“سورية يا حبيبتي” لزياد عبدالله: حرّاسُ الحياة في زمن الموت

صدرت عن “محترف أوكسجين للنشر” في أونتاريو، الطبعة الثانية من المجموعة القصصية “سورية يا حبيبتي” للكاتب السوري زياد عبدالله. وكما يظهر في لوحةِ الغلاف للفنان محمود ديوب، تحتشد مجموعة من الأشخاص بملامح تعبيرية متباينة وألبسة بألوان مختلفة حول شجرة مورقة تظلِّلهم؛ تتبدّى شخصيات الكتاب بقصصها وحيواتها التي تمضي عبر مسارات وإنْ تشعَّبت تعود لتحكي قصة وطن بأكمله، بتمزقاته وملمّاته، بأوراقه الخضراء اليانعة وتلك المصفرة المتساقطة. فلا رادَ لأن تمسي السيناريوهات المروّعة لما حدَث خلفيةً لما هو أبقى من الموت وصُنّاعِه؛ إنه السرد المبتكَر المُحكم لقصص تتسِّم بالعمق والقدرة على الخوض في الهوامش والمنسيات بتنويعات أسلوبية وجمالياتٍ لا تخلو من عبثية الحياة وهشاشة ِكلِّ لحظة نعيشها.


هذا ما تكشِفُه كلمة غلاف الطبعة الجديدة من الكتاب: 

في المنعطفات ثمّة من يشيّد بالمخيّلة والذكريات والمغامرات والأغنيات عوالمَ مترامية، ويجد في الحب حجةً تمنع الأشياء المتداعية من التلاشي، في الملمّات فضاءٌ رحبٌ لترميم الدمار بجماليات القص وتنويعاته، كما لو أننا حيال بشر يُتقنون العيش ولو على آخر نفس، فما الرمق الأخير إلا شريط طويل من الحياة فإذا به يصير في هذه القصص حبلَ نجاة. هذا بعض من صنيع زياد عبدالله في مجموعته القصصية الثانية هذه، بعد أربع روايات ومجموعتين شعريتين. هذا مما يضعنا حياله مستخلصًا مصائر شخصيات من لحم ودم، من واقع وخيال، ففي الهشاشة بطولة ها هنا، وفي مجابهة القسوة يحضر جبروت الرقة والنقاء، ومصائر من لهم أن يكونوا أمناء على الحياة في حصار الموت والدمار. البدايات مُحكمة ومثيرة في هذه القصص. النهايات رائعة وعظيمة، وما نملك إلا أن نقول لكم: سلّموا أنفسكم لمجراها ودفقها وتهاديها، لتوقّدها وجنونها ورصانتها، وستُكتب لكم النجاة.


أنتُم إذاً، حيال كتابٍ يكتسب وقعًا هائلًا مع كلِّ قصة، إذ يتفرَّد الغيابُ بالذاكرة والمشاعر المتضاربة والانتكاسات التي ترسم ملامح شخصياتٍ نتفاجأ بها، بنقائها كما اختلالاتها النفسية. وشخصيات أخرى لا يخفى عنّا عنفها المروّع وجنون عظمتها، وبين هذه وتلك نحصي الأخطاء الجسيمة وما آلت إليه الحياة التي عصفت بها سنين الحرب والدمار. فالرائحة في قصة “الطريق إلى حلب” هي معبرٌ إلى ذاكرةِ وحنينِ “أم عمر” التي تُقاوِم الآلزهايمر، إلى بيتها وإلى مَن فقدتهم هناك، بينما خطواتها ضائعة في برلين حيث لجأ مَن بقي من العائلة. وفي قصّة “يا وردة الحبِّ الصافي” يتكثّف الألم في عبارة واحدة، يسبقها مشهدٌ يبدأ بالاستماع إلى الراديو وأغنيات فيروز الطافحة بالحنين: “تتراءى لي خريطة الوطن أشبه بوردة هائلة كثيرة البتلات، وكلَّما ورد اسم بقعة منه مُدمَّرة، نزعت واحدة، ولأحصلَ صبيحة كلِّ يوم على وردة شبه عارية، وقد نزعتُ ثلاثة أرباع بتلاتها”. هكذا بين الحيرة والأمل، والبحث عن الذات والانتماء، والعلاقات الغامضة والمعقدة مع العالم، يبدع زياد عبدالله في التقاطِ، لا مظاهر الحرب والعنف، إنَّما تبعاتها وآثارها المترامية في مواجهة القسوة والخسارة، فيما يستحيل اليومي أسطوريًا والعادي مدعاة للتساؤل وما يُكتب لا يخلو من المفارقة والسخرية. ولا غرابة في أن تحنو الأشجار الكثيفة على عابري الطريق، وتنصهر مشاعر الناجين لتُمسي حزناً شفيفاً، بينما يمكن للكوندوم أن يغدو قنديلًا من قناديل البحر، ويحلق الغراب في سماء البلاد متحولًا تارة إلى كنار وأخرى نسرًا جارحًا.


وكانت الطبعة الأولى من “سورية يا حبيبتي” صدرت العام 2021 عن “منشورات المتوسط” في ميلانو، وجاءت في طبعتها الثانية في 160 صفحة متضمنة ستّ عشرة قصة لن تكفَّ عن مطاردتكم للعودة إليها حتى بعد الانتهاء من قراءتها، ولعلَّ هذا ما يجعلها مجموعة قصصية مبتكرة ومدهشة، إذ لم يقف فيها زياد عبدالله عند الحدث بل تعداه إلى ما يشبه الخلاص رغم رعبه وغموض مصائره، مستندًا إلى أبطال هم حرّاس الحياة رغم حصار الموت والدمار المتجدد.


ومن الجدير ذكره أن زياد عبدالله مؤسس مجلة ومحترف أوكسجين. صدر له العديد من الروايات: “سيرة بطل الأبطال بحيرة الانكشاري ومآثر أسياده العظام (1984 هـ)” – (2019)، و”كلاب المناطق المحررة” (2017)، و”ديناميت” (ط1: 2012. ط2: 2018)، و” برّ دبي” (ط1: 2008. ط2: 2018). وله في القصة القصيرة: “سورية يا حبيبتي” (ط1: 2021)، و”الوقائع العجيبة لصاحب الاسم المنقوص” (2016). كما صدر له شعرًا: “ملائكة الطرقات السريعة” (2005)، و”قبل الحبر بقليل” (2000). من ترجماته: “محترقًا في الماء غارقاً في اللهب -مختارات من قصائد تشارلز بوكوفسكي” (2016)، و”طرق الرؤية” لجون برجر (2018)، و”اليانصيب وقصص أخرى” لشيرلي جاكسون (2022). وله أيضاً كتاب مختارات من التراث العربي بعنوان “الإسلام والضحك -نواضر الخاطر في كل مستطرف باهر” (2018). صدر له عن محترف أوكسجين للنشر “لا تقرأ هذا الكتاب إن لم تر من السماء إلا زرقتها” (2023).

المدن

Share:

You Might Also Like