تمثل إعادة قراءة صبا محمود اليوم أهمية منهجية وأخلاقية في ظل خطابٍ أكاديمي وسياسات خارجية نسوية لم تزل تؤطر دراسات المرأة والمجتمع والسياسة في سياق الشرق الأوسط ضمن ثنائيات “النكد المعرفي”، تحديدًا ثنائية “القهر والمقاومة”. يفترض هذا الخطاب أن أي فعالية نسوية إنما لا بد أن تمر بطقوس العصيان على القيم الدينية والثقافية، ومن ثم لا يعتبر “التخلق الواعي” داخل تلك المنظومات جزءًا من سجل الفعالية النسوية، ولا محلًا للدعم والمساندة، فضلًا عن افتراض كونه تهديدًا للنسوية الكلاسيكية في أنقى صيغها الإمبريالية.
وهكذا تنحصر الفعالية في النظريات السائدة في كسر سلطة الأب والزوج وذكورية الدولة، ولا يمتد غالبًا لنضال قومي أو سياسي ضد الاستبداد والمحتل، إلا إذا كان المحتل روسيًا وكانت النساء من بيئة ثقافية وقيمية مقاربة للغرب، أو لو كن مجندات بالجيش الإسرائيلي ويخدمن مركزية الرجل الأبيض في الأراضي المحتلة (!)، أما لو كن نساءً من منظور ثقافي وديني مغاير، فالوضع يختلف. ولا عجب أن هذا ما أخرس صوت الحركات النسوية العالمية عن دعم القضية الفلسطينية، فالطبيبة التي تواجه رصاص الاحتلال وتهديداته بالقتل وتصر على معالجة المصابين، أو التي تلقي بحياتها للتهلكة كي تنقذ ذويها ومرضاها، أو من يموت أبناؤها جوعًا وبين يديها، كل هؤلاء يمارسن طقوس الشجاعة اليومية في الرعاية والطب والتعليم والإغاثة والحفاظ على العائلة والجوار، إلا أنهن لا يدخلن في نطاق “الفاعلية النسوية feminist agency” إلا إذا أعلن التمرد على أعراف الدين والمجتمع، وحينها تنشر كبريات الصحف اليومية معاناتهن لا من الاحتلال والتشريد والقتل والجوع، بل من قمع القيم الثقافية والدينية.
من هنا يكتسب نقد صبا محمود لواحدة من أشهر النظريات انتشارًا في الدراسات النسوية، نظرية “الممارسة والخلخلة” لجوديث بتلر، قيمة تفسيرية مضاعفة. ترتكز نظرية بتلر على افتراضات الفردانية والاستقلال بالقرار (autonomy) وتحقيق الذات (الفردية)، ومن ثم تصوير القيم الثقافية والدينية عبئًا على النساء لم يزلن في “نضال” التخلص منه بمجاراته حينًا وتقمصه ونقده حينًا ثم خلخلته والانقلاب عليه! من هنا تأتي بعض مداخلاتها الهامة عن الجندر – الدور الاجتماعي – كونه ممارسة عبر تكرارات أدائية، تمثل كل منها فرصة إعادة “التمثيل” و”إعادة الدلالة”، فتُفهم الفاعلية باعتبارها خلخلةً مستمرة للمعيار (Butler 1990; 1993; 1997).
لا ننفي أن لهذه المقاربة مزايا مهمّة، حيث تنفي الطبيعة الحتمية للدور الاجتماعي بناءً على الجنس، وتركز على الجوانب المنتجة للقوة المجتمعية على هويات الأفراد، وأن عملية “التكرار” تحرك آلة التغيير المجتمعي، وتوسع معنى الفاعلية النسوية في إطار هيمنة القيم الثقافية والدينية بعيدًا عن أشكال النضال التقليدية، بحيث يكون استبطان القيم ومجاراتها ضمن مظاهر هذا النضال، كما توسع “نتائج” تلك الفاعلية بعيدًا عن تيلولوجيات “التقدم” في المنظور الغربي.
ومع هذا، يبقى الإشكال الأهم في إنتاج بتلر في حصر فعالية المرأة مرة أخرى في ثنائية الفعل – وإلغائه، وتطبيقها في مناهضة النساء للأعراف القيمية وخلخلتها، كما تكرس فرضية الفصل بين الأخلاق وذات الإنسان وتعتبر القيم الدينية والثقافية ضربًا من ضروب ممارسة قوة الجماعة على المرأة، ومن ثم تبرير وتنظير مقاومتها لتلك الأعراف بمجاراتها حينًا ثم الانقلاب عليها لخلخلتها.
لا يغيب تصوير المرأة في صراع أزلي وأصلي مع الدين والمجتمع عن خطاب سياسي عبر عنه سابقًا بوش الابن حين أراد تبرير غزو العراق عام 2003، ومجددًا نتنياهو في حديثه عن أن هدفه من الحرب على غزة هو تحريرها وتحرير النساء من حماس، كأنما لا عدو للمرأة العراقية والفلسطينية إلا صدام وحماس، وكأن الاحتلال لا يقصف المدنيين، لا سيما النساء والأطفال، ولا يستنزف الموارد الطبيعية والمادية ويفقر تلك البلاد بشكل ممنهج.
يعيدنا هذا كله مجددًا إلى صبا محمود التي لا يزال كتابها المنشور عام 2005 “Politics of Piety” نصًا حيًا بمواجهة الخطاب الأكاديمي والسياسي النسوي. تؤطر محمود دراستها في نقد استبعاد فعالية المرأة العربية والمسلمة حينما تتوافق مع أعراف وقيم المجتمع وحينما لا تستبطن فرضيات الفردانية والاستقلال بالذات والنضال لأجل التحرر من القيم. ومن خلال دراسة إثنوغرافية لما أسمته مجتمع المساجد في القاهرة منتصف التسعينيات، نشرت بعنوان Politics of Piety (2005)، طورت نموذج فوكو للذات والأخلاق في فصلها بين الأخلاق كقواعد سلوكية وبين التخلق من خلال تقنيات الممارسة التي تقوم بها النساء الإسلاميات بصنع ذواتهن الدينية يوميًا عبر روتين جسدي وسلوكي يتكرر بشكل يومي منتظم، باعتبار ذاك مسارًا لخلق الذات الأخلاقية.
تفيد الدراسة كيف تتدرب النساء على تحقيق الاتساق بين النوايا والرغبات والسلوك والمظهر والوقت والمال والروحانيات كما العبادة والمعاملات اليومية، أي اتساق ذلك كله مع النموذج الأمثل للتقوى في مخيالهن. وبهذا يعيد نموذج “التقوى” تشكيل المجال الخاص والعام، ويشكل موازنات القوة بالمجتمع والدولة، كما يعيد تنظيم المجال الشخصي والاجتماعي بما يغير أعراف النقاش حول “ما ينبغي أن يكون”، ويمتد من مواجهة حملات السلطة السياسية لتأميم الدين حتى طريقة إدارة اقتصاد الأسرة وتربية البنات والتكافل الاجتماعي وغيره.
في هذا كله، تؤكد محمود أن فعالية النساء ليست “مقاومة” للقيم الثقافية والدينية أو نضالًا يستبطنها بهدف الانقلاب عليها أو ممارسة منفعية وبراغماتية كما تتجه بعض الدراسات (MacLeod, 1991; Zuhur, 1992)، بل تظهر في تقنيات أخلاقية طويلة المدى وشديدة التأثير تنتج ذواتًا قادرة على الفعل والمحاججة والدفاع عن الأنموذج الذي يردن تحقيقه. كما لا تبدو هنا النساء دمى للرجال أو “مغيبات الوعي” كما تصورهن النسوية الكلاسيكية وأدبيات الاستشراق التي لا تزال تشكل فرضياتها، بل تتشكل الذات والرغبات والسلوك بالقيم الدينية تشكلًا واعيًا ويستعملنها في تحقيق أنموذج التقوى النابع من فهمهن الخاص، حتى وإن تعارض حينًا مع الممارسات التي تلوي أعناق النصوص لتكريس سلطة الرجال.
صدر كتاب صبا محمود في وقت لم تكن فيه عولمة الاتصالات قد أخذت مأخذها من تشكيل الهوية ومنطق الزمان والمكان. فعلى مدار 20 عامًا أو يزيد، تغيرت نماذج “التقوى” في مخيال المجتمعات العربية بدقات الساعة، كما صار الأنموذج نفسه (telos) ينبع من روافد هوياتية مختلفة يتمازج فيها الدين مع الحداثة وسوسيولوجيا العمران وعشوائيته، وكذلك دون حصر طقوس العبودية الحديثة في الاقتصاد والسياسة العالمية. ولكن تبقى دراسة محمود صرخة من داخل التصور الليبرالي لحرية المرأة، تلك الحرية التي لا يراها عالم الأكاديميا والسياسة إلا من اقتراب “القهر والمقاومة”، ويكاد لا يذكر إلا مقترنًا مع غزو استعماري أو احتلال استيطاني يسرق الأرض والتاريخ.
إن العودة إلى كتاب Politics of Piety اليوم ليست تمرينًا أكاديميًا، بل احتياج منهجي ومعرفي يحرر سؤال الفاعلية النسوية من ضيق الثنائيات لأفقٍ يرى في صناعة الذات الأخلاقية وجه الصمود والإصرار على الحياة. بتعبير آخر، تعيدنا محمود لفهم كيف أن ممارسات الرعاية والصبر والتخلق إنما تنتج قدرةً سياسية على إبقاء العالم قائمًا تحت شروطٍ صُمّمت لتفكيكه وإنهائه، حين تُصرّ معلمة على متابعة الدرس في خيمة نزوح، وتُعيد الأمّ تنظيم اقتصاد الأسرة تحت الحصار، وتُدير الطبيبة شبكة رعاية بدائية تحت القصف – هذه الممارسات ليست تكتيكات للانقلاب على القيم، بل مشاريع أخلاقية واعية تعكس ذواتًا قادرة على الفعل وإدامة الحياة حين يصمم المحتل على استحالتها.
مراجع المقال:
- Butler, J. (1990). Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge.
- Butler, J. (1993). Bodies That Matter: On the Discursive Limits of “Sex”. New York: Routledge.
- Mahmood, S. (2005). Politics of Piety: The Islamic Revival and the Feminist Subject. Princeton, NJ: Princeton University Press.
- MacLeod, A. (1991). Accommodating Protest: Working Women, the New Veiling, and Change in Cairo. New York: Columbia University Press.
- Zuhur, S. (1992). Revealing/Reveiling: Islamist Gender Ideology in Contemporary Egypt. Albany, NY: State University of New York Press (SUNY Press
ضفة ثالثة
