رفاه ابراهيم: الفنون في النقد التشكيلي العربي

“الجمال إحساس عقلي… شعور وجداني” عادل صادق

فُطرت النفس البشرية منذ بدء وجودها على حبِّ الجمال والانجذاب نحوه، فهو جزء لا يتجزأ من هذا الكون الذي أبدع الخالق جل وعلا في تصويره ونسج تفاصيله، وهو أحد ثالوث القيم (الحق، الخير، والجمال) التي لطالما أخذت حيزًا من تفكير الفلاسفة والمفكرين عبر العصور. والفن هو أحد أوجه التعبير عن الجمال، وقد عرّفه الكاتب محمد قطب بأنه محاولة البشر أن يصوّروا حقائق الوجود وانعكاسها في نفوسهم في صور موحية جميلة، وأن مكان الفنان والفن يتحدد بمدى المساحة التي تشملها الحقيقة التي يشير إليها العمل الفني أو يرمز لها كيان الكون. ولو أمعنّا النظر في كلامه لوجدنا الفن التشكيلي العربي يتماشى مع ما ذكره، فهو يعطي تصورًا شاملًا عن الحياة والإنسان، بالتفاصيل المادية والمعنوية والروحانية. وبناءً على هذا، فهو فن يحقق معادلة الحق والجمال، فالجمال هو الحقيقة المطلقة التي لا يمكننا إغفالها، إذ أشاد به القرآن الكريم في مواضع عدة، ولم يرد أي نص قرآني صريح مناوئ للفن. وبناءً على هذا، فالإسلام لا يحرمه ولا يعاديه، وكيف له أن يحرمه والله تعالى هو الجميل الذي يحب الجمال.

علاوة على ذلك، فإن الفن التشكيلي العربي، جراء تعمقه في كافة جوانب الحياة، تمخضت عنه رؤية بفكر خاص اعتمدت على تجريد الواقع وتبسيطه قدر الإمكان، والبعد عن التجسيد بأسلوب يعكس مفهومًا جماليًا خاصًا يميز روح الحضارة العربية والإسلامية.

ولا يُعتبر الفن عاملًا أساسيًا مساهِمًا في النمو الثقافي والفكري والاجتماعي فحسب، بل هو أيضًا توثيق لحقبة تاريخية معينة. لذلك اتجه الفنانون العرب إلى محاولة التخلي عن التقليد الغربي قدر الإمكان، وإعادة صياغة هوية ثقافية وذهنية ووجدانية بدأت أكثر تأثرًا بالفلكلور والأطروحات الوطنية، لا سيما بعد استقلال الدول التي كانت رازحة تحت الاستعمار الغربي. ومما زادهم عزيمة، ملاحظة أن الغرب أنفسهم نزَعوا إلى اعتماد الشرق مرجعيةً لهم في العديد من الفنون، وكان ذلك من خلال المستشرقين خلال ترحالهم إلى الدول العربية كمصر وسوريا وغيرها آنذاك.

وفي هذا البحث نسلط الضوء على بعض المصطلحات المتداولة في النقد التشكيلي العربي، لعلّه يكون بمثابة مركب نبحر عبره في بحور الفن التشكيلي العربي وعناصره.

الفنون التشبيهية في التشكيل العربي:

وهي فنون تقوم على تشكيلات إنسانية أو حيوانية أو نباتية لا تتطابق تمامًا مع الواقع. ومن هنا يخطر في أذهاننا سؤال: استنادًا إلى ماذا كان هذا التحريف في تشكيل الواقع؟ إن الجواب على هذا السؤال يتم على ضوء الفنون المعاصرة التي تقوم على تحريف الواقع، بدءًا من الانطباعية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في فرنسا، مرورًا بالوحشية والسريالية.

ويعتمد سبب هذا التحريف على رغبة الفنان في إقحام ذاته في الموضوع، وتغليب موقفه من الواقع على الواقع المألوف، لخلق شيء جديد لا وجود له في الطبيعة. والفن العربي والإسلامي كان سبّاقًا في مجال تقديم واقع مختلف عن الواقع الحقيقي. ومن هنا نفهم أن مهمة الفنان المسلم هي تقديم رموز الأشكال ومحاكاتها، وهو يختار من الواقع ما يراه أكثر جدوى في بناء العمل الفني. ومع أن الهدف من التصوير التشبيهي هو التعبير عن مضمون معيّن، فإن الفنان كان يشير إلى عناصر الموضوع بملامح تحمل صفة الإطلاق، وتترك للمشاهد حرية التحديد على اختلاف الأذواق والإحساس والاستنتاج.

الرقش (Arabesque):

هو التصوير الذي يحاول، عن طريق الخط الهندسي أو الخط اللين النباتي، التعبير عن معنى الخالق في أشكال نجمية جاذبة نابذة، أو في صورة أشرطة نباتية لا بداية لها ولا نهاية. وهي، من كلا النوعين: الرقش الهندسي والنباتي المورق، أشكال تنسجم مع صفات الخالق التي وردت في القرآن الكريم.

هذا الفن يميز الفن الإسلامي، وقد ظهر في تزيين السيراميك في العمارة الإسلامية، وهناك نوع آخر من الرقش يُطلق عليه اسم “الخيط”، يعتمد على الأساس التشكيلي للأشياء، وهو في الأساس يبدو رياضيًا لاعتماده على الأشكال الهندسية: المثلث، والمربع، والمخمس. ولكن هذه الأشكال تصير في الرقش العربي أوعية لمضامين رمزية لا تخلو من معانٍ قدسية أو صوفية أو وجودية.

المنمنات أو المرقنات: 

هي أحد أهم الفنون التصويرية التي عالجت العديد من المواضيع الأدبية والعلمية وحتى الدينية، وساهمت في عكس صور الحِقَب السالفة وتوثيق الكثير من التفاصيل التاريخية، فهي تُعتبر بحد ذاتها مرجعًا لكثير من الأحداث والمناسبات لما تحمله في طياتها من شخوص وعادات وتقاليد وأزياء وفنون وهندسة معمارية، لربما لم يرد ذكر بعضها في كتب التاريخ. بيد أن لها دورًا بصريًا لا يقل شأنًا عن الدور السمعي، بل وقد يتفوق عليه في مجتمع شفوي يخاطب الشريحة الأمية، فيكفي تأمل الرسومات ذات الألوان الجذابة والتفاصيل الدقيقة لتوفّر بذلك عناءً على الراوي والمتلقي في توضيح مضمون الكتاب.

تزخر المنمنمات بألوان زاهية موزعة بإتقان شديد، أكسبتها قدرة على التعبير من خلال تحكمها المتزن في الربط بين عناصر الرسومات ومزاوجتها مع النصوص، إضافةً إلى اكتفائها بالمسطحات والبعدين الطولي والعرضي وخلوها من البعد الثالث (المنظور)، وذلك بقصد البعد عن التجسيم. كما يُلاحظ عدم التقيد بالظل والنور والقواعد المعتادة التي تتبعها المدارس الفنية كالانطباعية والتجريدية والواقعية، مع الاهتمام بالإنسان في المقام الأول، يليه الحيوان والنبات والعمران. فعلى سبيل المثال، نجد بعض المنمنمات تُصوّر الحكام والأعيان في القصور، وبعضها يُجسّد الحفلات والعزف فيها على الآلات الموسيقية كالناي والبزق، وبعضها الآخر يُصوّر الشخوص بأزياء فاخرة تتجول في بساتين تشبه جنان الفردوس بأزهارها وثمارها التي ورد ذكرها في القرآن الكريم. ولا ننسى المنمنمات التي تُظهر الشخوص في المعارك ورحلات الصيد بصحبة الحيوانات كالخيول والكلاب، إضافةً إلى أن بعضها أظهر كائنات خرافية كطائر العنقاء أو “السيمرغ” كما يُسمى في الصوفية، وقد اشتهر هذا الطائر بألوانه التسعة الزاهية ومنقار يشبه منقار النسر، والتنين الذي كان على هيئة ثعبان ضخم له زوجان من الأرجل وينفث النار من فمه، إضافةً إلى حوريات البحر وتصاوير الجن الأبيض والأحمر تبعًا للهيئة التي أتت على ذكرها الأساطير القديمة.

المتعمق في الفن الإسلامي عمومًا، والمنمنمات خاصة، يجد أن مضامينها مترابطة ومتسلسلة، ولها أبعاد مختارة بعناية، فعناصرها تخلو من العشوائية وتميل نحو الميتافيزيقية والرمزية المستمدة من الكون، والتي حوّلها الرسامون بعد دراسة تمحيصية إلى مفاهيم بصرية غاية في الدقة والجمال.

الفراغ: 

هو أحد أساسيات الفن المعماري، وهو نتاج تجمع ثلاثة عناصر: الخطوط، المساحات، الكتل. وفي الفراغ ينشأ تجمع الكتل أو المسطحات لتصبح في النهاية مكانًا يمكن أن يكون مأهولًا أو مناسبًا لمزاولة الأنشطة المختلفة.

واختلفت آراء العلماء والمفكرين منذ القدم بين مؤيد ومناف لوجود الفراغ فوضع الفن التشكيلي مشكلة البحث في الفراغ موضع اهتمام بينما تضاءل اهتمامه ولم يعد يهتم كثيرًا بتأكيد الصلابة كصفة أساسية في بناء الأعمال الفنية ويستخدم مفهوم الفراغ في المجالات التشكيلية المختلفة ويكتسب معناه بالتالي حسب المجال الذي يستخدم فيه، ولقد ظهر في مجال الأشغال الفنية المعاصرة باتجاهات لتشكيل الفراغ في أثناء التخطيط للعمل الفني، استخدمت في إظهار تكامل أو توازن أو ترديد او التناسب والحركة.

يقوم الفراغ بمجموعة من الوظائف الجوهرية في العمل الفني، فعلى المستوى الوجودي، لا يمكن الحديث عن تصميم في غياب الفراغ، هو سابق وجوديًا لعناصر التصميم الأخرى، على الرغم من أنه يصبح تلقائيا تابعا لها، لأن هذه العناصر هي التالي التي تحدد شكله النهائي بعد أن تتموضع وتحتل الحيز المخصص لها.

هناك مجموعة من الوظائف التي يقوم بها الفراغ، أبرزها:

  • تحقيق الوضوح بين عناصر العمل الفني.
  • خلق شعور بالرقي والأناقة كتلك التي في العلامات التجارية الراقية، خاصة في تصميم الإعلانات.
  • يقوم الفراغ قبل البدء في عملية التصميم باستفزازالفنان وحثه على الخلق والابداع.
  • الدلالة على الملامح الأولى للتكوين.
  • تزداد أهمية الفراغ في المطبوعات التي تنشد جودة عالية، ومن ثم تتوجه عناصر لطبقة معينة من المتلقين.
  • خلق روابط بين عناصر العمل الفني.
  • إبراز عناصر العمل الفني.

أنواع الفراغ:

هناك أربعة أنواع من الفراغ في التصميم: الفراغ الإيجابي، والفراغ السلبي، الفراغ ثنائي الأبعاد، والفراغ ثلاثي الأبعاد.

الفراغ الإيجابي:

يعتبر الفراغ الإيجابي أحد مطلوبات التصميم اللامتماثل، لأنه جزء لا يتجرأ من إدراكنا للعناصر الإيجابية في التصميم.

اي شكل مفرغ يتم تكوينه في التصميم بكيفية مقصودة، فهو بياض إيجابي، كما يمكن أن يصبح الفراغ إيجابيًا بإدماجه في عناصر التصميم الإيجابية ضمن مفهوم الإغلاق الإدراكي القائل بأن دماغ الإنسان يسعى لإغلاق أو إكمال الخطوط والأشكال الناقصة وهو الأمر الذي يستفاد منه في تحجيم الصور والأشكال.

الفراغ السلبي: 

الفراغ السلبي هو الخلفية ومن المهم معرفة أن الفضاء السلبي يعمل على تدعيم الصورة، لذا لا يمكن تركه ينمو من تلقاء نفسه ويعرف الفراغ السلبي من خلال حدود الفراغ الإيجابي، لذلك فهو يرسم لنا حدود التكوين للتصميم ويعتبر مهما للتصميم لأنه يعطي العين فرصة للاستراحة، وهو أحد عناصر التصميم الجيد.

ويسود الفراغ السلبي في التصميمات المتماثلة لأنه لا يشكل جزء من إدراكنا للعناصر الإيجابية في التكوين، إلا باعتبارها كخلفية وتتحدد ابعادها بالمواقع التي تحتلها عناصر التصميم، وغالبًا ما لا ينتج عن البياض السلبي شكل منافسة الأشكال التي تتخذها العناصر الإيجابية.

الفراغ ثنائي الأبعاد:

 يوجد الفراغ ثنائي الابعاد في فضاءات التصميم ثنائية الأبعاد الشائعة في مجال التصميم وهو يفتقر إلى العمق.

الفراغ الثلاثي الأبعاد:

وهو الفراغ الذي له عرض وارتفاع وعمق. إن البياض ثلاثي الابعاد في مجال التصميم، وهمي لأن فضاء التصميم مسطح ثنائي الأبعاد.

هناك مجموعة من الأدوات التي يحتاجها المصمم حتى يوحي بالبيض ثلاثي الابعاد.

  • أجسام متداخلة.
  • تغيير أحجام الأجسام ومواقعها.
  • منظور خطي.
  • تناسب في الألوان ودرجة إشراقها.
  • منظور جوي.

وهنالك على الأقل تسعة أشكال للفراغ، وهي: الفراغ بين العناصر، الفراغ حول العناصر، والفراغ داخل العناصر، والمسافة بين الحروف، والمسافة بين الكلمات، والمسافة بين السطور، بداية الفقرة، المسافة بين الأعمدة، والهامش.

المغايرة (التضاد):

يعتبر التضاد من أسهل مبادىء التصميم وأسهل الطرق لمنح المتلقي متعة بصرية ولفت نظره للتصميم. ويستخدم هذا المبدأ التوكيد لتجنيب العناصر الظهور بمظهر المتشابهة، ولحمل الراية عن التوكيد عندما يتوقف عن القيام بمهمة التنظيم البصري للتصميم، ويعرف التضاد بأنه “الاختلاف في الخصائص البصرية التي تجعل الشيء مختلفًا عن أشياء أخرى عن خلفيته”.

وباعتباره أحد مبادىء التصميم، يعرف التضاد، بأنه: “يعود إلى ترتيب العناصر المتضادة (كالضوء مقابل الظلام في مجال الألوان، والخشن مقابل الناعم في مجال الملمس، والكبير مقابل الصغر في مجال الأشكال) ضمن عمل فني لخلق اهتمام بصري وإثارة ودراما”.

لوحة للتشكيلية سلام الأحمد تجسد التضاد

إن التضاد يقوم على الاختلاف وهكذا يمكننا تعريف باعتبارها أحد أهم مبادىء العمل الفني، كما يلي:

“وهو مجاورة عناصر التصميم التي تختلف اختلافًا واضحًا فيما بينها يضعها في طرفي نقيض، في الخصائص كالشكل والحجم واللون، بحيث يشكل هذا الاختلاف تكاملًا يبرز طرفي التضاد ويضفي وحدة على التصميم، ويجعله لافتًا لنظر المتلقي”.

يؤدي التضاد الوظائف التالية: منح تصميم جاذبية بصرية، ولفت الانتباه إلى المعلومات المهمة وخلق تسلسل يساعد المتلقي على إدراك المعلومات التي يتضمنها التصميم، وتمكين عناصر التصميم من التعبير عن جماليتها وخصائصها المميزة وإعطاء المزيد من الأهمية للخلفية في التصميم والمساهمة في خلق وحدة التصميم.

أوراق/ 26

Share:

You Might Also Like

Leave a Reply