لا أحد، منفرداً، يمثّل وطناً، ولا أحد منفرداً، يمثّل شعباً… هو عملٌ مسؤولٌ منغمسٌ بالأرض، وبإرادة جماعيّة.
الذين سطّروا فوق التّراب معنى الوطن بتفانٍ، وإخلاص من دون تصريحٍ سياسيّ استفراديّ، أو خطابٍ أجوفٍ تنظيريّ، أو مشهدٍ استعراضيّ مفتعل، يستحقون أن يُستعاد ذِكرهم وتُستحضَر قصصهم في الذاكرة الجمعية، لا أن يُهمَلوا في معركة المصير خلف شاشات النّجوميّة ومنصّات الشّهرة ومنابر الفتن السياسيّة؛ ففي قصصهم إلهامٌ ومغزى.
واحدٌ مثل كثيرين يشبهونه، كان حلمه أن يُعيد بناء كلّ حجرٍ تهدّم، ويزرع كلّ شبرٍ من أرضٍ يَبِسَت، ويحمي الروح البريئة. رحل شاباً بطلاً، وضحّى بحياته، وهو يكافح من أجل إيمانه وحلمه. استشهد كما استشهد غيره من الأبطال، وهم كثر، في معركةٍ حقيقيّة، لكنْ، في معركة النيران الشّرسة، التي قاومها وعمل في أشدّ الظروف خطراً وصعوبة، مع رفاقه، على إخماد تلك النيران التي التهمتْ غابات ريف اللاذقية. فارق الحياة بضجيج أوجاعه، في صراعٍ وجوديّ من أجل الحياة والأمن والسلام. الموضوع ليس حديثا في قصته، بل في قيمة هذه القصص وقيمة أبطالها، وفي عمق تمثيلها الصادق للأرض والشّعب، وضرورة استحضارها وسردها في ذاكرة حيّة ثريّة، لكي تحظى بالتّقدير وتلتفّ حولها القلوب وتتآلف، فلا تمضي قصّتُه وقصصُ أمثالِه بعيداً ومن دون أثر. فالقصّ ينسج ذاكرةً أعمق تأثيراً في الوجدان من المقولات والخُطب، خصوصاً، حين تكون التّضحيةُ والبطولة النّبيلة حبكةَ هذا القصّ.
قد يكون من أولويّات هذه اللحظات التّاريخيّة المصيريّة، التّوقّف عند ذاكرة التّجربة خلال زمن الثّورة السّورية، وسرد ما فيها من قصص نبيلة، بغاية الفهم والتّأمّل وإعادة التّفكير، وربما الاندهاش أمام تجربة إنسانها الغنيّة؛ لا بوصفه ضحيّة، بل ككائنٍ بشريّ كافح لوجوده ووجود الآخرين شركائه في الحياة. تقول حنّا أرندت: “العطب لا يبدأ حين تُقمع الثورة، بل حين يُفقد سياقها، ويتحوّل الفعل إلى ذكرى معزولة بلا معنى.” فإن زاغ السّوريون عن تلك القصص التي تحمل جوهر الثّورة، من مطالب العدالة ومكافحة الظلم؛ فالنتيجة الفشل والعطب. فبالتّناسي، وبالذّاكرة الإقصائيّة والفكر المنغلق والتّشويه، يتسع المجال للعطب. العودة لسرديّات الثّورة العفويّة، وأغانيها، وأدبيّات أبنائها، ضرورة لفهم ما جرى، ومع من، وضدّ من، ولأجل ماذا.
ما حدث في سوريا لم يكن أمرا عاديا؛ فقد خلّف صدمة واضطرابا، وأيضاً، اندهاشا إيجابيّا من كفاحٍ طويل وعميق سعياً للحرية والكرامة. ومازالت عمليّة النّضال وتجاربها مستمرّة، وهي جزءٌ من مسيرة الإعمار وفعلِ التّمثيل. فسردُ هذه المسيرة، يسمو بقمية تجاربها، ويسهم في الشّفاء النفسي والتّعافي.. البناء الإنساني تلزمة صحة جيّدة: ذهنيّة وعقليّة ونفسيّة؛ فهو من أصعبِ المسؤوليات، وأدومِها، ومُكلَّف به الجميع. فلكلٍّ خبرته وقدرته وسعيه. التّحدّيات أمام السوريين، من أبسطهم إلى أكثرهم تعقيدًا، كثيرة، تتعلّق بحريّتهم ووجودهم وكيانهم وهويّتهم. ولا تقتصر على الاقتصاد والسياسة، بل تمتدّ إلى الفكر والقيم والدين. ولا تَحدّها الجغرافية السّوريّة ، إذ تتصل بالإقليم والعالم. لكنّ الأزمة الثقافية السّياسيّة كبيرة، فالجماعات والنُّخَب مفتّتة ومشغولة بنفسِها ومكاسبِها، أكثر من انشغالها في البناء لصالح مجتمعها. إدّعاءاتُها كبيرة، لكنهّا عاجزة عن لمِّ شمل أطياف المجتمع ونشر السلم الأهلي والارتقاء بمفاهيمه. فالواقع السّوري مازال في انحداره الحقوقيّ والقِيَميّ والفكريّ، بسبب الصراعات السياسيّة والثقافيّة على النفوذ، وتسيير المصالح الضيّقة والولاءات، والواقع بأمس الحاجة لمناظير تفكير جديدة للهوية والذات والواقع،و قد تسهم الأدبيّات بتكوينها.
كان تحرير سوريا من حكم عائلة الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظةً فارقة. وظنّ السوريون أنهم على مشارف الخلاص، وأنّ تضحياتهم وآلامهم على مدى سنواتٍ طويلة قد تُوجّت بالحلم المنشود. لكنّ المشاكل الكامنة انفجرت، وتكشّفت تحدّيات وجوديّة ومصيريّة، واشتدّ الاحتقان والتعقيد في ما يتعلّق بالسّيادة الوطنيّة، والشرعيّة السّياسيّة، والتمثيل، والمحاسبة، وردم الصدع بين الناس المتصارعة. لحظة الخلاص كشفت عن صدوعٍ عميقة في المجتمع؛ من العصبيّات المتناحرة التي لا تتورّع عن استخدام كلّ وسيلة لتحقيق مكاسبها، إلى ذهنيّات الاستبداد الراسخة، وفلول النّظام المنهار التي تتخفّى وتتغذّى على الفوضى والفتن. فمعركة الثورة لم تنتهِ، بل ما تزال قائمة: مع قوى محلّية وإقليميّة ودوليّة، ومع الذات؛ في تصوّراتها وتساؤلاتها المصيريّة حول “نحن”، الهوية والذاكرة والمستقبل. وهنا تكمن أهمية تفعيل الذاكرة المجتمعية، بما يفتح القلوب ويؤلّف بينها عبر معانٍ نبيلة، رحيمة، ومتضامنة.
الذاكرة الإيجابيّة، بما فيها من اعتراف صادق وسرد نزيه، قوّةُ تغييرٍ. لأنّ”نحن” التي ينبغي بناؤها لا تُصاغ إلا بفهمها وإدراكهِا ووعي التجربة الفرديّة والجمعيّة. ترى حنّا أرندنت أنّ الفعل من دون سردٍ يضيء، ومن دون ذاكرة جماعية تستعيد المعنى من ركام العنف والخذلان، لا ينجح في تكوين مستقبل مشترك، ولا إمكانيّة لتأسيس هويّة وطنيّة جامعة. إنّ إعادة سرد هذه القصص في التجربة السّورية الصعبة، ونقلها إلى الأجيال القادمة، هو، في جوهره، عمل تأسيسي، يُعيد تشكيل “نحن” السورية على أساس التّجربة المشتركة، والأصالة الإنسانيّة؛ فهذه السرديات ليست ملكاً لفئة، ولا حكراً على عقيدة. بل هي ذاكرة إنسانية مشتركة، يحتاجها المجتمع بكل أطيافه، لأنها تحمل في داخلها قوة معنوية هائلة لبناء الذات، والهوية، والمستقبل. سوريا اليوم أمام أفقٍ جديد، لا ينكشف بالتّقوقع والانعزال والجهل، بل بـ”نحن” التي تبحث عن العدالة، وتستثمر ذاكرتها بطلب الحق، واستلهام القيم الأخلاقيّة والرّوحيّة. بالتعقّل والتراحم لمواجهة واقع الهويّات المتقاتلة وصناعةِ حياةٍ كريمة وبقاءٍ آمنٍ للجميع. هوية “نحن” هي الهدف الأعلى، حتى مع وجود هويّات فرعيّة. “نحن” تحتاج إلى التّعافي بتطبيق العدالة، ولا عدالة من دون محاسبةٍ حقيقيّة تُبنى على توثيق الحقائق، وحمايتها وسرد الحقيقة. المشاركة والتمثيل، يتحقّقان، فعلياً، بوجود إيمان وطني صادق ب”نحن” كمجتمع إنسانيّ ذي إرادة حرّة، وبتفاعل ثقافّي واجتماعيّ يتيح التّقارب والنّمو والنقد الصحيح وصون حقوق الإنسان وكرامته، بغضّ النظر عن دينه أو مذهبه أو عِرقه.
توثيقُ بطولات الكفاح الإنساني النبيلة، وتوثيقُ حالات الظلم والعنف والانتهاك، كلاهما مهمّ للتاريخ: حفاظاً على حقوق الضحايا، واستلهاماً للدروس واستخلاصاً للعبر. لكنْ، توثيق المآسي قد يفتح باب الانتقام، إنْ لم يتبعه عملٌ جدّي في سبيل القصاص العادل والإنصاف، ماديًّا ورمزيًّا. والتّوثيق يجب أن يمتدّ إلى قصص الكفاح الإيجابي، الإنساني، التي واجهت المحن وألهمتْ الضمائر. استخدامُ سرديات الذاكرة، بما تثيره من تعاطفٍ وتقدير، وتوثيقُ قصص الإحسان والإغاثة والقيم النبيلة قد يطبّب ألم القلوب ويكسر الخوف ويبذر بذور الثقة، فيُتاح تشكيل ذاكرة وطنية متعافية وهويّة مشتركة. قصص كثيرة، حتى في بساطتها، غيّرت في وجدان الإنسان السوري، وتستحق أن تُروى لما تحمله من مغازٍ عميقة. حتى الأطفال، لكلٍّ منهم قصة. وكلّ قصة تستحق أن تُروى. ترى أرندت أنّ المعنى الحقيقي للفعل البشري لا يتحدّد في لحظة حدوثه، بل لاحقًا، عبر الرواة والمؤرّخين الذين يسردون الوقائع؛ فالسّرد هو ما يمنح الأفعال معناها، ويكشف عن دوافع الفاعلين، ويمنحها استمرارية وذاكرة، ويجعلها نماذج تُحتذى أو تُتجنّب. وهذا بالضبط ما يحتاجه السوريون اليوم؛ أن تُروى قصصهم ، لا كأحداثٍ معزولة، بل كسياق إنساني عميق وأصيل، يُعيد بناء “نحن” السورية على التجربة والمعنى.
*خاص بالموقع
