حسن عبد الله الخلف: من الميّة للورق، ومن الورق للنّبض

على ضفاف الفرات كانت البيوت تُبنى من الطين واللَّبِن، تُسقَف بالأعمدة، وعيدان البَرْدي، والزَّل الفراتي. لم تكن أرض النهر تُنبت نخلًا، بل تُنبت الذاكرة، وتسقي القلب بصوت الغناء (عتابا، لگاحي، وموليا) في الليالي الشتوية الطويلة حول مدفأة الحطب، وليالي السمر الصيفية فوق الساكية، أمام البيوت، على ضوء “اللُوكس”. تتخلّل السهرة أخبار “صوت العرب” و”مونت كارلو”

في تلك الربوع، لم يكن هناك ما يُغري السلطة، ولا ما يُقلق السياسة، فقط بيوت طينية، وأغنام، وخيول أصيلة، وعشّاق يسرقون النظرات بين الحيطان وسواقي الماء.

عسّاف الموسى، الفتى الذي شبَّ مبكرًا على الوجع، لم يعرف من الدنيا سوى ثلاث: مدرسته، وأبوه الفلّاح، ودهلة الحمد.

أمّا دهلة، فكانت مهرة أصيلة، وصوتًا عذبًا كعذوبة ماء الفرات. كانت تُغنّي لعسّاف بصوتها اللگاحي، في جلسات السمر، حين كانت الأصابع تشتبك ببعضها، والقلوب ترسل إشارات على جهاز نبضات العشق الصوفي العذري، لا غيره من الوجع.

كانا عاشقَين لا يعرفان كيف يُعبّران عن الحبّ، إلا بالصمت الطويل، والنظر الخائف.

افترقا بلا وداع، ولا حتى رسالة على ورق برديٍّ من بردي الفرات، فقط سكتة عيون في آخر صباح، وماء يُغرق أطراف القرية.

قبل الغمر بيوم، كانت القرية كلّها في خدر الوداع.

العجائز يُقبّلن الجدران، والأطفال يركضون في الحارات كأنّهم يودّعون لعبة الطين الأخيرة.

ومنهم من ذهب إلى المقبرة يحمل رُفاة أهله، لا يريد لمياه البحيرة أن تغمر عظام أجداده.

وفي ذلك المساء، وقفت دهلة الحمد أمام بيتها، تُغنّي بصوتٍ مبحوح، ممزوجٍ بالدمع:

جانا الغَمَر فرّقنا… كل بيت صار بديرة

لَكَرب مهيرة شوقي… وألم شَمل العشيرة

عندما غمرت مياه سد الفرات سهولهم الخصبة، قرّر والد فرات الرحيل وقال:

“إن الأرض إذا غرقت، تبقى الذكريات بلا جذور، ونحن لا نأكل الذكريات.”

شدّ الرحال إلى “القامشلي” المنفى القسري له ولمن مثله وهناك كبرت دهلة أكثر، ودخلت معهد المعلّمين، قسم الموسيقا والفنون.

تزوّجت بعد سنوات طويلة، ورُزقت بطفل سمّته “عسّاف”، تيمّناً بمحبوبها الأوّل، وعُيِّنَ زوجها مسؤولاً بارزاً في الحزب، فنُقلا إلى مركز محافظة الرقة بعد أن قضيا سنواتٍ في الحسكة.

لكن حياتها لم تبقَ على حالها.

عادت دهلة إلى التدريس، بعد أن انفصلت عن زوجها، الذي تزوّج مُدرّسةً غيرها، طمعًا في الترفيع بالمناصب، والوصول بوظيفته الحزبية إلى العاصمة.

أما عسّاف، فظلّ حارسًا للفرات. كبر أولاده، وانتقل من أجل دراستهم إلى المدينة.

تزوّج وأنجب، وسمّى ابنته الوحيدة دهلة، تيمّنًا بمن تعلّق قلبه بها، قبل أن تُغرق المياه صوتها.

واعترض كثيرون على هذا الاسم القديم…!

بقي يُعلّم أبناء الريف والمدينة، يزرع الأبجدية في أفواه صغار لا يعرفون أنّ معلّمهم يعيش على ذكرى أنثى واحدة، نحتت في داخله ضوءها… ورحلت.

وما كان يعرفه عسّاف، أن دهلة لم تُغنِّ لأحد بعده.

غنّت لزوجها، حين اضطُرّت، أمام ضيوفه، أو في احتفالات الفرع؛ لكنّها لم تُغنِّ من قلبها إلا في جلسات السمر القديمة.

لم تُغنِّ من أجل الحب، ولا للفرح.

كانت كل أغنية بعدها، مجرّد محاولة لطمس صوتها الأوّل، ذاك الذي كان يخرج من بين أصابعها، حين تمسك كفّ عسّاف في الظلام.

وذات يوم، أُرسلت لتدريس مادة الموسيقا في مدرسة المتفوّقين، بعد أن أخذ منها الزمن الكثير.

دخلت القاعة الأولى متعبة، وجلست أمامها طفلة تحمل ملامحها القديمة.

حين نادت اسمها، ارتجفت:

– ما اسمكِ؟

– دهلة العسّاف…

سقط قلبها. قرأت الاسم على دفتر الطفلة، فكتبت بخطٍّ لا يعرفه غير شخص وحيد، الاسم ذاته…

ثم همست للتلميذة هذه الملاحظة:

“خذيها إلى أبيكِ، وخَلّيه يقراها بصوته”

 ضناك ليّا ضنى، يا هواي، يا ريتـه

ترجع سنيني لورا، وارجعلك بنيّة

وفي اليوم التالي، عادت الطفلة برسالة أخرى، على الصفحة نفسها من دفتر الملاحظات:

 گصّيتلچ بالأثر بحيطان كُـلّيتـي

مو بس دليلي انعمى، مصيوب كُـلّيتـي

ظلّيت واگف حَـرَس أيّام، ما جيتي!!

مواد شوگي أرسبن، وحزني خذا الـ100

ومنذ ذلك اليوم، بدأت الرسائل تُتبادَل.

كل ورقة كانت حفرة صغيرة يُدفن فيها عمرٌ بأكمله.

وفي يوم توزيع الجلاءات، طلبت المدرسة من الطفلة أن تُحضر والدها لحضور التكريم.

لكنّ المعلّمة كانت تعرف أنّ الأمر أعمق من تكريم…

إنّها لحظة المواجهة بين الورق والحقيقة، بين الحبّ والزمن.

دخل عسّاف المدرسة، يحمل دفتر الطفلة، وعيناه تبحثان عن اسمٍ ضائع، منذ فيضان السد والذاكرة.

رآها ،ركضت نحوه، أمسكت بيد الطفلة، ثم وقفت أمامه.

للحظة، أراد أن يضمّ الاثنتين، أن يُعيد الزمن للوراء، ويهمس:

 اثنينچن بالحضن، حسرات لو أگدر

بإيدي أنثر الزّلف، وبالثانية المِنحر

وينك يا بَخت الجِدِم، بخطواتها تِعثِر

تَ أتلگى ولفي الجهل باثنين إيديّا

لم يُعرف في الرقة إن كان اللقاء هذا قد اكتمل، أم أنّ الحزن – كعادته – سرق المشهد الأخير…

لكنّ بعض الطلبة ظلّوا يتحدّثون عن معلّمهم الذي صار صوته خافتًا في الفصل، والذي كان يسرح أحيانًا، ويردّد وحده:

 أيّامنا البالهَنا، ماتن مع الماتـم

يا حيف بعد الهوى، نصيبنا ما تـم

نبني چوادر حزن، وأفراحنا ماتـم

وندعي توالي الگلب، نيران جمريّـة

يقولون إن الطين إذا غُمِر بالماء أكثر من مرّة، لا يعود صالحًا للبناء.

لكن قلوبنا الفراتيّة – رغم الغمر، والنزوح، والمخافر، والحواجز، والخرائط – ما زالت تبني.

نبني بها القصص، والرسائل، والدفاتر المدرسيّة، ونسمي بناتنا على أسماء من أحببناهم…

حتى إذا التقينا بهم بعد عمر، لا نقول لهم “أين كنت؟”

بل نفتح اليد، ونقول:

“من الميّة للورق… ومن الورق للنّبض… كلشي مكتوب يا فرات.”

ملاحظة :

هذه الحكاية مستوحاة من تعليق جميل وموجع كتبه الشاعر الرقيّ حسام الموسى، ردًا على طلب من ابن الرقة الفنان أحمد عواد الشلاش، حين طلب من شعراء الرقة التعليق على إحدى لوحاته الفنية الرائعة.

فقال حسام بكل شفافية الحنين:

“تراك وازيتني يا أحمد…”

وأنا… وازاني حسام، وأزاح غصّة قديمة لم أكن أعرف كيف أكتبها.

اعتمدت على ما خطّه حسام في تعليقه، وبنيت هذه الحكاية على ألمه الجميل.

لهم مني، لحسام وأحمد، ومن خلالهما لكل أبناء الرقة الذين غمرهم الماء، ولم تُغمر قلوبهم،

كل التحية والمحبّة والامتنان.

*صحفي سوري

مجلة أوراق/ العدد 24

Share:

You Might Also Like