دلع المفتي: سوريا التي لم أظن أني سأراها مرة أخرى

منذ مدة، كنت ضيفة في لقاء على تلفزيون الكويت. سألتني المذيعة الجميلة أسرار الأنصاري عن الشام.. عن سوريا.. عن البلد الذي يسكنني، فلم أجد جواباً. خانتني الكلمات، ووجدت دموعي تسبق لساني. قلت لها:

ربما لن أرى سوريا مرة أخرى… بوجود نظام الأسد، أعتقد أنني سأموت قبل أن أراها”.

وها أنا اليوم هنا، عكس توقعاتي.. أجتاز الحدود، وأقف أمام الزمن، هل أنا من تغيرت، أم أن الأمكنة ما عادت كما كانت؟ 

أربعة عشر عاماً من الغياب، حملتُ فيها سوريا في قلبي، في دعواتي، وفي كل لحظة حنين. لم تكن رحلتي مجرد زيارة، بل كانت عودة طفل لم تكفّ أمه يوماً عن مناداته.

عندما لامست عجلات الطائرة أرض مطار دمشق، لم أتمالك نفسي. انهمرت دموعي بصمت، كأنني أتنفّس بعد اختناق طويل. دموع لم تكن فقط للحزن أو الفقد، بل لفرحة اللقاء، للمصالحة مع الزمان والمكان، ومع شوق ظلّ ينتظر هذه اللحظة منذ سنين.

عند دخولي المطار، توقفت للحظة، فاجأني اختفاء صور وتماثيل الرئيس السابق ووالده. 

كأن شيئاً من الهواء صار أنقى، والعيون أقل توجساً، والخوف تلاشى، وحل محله شعور آخر أقرب للطمأنينة. لا صور، لا تماثيل، تنفست الأمكنة، وتحررت الجدران، فلا عبارات مخلّدة ولا شعارات تغث الروح.

لا أبحث عن الشام بل عن نفسي فيها

في الشوارع، وجدتُ سوريا التي أحب. لا تلك التي نراها في نشرات الأخبار. سوريا البسطاء الطيبين، باعة الأرصفة بأصواتهم المنهكة المليئة بالترحيب. الأمهات اللواتي ينتقين خضرتهم لغداء اليوم، العمال ينظفون الشوارع ويبتسمون للمشاة. الرجل الذي يبيع ذرة ساخنةً على عربة خشبية، ابتسم لي، وقال: “نورتِ البلد”. جملة واحدة كانت كفيلة بإعادة كل دفء الشام إلى صدري.

الأطفال في الأزقة والحارات القديمة، بأحذيتهم المهترئة وضحكاتهم الصاخبة، يركضون بين السيارات، كأنهم يرفضون الاستسلام. بعضهم يبيع علكة أو محارم، لكنهم لم يتخلوا عن بريق الطفولة في عيونهم. أحدهم سألني: “من وين إنتِ؟”، وحين قلت “جايتكم من الكويت”، ابتسم بثقة وقال: “عرفت، باين عليكِ بتحبينا”. 

المنظر ليس جميلاً بالكامل، والمكان ليس جنة، هناك الكثير مما يجب إنجازه وبسرعة، لكنني اخترت أن أنظر إلى الإيجابيات، إلى ما يسعدني، إلى الشام التي كانت. 

عندما سألني سائق التاكسي إن كنت أريد رؤية المناطق المدمرة، والأحياء الممسوحة، رفضت. قلت له دعني سعيدة.

تجارة الروائح والذكريات

في أسواق الشام العتيقة، الحمدية والبزورية وسوق مدحت باشا، أنت لا تشتري ما تحتاج إليه بل ما يذكرك بمن كنت. 

شعرت وكأنني أسير بين صفحات كتاب قديم حيّ، عند كل حجر قصة، وفي كل رائحة عبق من الماضي: بهارات تتمازج مع عطر القهوة المحمّصة، وروائح عطور الياسمين والفل والزنبق الدمشقي المتسلّلة من الدكاكين الصغيرة. على الجانبين، تتدلى الملابس الجاهزة المصنعة في الشام. 

هنا تجد كل شيء.. كل شيء حرفياً… من ملابس الصلاة والحجابات والبراقع، إلى بدلات الرقص المثيرة والملابس الداخلية النسائية التي لن تجد مثيلها في أي مكان في العالم، حتى أن هناك كتاب بالإنجليزية يحكي عن الملابس الداخلية المصنعة في سوريا لشدة طرافتها وغرابتها، اسمه: “the secret life of Syrian lingerie”.

نصل إلى سوق الخياطين، كل ما حولي مشبع بالحياة، ومحمل بعبق الأجداد. أثواب من الأقمشة التراثية، الأغباني والبروكار والصاية بجمالياتها الفريدة، ونقوشها وتطريزاتها الفاخرة بخيوط ذهبية أو فضية لامعة، تغري بملامستها. 

دمشق بقدرتها على الحياة، وبناسها الذين يملؤون المكان بدفئهم؛ تجار ينادون بحماسة على بضائعهم، نساء يساومن مبتسمات بدهاء، وحالما يشعر البائع أنك ضيف أو “غربتلي” كما يسمي أهل سوريا سوريو الخارج، يرتفع السعر قليلاً، لكن مع الإصرار والمساومة وبلهجة شامية حقيقية تستطيع التغلب عليهم.

على باب دكانة صغيرة وجدت طفلة تستجدي المارة، وقفت تعد ما معها من مال. تفرد الورقيات بيديها الصغيرتين، وتعيد عدها مراراً وتكراراً. سألتها ماذا تفعلين؟ 

قالت: أرى إن كان معي ما يكفي لأشتري لأخي كيس بطاطا. 

سحبتها إلى داخل الدكان وطلبت منها أن تشتري ما تريد، وبعد أن خرجت، ضحك البائع وسألني “أنتِ غربتلية موو؟” 

قلت: نعم. قال لهذا استطاعت تلك النصابة الصغيرة أن تضحك عليك بتمثيليتها. 

من فتة بوز الجدي إلى الكباب الحلبي

أكبر سؤال يواجهه من يزور سوريا، هو “ماذا نأكل؟”. فالخيارات مهولة، والأصناف كثيرة ويمكنك أن “تأكل على كل ضرس لون”، كما يقول أهل الشام. إذن ماذا نأكل؟ هل نبدأ بفتة وتسقية من بوز الجدي، أو سندويشة شاورما “مسقسقة” من عند أبو العبد؟ 

هل نأكل وجبات بيتية كالمحاشي وورق العنب والفريكة وصرر القوزي من عند دامر.. أم نتجه نحو الكبب بأنواعها؛ المقلية، المشوية، السماقية، اللبنية، السفرجلية، أو بالصينية!

نتفق على الذهاب إلى مطعم دمشقي في بيت عربي قديم. ما أن تجلس إلى طاولتك حتى تشعر أنّ الطعام ليس مجرد أطباق تُقدَّم، بل هو ذاكرة بيت وعبق تاريخ. تبدأ الرحلة بالمقبلات: الحمّص، المتبّل، التبولة، والفتوش، والمحمرة قبل أن تصل الأطباق الكبيرة. المشاوي، فهي حكاية أخرى: كباب حلبي متبّل بالبهارات الحارة، شيش طاووق يتقطر عصيراً، ولحم بعجين يزينه الرمان والصنوبر. 

تلاحظ صحون الحلويات التي تنزل على الطاولة المجاورة.. يا إلهي، كيف يمكننا أن نكمل المشوار من دون قطايف، معمول، مهلبية، بقلاوة، برازق، غريبة! ثم تصل الفاكهة المقطوفة من سهل الزبداني ذاك الصباح.

عندما تقترب الجلسة من نهايتها، تهبط النغمة الأخيرة هادئة ودافئة: القهوة العربية، أو شاي يغلي على الفحم، يحمل في بخاره رائحة البيوت والذكريات. هكذا يكتمل المشهد، ليس كوليمة طعام فقط، بل كأوركسترا حية، تتناغم فيها النكهات والروائح والأصوات، وتكتب لزائر الشام لحناً لا يزول من الذاكرة.

في مقهى خان أسعد باشا في الشام العتيقة، التقيتُ سائحاً من السويد. كان يجلس مستمتعاً بالقهوة الشرقية ويحدّق بدهشة في تفاصيل المكان، كأنه يكتشف عالماً جديداً. قال لي بابتسامة دافئة:

“I’ve traveled a lot, but Syria… it’s something else. The people, the food — that’s what I love the most”.

أكثر ما أحبه، كما قال، هو الناس… طيبتهم، ترحيبهم، دفء أحاديثهم. والطعام، بتوابله وكرمه وذاكرته.

قال: “The food here has soul… like the people”

ضحكت وأجبته: “نحن نطبخ بقلوبنا، ونستقبل الناس كما لو أنهم أهل”.

هزّ رأسه بإعجاب وقال: “Exactly… I came for history, but I found humanity” أتيت من أجل التاريخ فوجدت الإنسانية.

انتابني شعور غامر بالسعادة، فالشام لا تُعرّف بخرائطها، بل بقلوب ناسها.

أدهشني كيف أن عابر طريق من أقصى شمال أوروبا التقط جوهر المكان، وأدرك أن في سوريا حياة تُصرّ أن تُعاش، بطعم ومذاق ووجهٍ بشوش.

مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like