملاحقة الغيم 

الأطباء لديهم ما يكفي من الوقت لتحليل بقع الدم على الحجر

الآثاريون لاحقاً

سينقبون لمعرفة ما إذا كنت تقرأ 

الكتاب فحسب أو تصنع له الهوامش..

*

إذا كان الكتاب تاريخياً

فلم لا تستعجل بمطالعته؟ التاريخ هو ما أنت بصدد النجاة منه الآن، 

إذا كان الكتاب فلسفياً

فإن حياتك لم تعد تسع التحديق فيما خلفها، 

إذا كان شعرياً

فلم لا تتخلى عنه قليلاً 

لأن الشعري من الأزمنة هو ما يمنع عنك الموت، 

أما إذا كان كتاباً في الجغرافيا

فإن البوصلة لا تشير إلى أن هذا هو وطنك

اللائق على أية حال، 

وليكن كتاباً دينياً  

ما المانع من أن تكون الآلهة

قد تواطأت في ترتيب مشهد موتك الأخير، 

كلا إنه كتاب بدائي عن الحياة، 

“كتاب الحياة المزدوجة” هذا هو اسمه

ولا حيلة لأن تنهيه قبل موتك

أنت بمثابة الميت في منتصف الصفحة الأولى.

*

أمضيتُ دقائق

في شرح كلمة “مشرئب” لطفلتي

عمدتُ إلى تقطيعها بقسوة

لتبدو كلمة خاملة،

رفعت ميمَها

لأنها كلمة منحنية وستظل كذلك، 

كلمة مثل تلك لن تزهر

في قبو

ولن تتماثل لأشعة الشمس

إلا بعد تشقق الألسن، 

كلمة مثل تلك

ستموت بوضع مشدود نحو الأعلى.

*

دعني أتعلم كيف أختنق

في الريح الباردة، كيف أكون قد ارتويت كفاية من الموت الجميل 

وقد أنجزتُ الرهان في حياتي

تلك هي الرسالة التي أحررها الآن 

حزيناً ولاهياً. 

دعني أنهي سنوات خدمتي

مساء هذا اليوم

ثم أعود إلى إنسانيتي خائباً

لأنتقي صليباً خفياً كأرواح متشابكة

دعني أبدو مسيحياً أكثر هذا الحد! 

*

طوال الوقت 

ألاحقك بعينين صفراوين

الخوف من الزهور

لأنها ستذبل فجأة، 

من الأبواب لأن خشبها لن يعود مجازاً ذات يوم، 

من وداع أبي لأنه لن يحدثني

عن البروق وقد أغمض عينيه.. 

طوال الوقت أفعل هذا، لكنك في الظلام

تنفلتُ من محبتي لك 

ذلك أن من يملك ظلك يملك قدميك.

*

في الوضع البشري القادم

سيتم تصنيف قصائدنا إلى قصائد

صالحة للاستهلاك

وأخرى تنفع للزينة

وعلى هذا الأساس ستربط القصائد على أجهزة

نابضة من أجل فحص حرارتها

وإذا أردت التكهن بشأن قصائدي

فأنا أطمح أن تصير ساذجة

ككلمات ترحيب

ومجهولة كنجوم الشحاذين. 

*

أصنف نفسي شاعراً

من أخمص القدم

إلى الرأس

ليلاً ونهاراً وفيما بينهما من وقت ضائع، 

في الإقامة 

وفي الرحيل. 

أصنف نفسي شاعراً

عبر الكتابة وعبر محاولات طمس

الأحرف

أنا صانع خرائط زائفة

يتيح لي الشعر أن أستوطنَ

بلداناً حقيقية

بأصابع اليد.

*

أجمل شيء تهبه

لغريب هو الدم، أجمل شيء

تنتزعه من محبوب هو الدم، 

حتى تلك القصيدة التي ترمق كلماتها الآن 

إنها لا توجد

إذا لم تكن من دم بشري

ذلك أننا بذبح الكلمات الأخيرة 

نثأر للمعنى. 

*

لا تتفق معي إلا على شيء وحيد:

أنك لم تكن ملائماً لي

إلا إذا كان الجرح ملائماً للظلام

تعرف أن لا رابط بينهما

لكن دعني أفسر لك، 

في الظلام تمسي الجراح مرئية

لأننا نصاب بهوس تحسسها

هل فهمت ما معنى هذا؟

يعني أنك أفرطت بإهدائي جراحاً خارقة لأرى.

*

كان أروع وطن

أيام ما كنا صغاراً نتجول حفاة

مرددين نشيده الأليم

نهبه الدم والدموع

القمح وزرقة الجلد وخيبات النهر 

نهبه وقتنا الضيق في القبو

وخوفنا على عدونا من خوفنا منه

وحبنا المؤسف الذي يبلغ الحجاب الحاجز

كان أروع وطن

لأننا كنا نلعب معه مساء العطل 

نعرج بأقدام اصطناعية

ليصدق الحيلة ويسعفنا

ثم يجيء دوره في اللعبة 

فينزع قدميه.. 

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like