شادي لويس: صنع الله إبراهيم…  وداع الشيوعي الأخير

آمنا أن الشيوعي يجب أن يكون قدوة لغيره في السلوك والخلق وأن يحقق اتساقاً بين حربه ضد الاستغلال وحديثه عن العدالة الاجتماعية وبين حياته الخاصة. وبدت قيم الأمانة والصدق والإخلاص والوفاء والتضحية والزهد والتعالي على المظهرية واحترام المرأة والبعد عن الغرور متسقة مع التعاليم الدينية والمفاهيم الإنسانية”.

الاقتباس أعلاه من مقدمة كتاب “يوميات الواحات”، الذي جمع فيه صنع الله إبراهيم النصوص المتفرقة والملاحظات والمقتطفات التي دونها بحبر أحمر من دواء “الميكروكروم” على أوراق السجائر، وذلك أثناء فترة سجنه التي بلغت خمسة أعوام من نهاية الخمسينيات وحتى العام 1964. هربت تلك النصوص إلى خارج السجن، وبعد خروجه حملها كاتبها معه من بلد إلى بلد وأودعها مخابئ عدة خشية أن يفقدها، إلى أن جمعها وقام بنشرها بعد عقود طويلة من كتابتها. قراءة تلك اليوميات عمل عسير وأحياناً يكون مملاً، فهي تتكون من فقرات قصيرة وأحياناً جمل مفردة، ولا يربط بينها الكثير بالضرورة، قد تكون ملخص لفكرة قصة قصيرة، أو مجرد عنوان لها، أو إشارات مشفرة لحادثة وقعت في السجن، أو اقتباس طويل من كتاب عن الأدب السوفياتي، أو عبارة من مقال في مجلة فرنسية عن مسرحية ما، أو خاطرة شخصية عن معنى الأدب. لا نظام ظاهر في اليوميات، ويصعب أحياناً الجزم إن كانت العبارة المكتوبة هي اقتباس من كتاب ما، أم تعود إلى صنع الله نفسه. ويقر في المقدمة أن الأمر يصعب عليه هو نفسه، وبالأخص ومعظم رفاق السجن قد رحلوا، فلا يستطيع مراجعتهم فيما يتعلق بالأحداث المدونة.

لكن وعلى الرغم من ذلك، فمع الاستغراق في قراءة اليوميات على مهل وبقليل من الصبر، تتكشف بنيتها الداخلية ومنطق يتراكم صفحة بعد أخرى. ويمكننا الادعاء بأنه في ذلك النص المبكر، يقبض صنع الله على معنى الأدب بالنسبة له، ولا يتغير هذا المعنى أبداً لاحقاً. تتغير التقنية والأدوات والجماليات، أما ماهية الأدب نفسه فتظل كما هي… “كل شيء يمكن الكتابة عنه، ويمكن ذلك”.

“أنا شيوعي أولاً ثم كاتب بعد ذلك”، تلك الجملة المفردة لا يربطها رابط واضح بما جاء قبلها أو بعدها، ولا يمكن الجزم إن كانت اقتباساً لكاتب آخر أعجب بها صنع الله وقرر تدوينها أم إنها عبارته هو. على الأرجح كان ذلك اقتباساً، فصنع الله لم يكن قد اصبح كاتباً بعد، وإن كان قد كتب كتاباً قصيراً أو اثنين أثناء فترة عقوبته، و”نشر” نسخاً من تلك الكتابات الأولى منسوخة بخط اليد داخل السجن وفي معارض الكتاب التي أقامها السجناء في باحة محبسهم. لكن في كل الأحوال، تبقى تلك العبارة معبرة بكل دقة عما آمن به صنع الله وعما كانه عن حق. وهو ما عاد وأكده في واحد من حواراته الأخيرة، حين سئل عن انتمائه اليساري، فكرر: “أنا شيوعي”.

لم تكن شيوعية صنع الله دوغمائية أبداً، بل كوداً أخلاقياً معياره التعفف والنزاهة. وحين تعلق الأمر بالأدب كان ناقداً للنظرية الرسمية لأدب الواقعية الاشتراكية. في اقتباس آخر من اليوميات، نقرأ التالي: “كل الأدب السوفياتي ليس إلا ريبورتاجات صحفية تسجيلية”. تلهمنا تلك العبارة الناقدة إلى ما سعى صنع الله من البداية إلى تحقيقه بأدبه ونجح فيه، أي أن يقلب هرم الواقعية الاشتراكية على رأسه فيحول الريبورتاجات الصحافية ومقاطع الأخبار وعناوينها إلى أدب رفيع. 

الأهم من كل هذا، حقق صنع الله ذلك الاتساق الصعب بين ما اعتنقه وبين أدبه وبين حياته الشخصية، ولعل رفضه لجائزة الرواية العربية العام 2003 كان الحدث الأبرز إعلامياً، لكن سيرة طويلة مشحونة بالتضامن والتمرد والتواضع، كما يليق بشيوعي حقيقي، لم تكتب بعد. 

*المدن

Share:

You Might Also Like