الانفراجة التي حدثت في سوريا بعد سنوات طويلة من انسداد الأفق تشبه منح فرصة أخيرة لمريض بالسرطان، أو فرحة أم بالإنجاب بعد أن أقنعها الجميع أنها عاقر. لم تعد مجرد فكرة نتداولها بحذر، خوفًا من السخرية أو الخيبة، بل تحولت إلى شعور يتسلل ببطء إلى التفاصيل اليومية. فرحٌ غير مكتمل، ولكنه يُصرّ على الظهور.
مزاج الشارع السوري اليوم لا يحتاج إلى استطلاع رأي أو دراسة اجتماعية. يكفي الإصغاء إلى حديث عابر في حافلة، أو نكتة تُقال عند بائع الخضار، أو تعليق سريع على سعر سلعة ما، يُقال هذه المرة مع جملة إضافية: “ماشي الحال أحسن من قبل”. في هذه المساحات الصغيرة يتعايش التفاؤل والتشاؤم؛ صار الكلام أقل حدّة، وكأن الناس قررت أن تمنح نفسها استراحة نفسية.
التشاؤم ما زال حاضرًا، يأتي غالبًا على شكل سخرية. السوري لا يقول إنه يائس، بل يضحك. يطلق نكتة سوداء، يبالغ في النقد، يسخر من حظه، من التعب، والانتظار، والمستقبل المجهول. هذه السخرية ليست ترفًا لغويًا، بل آلية دفاع قديمة. الفرق أن النكتة فقدت بعض سمّيتها، وكأنها تعبت من حمل كل هذا السواد في داخلها.
في المقابل، أصبح التفاؤل أكثر وضوحًا وحيوية. يظهر في جملة دارجة مثل: “بتهون..”، وفي خطط صغيرة تُقال بلا ثقة كاملة، لكنها تُقال دون اعتذار. في قصص العودة والبدايات الجديدة، في فيديوهات قصيرة لناس يضحكون بلا سبب واضح، وفي مقاطع لأغنية قديمة أو “صحاك الشوق” تعود فجأة إلى الواجهة. حتى منشورات “أيام زمان” تُشارك اليوم بنبرة أخفّ، بينما يظهر أشخاص ظننا أنهم اختفوا، ليعلنوا عودتهم الرمزية إلى الحياة!
هذا الفرح لا يخلو من التعب. أحيانًا يبدو كأنه لامبالاة، وأحيانًا كأنه محاولة لإقناع الذات بأن الأمور أفضل فعلًا. كثيرون يفرحون وفي القلب حرقة، لأنهم أرادوا للأمور أن تكون على صورة أخرى، أسرع أو أقل تكلفة. لكن الفارق أن هذه الحرقة لم تعد تلغي الفرح، بل ترافقه. صار ممكنًا أن تفرح وأنت قلق، وأن تضحك وأنت تعرف أن الطريق ما زال طويلًا.
اللافت أن التفاؤل والتشاؤم لا يتصارعان في الشارع السوري، بل يعيشان في الشخص نفسه بانسجام غريب. شكوى طويلة، يتبعها حديث عن الغد. تذمر واضح، ثم مساعدة عفوية، أو ضحكة صادقة. هذا ليس تناقضًا، بل خبرة!!
الثقافة الشعبية تعكس هذا التحوّل بوضوح. الأغاني الرائجة، العبارات المتداولة، والتريندات اليومية، تميل اليوم أكثر نحو الضوء، دون أن تنكر العتمة. لا أحد يعد بنهاية سعيدة، لكن كثيرين باتوا يؤمنون ببداية جديدة.
التفاؤل في الشارع السوري لم يعد فكرة مؤجلة، بل ممارسة يومية، مهما بدت متعبة. والتشاؤم لم يعد قدرًا، بل تعليقًا عابرًا. نعم، عاد السوريون إلى الواجهة، وبصورة مختلفة عن التوقعات. وتستمر الحياة… هذه المرة، بإيقاع أسرع، ونفس أطول.
مجلة أوراق/ 26

Leave a Reply