سعيد اتليلي: دخان

استلم سالم مغلّف نتائج تحاليله الطبية من المختبر. لم يفتحه على الفور كما يفعل المرضى الآخرون للتأكّد من سلامتهم.. من السّرطان. ربّما هو على يقين من إصابته به، كيف لا وسيجارته لا تفارق فمه منذ أزيد من خمسين عامًا؟ أمّا صدره المنهك فيحسّ به سالم ليلًا كأنّه يعزف سمفونيته المليونية، أصبح منذ سنوات يسمع أصواتًا تصدح بداخله ولا يعطيها تفسيرًا إلا بعشيقته الأزلية التي لا تزال تحرقه بقدر ما يحرقها، فتلتهب رئتاه بدخان أسود وسموم لا حصر لها. 

المغلّف بيده. لا يدري سالم كيف سيسلّمه لزوجته ربيعة، ولا كيف سيسلم من لسانها هذه المرّة وهي تقرأ تلك الأرقام الكارثية. لطالما اتّفقت مع زوجها على ضرورة فطمه كما يُفطَم الرضيع، لكنّه يعود فتتكرّر خيبات أملها ويزداد ألمها خوفًا على صحّة زوجها الذي يترصّده شرٌّ مستطير. 

بضع خطواتٍ تفصل سالم عنها. ولج الحي الذي يعرفه فيه الكل، قابله حارس العمارة فسأله: “لمَ وجهك شاحب أيها العم سالم؟”، ردّ عليه الرجل دون أن تتوقف رجلاه البطيئتان: “يجب أن تنظر في المرآة يا سيد عمران، ربما تجد وجهًا أكثر شحوبًا”. لم تُعجب الحارسَ مزحةُ سالم، لطالما كان فضوله يصل إلى أبعد مدى لكنّ سالم قد كسر هذا الفضول، لم يستسغ الحارس تلك الحركة التي لم يكن يتوقّعها من العم المسالم، فكان حنقه كبيرًا بعد أن تركه سالم مختنقًا بفضوله وصعد إلى العمارة.

دخل صامتًا إلى بيته فوجد ربيعة جالسة على أريكة قبالة الباب، كان يبدو أنها تشاهد التلفاز، ما إن رأته حتى هبّت واقفة وهي تتفحّص بعينيها عينيه، لا بدّ أنّها قد قرأت كلّ شيء من خلالهما، لا يمكن لها أن تحيد عن التعرّف على أحوال زوجها بمجرّد النّظر إليه فقد أصبح كتابًا مفتوحًا بالنّسبة لها بحكم العشرة الطويلة بينهما. سألته رغم ذلك: “هل كلّ شيء على ما يرام؟”، أجابها مبتسمًا: “الحمد لله، أنا بخير”. 

رمقت المغلف بيده فناولها إيّاه، فتحته وقرأت اللتين بداخله وتيقّنتْ وهدأ بالها، نظرت إلى زوجها وهي تمزّق الورقتين، قالت بنبرة فيها ارتياح: “الحمد لله، كما قلتَ يا سالم، أنت بألف خير”. احتضنت زوجها ولفّت ساعدها حول ساعده وهي تدخل به إلى الغرفة. هي لعبة يعيها كلّ منهما، لعبة تجاهل الحقيقة لحياة لم يتبقَ منها الكثير. لم يتبقَّ منها إلا دخان. 

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply