بدت الشمس هائمة في الزرقة الواسعة، ثم بدأت تهبط مائلة نحو الغروب، واختفت طائرة كانت تلقي أشياء غريبة فوق القرى القَلِقَة. دسّتْ باقةَ البابونج تحت إبطها على عجل، وانحنت تحمل دمية حزينة لا أجفان لعينيها. أرادت أن تضعها على صدرها لتنام، لكنها أصيبت بنعاس ثقيل حين وضعت كفّيها حول خصر الدمية. كان نعاسًا مفاجئًا وقسريًا وساخنًا، أحسّت به يغشى وجهها وصدرها ويديها، وتناثرت أزهار البابونج كفراشات ملونة أحرقها الضوء القصير الفاتن، ونامت طويلًا بالرغم من أنّها لم ترغب أن يحلّ المساء وهي خارج البيت.
استفاقت عائشة ذات الأعوام الستة في المخيّم هذا الصباح على أصوات الأطفال الصاخبة. كانوا يجهزون أكياسًا بلاستيكية ويستعدون للانطلاق نحو البورة للبحث عن ثمار الفطر. وقفت في مدخل خيمة عائلتها المنقوعة بالماء تراقبهم وتتوق للانضمام إليهم. تمطّت بشكل غريب، وأرادت أن تفتح ذراعيها ليحتضنها وهج الشمس الحريري، لكن شيئًا ما جعلها تعدل عن رغبتها وتتلهى بطرد الماء الموحل خارج الخيمة. حفرت بحذائها طويل الساق أخدودًا صغيرًا، وأخذت تنضح الماء بقدمها وتدفعه في موجات متلاطمة، حتى أدرك أنه ضيف ثقيل، فجرى بحماس العابثين نحو البرك المتشكلة في الخارج. شغلها جريان الماء وسُرّت بمراقبة فقاعات صغيرة كعيون الضفادع ما برحت تتشكل وتنفجر بصمت، وراحت عائشة تردّد عابثة ( بقْ! .. بقْ!). وكانت أشجار الزيتون الهرمة تبدو لها كفزاعات تحمل ملابسَ وأغطية مبللة لإخافة العاصفة التي غادرت صباحًا لتعبّ الماء وتعود مجددًا في المساء، كما فهمت عائشة من والديها.
أثارت بقبقات عائشة ضحكات متدفقة لم تعرف مصدرها حتى تلفتت باحثة في كل الاتجاهات. رأتْ طفلة بمثل عمرها أجلسها أهلها على حجر قريب من خيمتهم لتنعم ببعض الدفء. كانت صغيرة الحجم بلا ساقيها وذابلة كوردة مقطوفة. أطرقت عائشة حزينة، ثم نمت غبطة قصيرة في صدرها حين أطرقت ورأت ساقيها وقدميها المتوجتين بفردتي حذاء. كان حذاءً من كاوتشوك أزرق، على عنق كلٍّ من فردتيه غصنا زيتون مقوّسان وفي وسطهما خريطة غريبة. سألت والدها عن تلك الخريطة مرة فقال متهكمًا: “هذا هو العالم!” لكن الغبطة سرعات ما تلاشت، وتحولت إلى خجل رقيق. انتبهت أن هدى الجالسة على الحجر لاتملك حذاء مثلها ولا حتى ساقين. وتمنت عائشة لو كان لها أربعة أرجل، إذًا لمنحت اثنتين منها لهدى بدل اللتين تركتهما وحيدتين تحت ركام منزلها. لكنها تذكرت كلّ الأطفال الذين قابلتهم في المستشفى التركي، وفكرت أن أفضل حل هو أن تكون مثل دودة أم ألف رجل، التي تتنقل متباهية بأرجلها الكثيرة. تساءلت إن كانت تلك الدودة تستطيع استعمال أرجلها كأيدٍ، وإن كان لها عيون تكفي أولئك الأطفال الذين سلبتهم الشظايا والألعاب المفخخة عيونهم. لم تعرف الإجابة، وعذبتها الحيرة.
هدلت يمامة كأنها تعطي الصبية والبنات إشارة الانطلاق، ودون أن تحظى بوقت كافٍ لاستئذان والديها، سارت عائشة في إثرهم على التراب الأحمر المترع بالماء. توغلوا بين صفوف خضراء بدت لامتناهية، وظنّت عائشة أنّ عيون الطائرات ستزوغ وهي تفتش عنهم وسط آلاف الأشجار المتشابهة، وأن اليأس سيغلبها فتهوي وراء الجبل.
أخيرًا، لاحت البورة، المكسوّة بالنباتات والشجيرات البرية القصيرة والصخور الكلسية وجذور العرقسوس، كجزيرة وسط بحر من أشجار الزيتون. تفرَّق الأطفال باحثين بعيون قلقلة عن ثمار الفطر، وسرعان ما صاح أحد الصبية متهلل الوجه لعثوره على الهدية الأولى. هرولت عائشة متمايدة باتجاهه لتشهد القطاف، فكادت تسقط، وارتجف قلبها بهلع، إلا أنها استعادت توازنها ومرحها بسرعة، وواصلت مجددًا بحذر أكبر. تأخرت عن الأولاد قليلًا، وفاتها المشهد. وقريبًا منها، هللت بنت بشعر أشقر، وتقافزت من الفرح، فقفزت عائشة أيضًا، وعرضت كفها لتمسكها وترقصا معًا، إلا أن البنت الشقراء تجاهلت يدها الممدودة، وانحنت تقطف هديتها من فم التراب الرطب، ثم التفتت مجددًا نحوها مداعبة وواضعة سبابتها على شفتيها المزمومتين “هوششش..”. فنظرت عائشة إلى حيث سدَّدت البنت بصرها. فجأة، شهق قلبها بصوت مكتوم كأنها رأت عصفورًا ملونًا أشفقت أن يفرَّ إن هي أصدرت صوتًا. تقدَّمت نحو صخرة بيضاء بحذر الصيادين، ثم جثتْ على ركبتيها أمام مظلة بنيّة صغيرة بساق بيضاء وحواف ملساء ناعمة كحواف شفاه الأطفال في المهد. مدَّت يدها لتقطفها، وأحست بلذة حلوة حين ضمّت أصابعها الصغيرة على الساق الاسفنجية البيضاء. جذبتها نحوها برفق، لكن المظلة الغضة العنيدة أبت أن تطيعها، بينما حظي باقي الأطفال بهدايا ملأت أكياسهم الصغيرة الملونة.
صاح منصور كأنه يحذر من طائرة في الأفق:
“انتبهوا..! العاصفة قادمة..!”
تراجعوا مبتعدين عن خط الأشجار ليتمكنوا من مراقبة السماء. وفي المدى القريب رأوا ركامًا هائلا من السحب الداكنة ينجرف نحو المخيم. ظلّ يتعاظم ويتكوّر وتتخلله التماعات البرق، فكان كماردٍ تتقد عيناه بالشرر. تراكضوا عائدين من حيث جاؤوا، وتسابقوا بحيوية، وهبَّت الريح الباردة في وجوههم، فالتفتوا إلى الخلف لتفقّد عائشة. لحقت بهم، ولم تتوقف عن الركض حين تجاوزتهم، فلابدّ أن والديها يبحثان عنها الآن. كانت أكمام سترتها الكبيرة ترفرف في الهواء كجناحي عصفور يحاول المحافظة على توازن جسده. أدركوها جميعهم، إلَّا الطفلة الشقراء، مها، التي علق حذاؤها في الوحل. وكان عليهم في حمى الركض تجاوز برك ضحلة من ماء المطر عبر ممر موحل بينها. انحشروا جميعا في الممر، وتشابكت الأقدام، وفقدت الأجسام الصغيرة توازنها. تناثر ما جمعوه من فطر إذْ تركوا ما في أيديهم أثناء تساقطهم تباعًا، وبرغم أن عائشة فعلت مثلهم متقية الأرض بيديها، إلا أن وجهها هوى منغمسًا في الطين الرحيم. أعانها الأولاد على الجلوس، وبقيت ذاهلة حتى أدركتها مها ومسحت لها وجهها بكم ثوبها الواسع.
أخذ شهاب إحدى ثمار الفطر ذات القبعات كروية الشكل من الطين، وقال بنبرة تشي بالتحسر:
“تخيلوا يا عجيان لو كان هذا الوحل بوظة بطعم الشكولاته! “
ومدَّ لسانه مدعيًا لعق قمع الفطر المكلل بالطين. قهقه الأولاد، وحاولت عائشة تذكر آخر مرة تناولت فيها المثلجات بالشكولاته، فلم تفلح. وبعفوية لعقت شَفتَها العليا استجابة لأوهام شهاب، فصدمها طعم الوحل العالق بحواف فمها، وبصقت عدة مرات، وظنّت أنّها ضربت كفًا بكف، ثم انفجرت ضحكتها في وجه الصمت المالح الذي خيّم فوق رأسها للحظات. اختُضّ جسمها النحيل، وحاولت الاستناد على ذراعيها المبتورين من فوق مرفقيها جراء انفجار الدمية الحزينة في قريتها، غير أنّ جسدها استسلم، وانقلبت على ظهرها مفترشة الوحل الذي لم يستطع تلطيخ فرحها الصافي كماء الينابيع. ضحكت بلا توقف، وحكّت ندبةَ جرحٍ في وجهها بأظافرها الوهمية، وفرَّتِ الدموع المختزنة من عينيها. وكذلك ضحك الأطفال الغائصون في الوحل معها، وضحكت أشجار الزيتون متمايلة مع الريح الآخذة في الاشتداد، وضحك المارد الداكن في الأعلى، وسُمع رعد ضحكاته المدوية فوق المخيم.. وظلَّ يضحك حتى ذاب قلبه البارد على هيئة قطرات متلاحقة أغرقت كل شيء من جديد.
* مجموعة “صوت الصمت” دار موزاييك 2024
مجلة أوراق/ العدد 24
