رمزية الألم والأمل.. قراءة في رواية “ولو بعد حين”

د. محمد جمال طحان

أحمد عبد الكافي الحمادة كاتب سوري، ينتمي إلى جيل يسعى لتجديد الأدب عبر مقاربات رمزية وتجريبية. عُرف بأسلوبه الشعري الكثيف، واهتمامه بتصوير المعاناة الإنسانية في سياقاتها الاجتماعية والسياسية. روايته “ولو بعد حين” تأتي استمراراً لمشروعه الإبداعي في البحث عن لغة مغايرة للسرد التقليدي، لغة تلامس الوجدان وتستفز القارئ للتفكير والتأويل. حديثنا عنه سيتركّز في قراءة أوّليّة لروايته الأخيرة.

تأتي رواية “ولو بعد حين” لتضع القارئ أمام نص غير تقليدي، نص يخلخل المفاهيم المألوفة للسرد، ويفتح الباب واسعاً أمام التأويلات. أحمد عبد الكافي الحمادة لا يكتب حكاية بالمعنى البسيط، بل يقدّم لوحات متجاورة تنسجها لغة شعرية متوهجة، تجعل الرواية أقرب إلى قصيدة طويلة منها إلى سرد روائي مألوف.

منذ الصفحات الأولى، يكتشف القارئ أن اللغة هي البطل الحقيقي في النص. فالكاتب يحمّل عباراته بالصور والاستعارات: الماء، الليل، الغياب، الجراح… رموز تتكرر لتصوغ إيقاعاً داخلياً يعبّر عن مأزق الإنسان الوجودي. يكتب الحمادة مثلاً: “«المكان الذي أُخرج منه الماء في المَدى الخالي… المكان الذي احتواه الظلام»”

بهذا الأسلوب تتكثف اللغة لتصبح مرآة للألم والبحث عن الخلاص، حتى لو بدا بعيد المنال.

الرواية مشغولة بالأسئلة الكبرى: معنى الحرية، جدوى الألم، عبثية القمع، وهاجس الخلاص المؤجّل. العنوان نفسه “ولو بعد حين” يكشف عن الفكرة الجوهرية: هناك دائماً أمل بالانعتاق، حتى لو تأخر كثيراً. يقول الكاتب في مقطع آخر: «لكن لماذا؟ لماذا وُضعت الأوزان والأصفاد؟ لماذا لم تُرفع الغيوم عن سماء الروح؟».

هنا تتجلى أسئلة الإنسان في مواجهة سلطة غامضة تُثقله وتحدّ من قدرته على الحياة بحرية.

لا يقدّم الحمادة شخصيات واقعية مكتملة الملامح، بل يرسم كائنات تتخذ طابعاً رمزياً، وكأنها مرايا تعكس حالات إنسانية عامة. مع ذلك، يمكن تمييز أربع شخصيات محورية تمنح النص عمقه الدرامي والفكري:

1. “الراوي/الصوت الداخلي” ليس راوياً محايداً، بل ضميراً متشظياً يراقب ذاته والعالم من حوله.

    يكتب مثلاً: “«أقف بالغربة بين الماء والظلام، أضحك ساخرًا من نفسي وأنا أبحث عن معنى لا أراه».” يمثل البعد الوجودي في النص، ويقود القارئ إلى مواجهة قلقه الخاص.

2. “الإنسان المقهور” يظهر في صور متعددة: رجل تائه، امرأة مفجوعة، أو حتى جماعة مسحوقة.

    يختصر معاناة القهر الجمعي، كما في المقطع: «أناس يلهثون تحت وطأة العتمة، لا يجدون باباً للنجاة سوى الانتظار».

    قوته في عموميته: فهو ليس فرداً بعينه، بل نموذجاً جمعياً يجسد الألم المشترك.

3. “الجلاد أو القوة القاهرة”  لا يظهر كفرد ذي ملامح، بل كظل كثيف يطغى على النص: سلطة غامضة، قدر قاسٍ، نظام قمعي. وظيفته إبراز التوتر بين الحرية والعبودية، كما يرد: «الظلمات لا تترك لهم فكاكاً، والقيود تُثقل أرواحهم حتى في الأحلام».

4. “المخلّص/الأمل”  شخصية غير مكتملة، بل فكرة تتكرر بصور متفرقة: حلم، وعد، إشراقة ضوء. الكاتب يلمّح إليها قائلاً: «لا بد أن تنبت زهرة في هذا الركام… ولو بعد حين». تمثل المعنى الكامن في العنوان نفسه: الخلاص ممكن، حتى لو تأخر.

إن قوة الرواية تكمن في لغتها الشعرية وجرأتها على كسر النمط، وفي قدرتها على تصوير الوجع الإنساني بعمق رمزي. أما المأخذ عليها  فيتمثل في غياب الحبكة التقليدية الذي قد يفقد بعض القراء عنصر التشويق، إضافة إلى نزعة الانغلاق أحياناً بفعل كثافة الرموز.

“ولو بعد حين” عمل ينتمي إلى الرواية التجريبية، يخاطب القارئ المثقف الباحث عن نص مفتوح على المعاني، أكثر من كونه يبحث عن قصة تُروى. إنها رواية عن الانكسار، لكنها تحمل في طياتها وعداً صريحاً بأن الخلاص ممكن، حتى لو جاء متأخراً… ولو بعد حين.

الرواية صدرت عن دار أوغاريت في الرياض سنة 1447هجرية في 193 صفحة.

Share:

You Might Also Like