تعيش سورية اليوم مرحلة تأسيس دستور ينظم الحياة فيها، بدءا من الإعلان الدستوري المؤقت، لضبط الفترة الانتقالية الحالية، وصولًا إلى ضبط القوانين التنفيذية الناظمة. ومن الطبيعي، أن يسهم مفكرون وقانونيون ومتخصصون في طرح رؤاهم، للإضاءة على المحددات الأساسية التي تؤسس لعمل توافقي يحمي الحقوق الطبيعية، وينهي العمل بنظام حكم شمولي، لتجنب ما كان سائدًا خلال العقود الستة الماضية، فالسوريون بحاجة إلى جني ثمار ثورة راح ضحيتها مئات آلاف الشهداء والمغيبين، وتشرد بسبب عنف النظام الأسدي نحو نصف الشعب السوري.
والأفكار التي يطرحها معنيون بالبحث وهي مجردة من أي اصطفاف سياسي أو ديني تزيد من وضوح الرؤية عند المؤسسين أو المكلفين بكتابة النصوص الدستورية، وخاصة عندما تكون اللجان المعينة ليست ذات اختصاص أكاديمي دقيق بما كلفت به، رغم أنها قد تكون من ذات المجال الدراسي الحقوقي، لهذا فإن الاستعانة بالخبراء واستشارة طيف واسع من العاملين على مدار العقود بهذا الشأن لا ينتقص أو يقلل من مكانة أحد، إذ تستخدم كبرى منصات البحث الأكاديمي عمليات تقصي الآراء لما تضيفه من حداثة وسد للثغرات التي قد تحدث في أي عمل.
لهذا يحسب لمن يطرح بجرأة ومهنية ورؤيا وطنية العناوين الأساسية التي ترفع عن الإعلان الدستوري وما يتمخض عنه لاحقًا من تعديلات في القوانين حالة التشتت والغموض والانفلات التأويلي وفيض الشروحات، حيث يجب أن تكون كل عبارة فيها جامعة مانعة، من هنا علينا تقدير ما شاركنا به الدكتور عزمي بشارة على صفحته في فيسبوك في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2024 حين أكد على ضرورة أنه “يفترض أن يعلن السياسيون عن موقفهم منها لأنهم سوف يشاركون في صنع الدستور، أو قد يستفردون بصنعه، فالدستور لا يكتب نفسه”، داعيا في ذات الوقت إلى تأكيد المساواة بين المواطنين بغض النظر عن الجنس أو الدين أو المذهب.
وهذه المقاربة لحقيقة ما يريده الشعب السوري، قد لا تتحقق، في ظل الإبقاء على شعار يتداوله العامة “من يحرر يقرر” وتدافع عنه حملات موجهة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تشجع مثل هذه العبارات على الاستفراد بالحكم، وتهميش النضال السلمي لحساب السلاح فقط، متمثلين لعقل الفصائلية التي أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع ضرورة الانتقال منها إلى عقل الدولة، وهو لن يتحقق إلا بصياغة إعلان دستوري يتوافق مع إرادة السوريين في دولة مؤسسات وقانون وحقوق مواطنة متساوية متجاوزة فكرة الأغلبية الحاكمة، لأنها في كل مكان قد تكون متغيرة، أو كما عبر عنها “أغلبيات طارئة” ويجب أن تكون الدساتير فوقها، إذا أرادت السلطة الحالية أن تبقى حاكمة لكل السوريين، وليس لمن يقبل فكرة عجائبية بعد ثورة حرية دامت 14 عامًا مفادها أن “من يحرر يقرر”.
إن أي محاولة لصياغة إعلان دستوري أو دستور، قابل لفتح الاحتمالات في تأويلاته حول قضايا جوهرية (تتعلق بالحياة والمساواة وحقوق المرأة والطفل والحريات الشخصية والجمعية والفصل بين السلطات، وطرق بناء الموازنات المالية والاقتصادية، وطبيعة العلاقات الخارجية وآلية انتقال السلطة ومدة الفترة الانتقالية) من شأنه أن يربك المجتمع ويحيلنا من جديد إلى مناقشة حقوق المواطنة من أصغر معانيها إلى أوسعها، ما يمكن أن تتعدد به أشكال وطرق الاعتراض عليه، وهو ما قد يأخذنا إلى حالة فوضى، قد لا تحمد عواقبها، في دولة هشة اقتصاديا، ومرتبكة اجتماعيًا، وتتربص بها فلول من الفاسدين والمنتفعين من نظام مخلوع، وتلعب أصابع العدو الاسرائيلي بأساسيات استقلالها، وهذا ما عبر عنه بشارة في ذات منشوره: “إن الخطاب الغامض أو الموارب بشأن هذه القضايا الجوهرية يهدد بإعادة إنتاج حالات التوتر والاعتراضات التي شهدتها البلاد سابقًا”.
ولعل القلق الذي يعبر عنه كثير من الضالعين في الشأن الحقوقي والقانوني لا يفترق في شيء عما سبق من تحذيرات، فقد نقلت عدة وسائل حقوقية عن المحامي أنور البني تنبيهه إلى جملة من الأخطاء التي شابت ما تم تسريبه من أفكار حول الإعلان الدستوري المعد، في خلط واضح من المعدين (إذا صح التسريب) بين الإعلان الدستوري، والدستور الذي يجب أن يوافق عليه كل السوريين: “إنه يشكل مشروع دستور لم يصوت عليه أحد، وليس إعلان دستوري مؤقت للمرحلة الانتقالية” منوها إلى أن قضايا مثل شكل الدولة ومصادر التشريع وعلم الدولة وغيرها من أساسيات بناء الدولة، يتم التصويت مستقبلا عليها، وهي ليست من صلاحيات اللجنة، إضافة إلى وجود خلط في وظيفة البرلمان الذي سيتم تعيينه لا انتخابه مع البرلمان المنتخب.
من جانبه قدم الدكتور سام دلة، وهو المعني أكاديميًا في صياغة الدساتير، عبر منبره في وسائل التواصل الاجتماعي، وصفة مجربة بنى الآباء المؤسسون للولايات المتحدة النظام الدستوري بموجبها، وهي (الحرية) لأنها تضمن أهم قيمة يملكها الانسان، و(الفصل بين السلطات) مع التوازن فيما بينها، و(الفيدرالية) التي تكفل توزيع السلطات، “وهي هنا لا تعني التقسيم لأنها حرصت على بقاء الجيش والخارجية والتوازن في العلاقة بين المركز والهيئات المحلية”، و(دولة القانون) التي تكفلها استقلالية مطلقة ومكانة مقدسة للقضاء، مشيرا إلى أن التأكيد على “الديمقراطية” كمصطلح لم يكن ضمن أولويات الآباء المؤسسين لأنها تتحقق ضمنًا بوجود ما سبق.
لهذا فإن فتح النقاش حول قضية الدستور بشكله المؤقت “الإعلان” أو الدائم “الدستور”، بين مختصين ومفكرين وعاملين في الشأن العام وحقوق الإنسان من خارج اللجنة، له أهمية كبرى، وهو ضرورة وطنية، وتوجيه العمل إلى ما يتناسب وإرادة كل السوريين وعلى اختلاف مرجعياتهم، لتصبح القضايا الجوهرية جميعها واضحة، لأنها كما قال بشارة في منشوره الذي فتح الجدال واسعا “الحقيقة أن ما يحددها هو القيم والمبادئ التي توجه الدستور”، وهذه لن تكون إلا بمشاركة واسعة لمختلف الشرائح المختصة والقادرة على التعبير عن رأيها بصراحة وشجاعة… وحينها تكون سورية حرة وموحدة قولًا وفعلًا ومواطنين.
*ضفة ثالثة
Leave a Reply