حسام الدين محمد: تموز والتوراة و«ثارات الحسين»: مفاعلات مقدسة!

تعيد العملية الإسرائيلية الجارية في إيران، حسب القناة 12 العبرية، إلى الذاكرة مقطعا كُتب عشيّة ليلة السبت التي صادفت حدث قصف المفاعل النووي في العراق. نشر الحاخام تسفي يهود هكوهين كوك حينها رسالة إشادة بالهجوم قائلا: «طوبى لك يا إسرائيل. أنت مثلي. شعب أنقذه الرب، درع عونك، وسيف كبريائك. سينكرك أعداؤك، وستدوس مرتفعاتهم. تذكر أنه هو الذي يمنحك القدرة على فعل الخير».
تقارن القناة إذن بين عملية «الأسد الصاعد» الإسرائيلية التي انطلقت ضد إيران في 12 حزيران/يونيو، والتي ضربت مفاعل نطنز النووي قرب أصفهان، و»عملية أوبرا» (سمّيت أيضا بابل)، التي قضت على المفاعل النووي العراقي «تموز» في 7 يونيو 1981، عشية «عيد الأسابيع» من عام 5741 اليهودي.
الحقيقة حسب التاريخ الميلادي أن العملية ضد إيران جرت فجر الجمعة (وليس السبت)، وأن الفارق بين الحدثين هو 44 عاما و6 أيام، وإذا كان هذا لن يقلّل من حماسة من يريد الاجتهاد، من الإعلاميين أو رجال الدين والساسة، المشغوفين باكتشاف معان دينية وأيديولوجية للأحداث العسكرية، فهو لن يقلّل أيضا حجم المفارقات التاريخية والرمزية، التي يمكن وضع اليد عليها لو بذلنا جهودا كافية، وتزودنا بقدرة على التأمل التراجيدي في الأحداث، التي أطلقتها سلسلة هذه الوقائع الرهيبة.
تعلق القناة العبرية: «الآن، وبينما يبدو أن التاريخ يعيد نفسه – في قلب الشرق الأوسط، يوم السبت، تعود كلمات الحاخام وتكتسب معنى جديدا ومؤثرا. تصف الآية المقتبسة إسرائيل كشعب مميز، خلاصه في الخالق الذي يمنحه العون والشجاعة والفخر – وبفضل القوة التي تأتي من خالق العالم، لدينا القدرة على العمل والفوز في الحروب».

الشياطين تسحب تموز!

يحفل موضوع المفاعل العراقي، الذي هزّ تدمير إسرائيل له، العالم العربي وقتها، بحصة وافرة من الرمزيّة، فقد اشتراه العراق حينها من فرنسا (الدولة التي رعت تأسيس البرنامج النووي الإسرائيلي!)، وكان من طراز أوزوريس، الإله الأكثر شهرة في الأساطير المصرية القديمة، الذي كان فرعونا يقوم أخوه ست بقتله، وتقطيع جثته إلى اثنين وأربعين قطعة، واغتصاب عرشه. يعود أوزوريس إلى الحياة بفضل جهود زوجته المخلصة الإلهة إيزيس التي تجمع أشلاء زوجها وتحبل منه لتلد حورس الذي يقتل ست ويستعيد العرش.
لتسمية مفاعلهم اختار العراقيون، بدورهم، اسما هو لنظير أوزوريس المصري، إله الخصب والبعث العراقي تموز (أو دموزي)، الذي تسحبه الشياطين أيضا إلى العالم السفلي بقرار من زوجته إنانا، ثم تبدّل رأيها فيتبادل الصعود والهبوط من العالم السفلي إلى العلوي، فتستمر بذلك دورة الفصول، وقد سمّيت حركة شعرية في الشعر العربي بحركة تموز، حيث استخدم الشعراء هذه الأسطورة للتعبير عن آمال أمتهم بالانعتاق من الاحتلال والظلم. بحمولتها الرمزية الضخمة، محت العملية الإسرائيلية ضد العراق حدثا آخر يستحق، في الظروف الراهنة، أن يستعاد من «العوالم السفلي» للتاريخ، وهو الهجوم الجوي المفاجئ الذي شنته القوات الجوية لجمهورية إيران الإسلامية في 30 أيلول/سبتمبر 1980 على المفاعل النووي العراقي نفسه. قامت بالهجوم، 4 طائرات إيرانية ـ أمريكية من طراز فانتوم، تزودت بالوقود في الجو بالقرب من الحدود الإيرانية ـ العراقية. كان ذلك أول هجوم في العالم على مفاعل نووي، وأول «هجوم وقائي» تشنه طهران لمنع العراق من تطوير سلاح نووي قد يهدد إيران في المستقبل.
سمى الإيرانيون هجومهم «عملية السيف المحروق» (بالفارسية: عمليات شمشير سوزان)، وهي تسمية، لا تستدعي حاليا، سوى السخرية الممزوجة بالكمد. يستدعي «السيف المحروق» الإيراني، أيضا، وإتباعه بهجوم إسرائيلي مشاعر متضاربة أيضا، وخصوصا مع استخدام إسرائيل مصطلح «الهجوم الوقائي» نفسه الآن، ضد إيران بعد انتهائها من العراق.

«الراية الحمراء» وسيف ذو الفقار

مع انطلاق الهجوم الإسرائيلي، والرد الصاروخي الإيراني، ارتفعت حمولة الرمزيّ والمقدّس في الجمهورية الإسلامية، فأعلنت وسائل الإعلام عن رفع «الراية الحمراء» فوق قبة مسجد جمكران في مدينة قم، التي تحظى بمكانة دينية خاصة في المذهب الشيعي الإثني عشري، وهي راية مكتوب عليها «يا لثارات الحسين»، وهي راية رفعها «التوابون» الذين ثاروا بعد مقتل الإمام الحسين، وتعد في التراث الإيراني «إعلان حرب»، لا ينزلها أولياء الدم إلا بعد الأخذ بالثأر.
وسارعت بعض وسائل الإعلام الإيرانية إلى ارتقاء هذا المنحى، فظهرت صحيفة «عصر إيرانيان» الأصولية بعنوان رئيسي: إيران أصبحت سيف «ذو الفقار» علي بن أبي طالب، فيما وصفت «اقتصاد آينده» الاقتصادية الرد الإيراني بـ»القصاص المقدس». غير أن هذا الصعود الرمزيّ إلى «العالم الأعلى»، يحاول، عمليا، تجاهل الهبوط إلى «العوالم السفلى» الذي حصل مع الفضيحة الكبيرة التي شكّلها اغتيال القادة العسكريين الرئيسيين، والعلماء النوويين، في اليوم الأول للهجوم الإسرائيلي. تفيد هنا استعادة ما أشار إليه الكاتب اللبناني ساطع نور الدين في مقالته الأخيرة: «حرب الخليج الثالثة… خامنئي على خطى صدام»، من تشابهات بين وضعيتي إيران اليوم والعراق أمس، مثل تسريب معلومة قرب إنتاج طهران للقنابل النووية، المماثلة لقصة أسلحة الدمار الشامل العراقية، ويعتبر أن إيران اليوم «من الحماقة بحيث نسيت كما يبدو تجربة صدام القاتلة، على الرغم من أنها كانت يومها شريكة الأمريكيين والتحالف العربي والدولي الذي شكلوه لغزو العراق».
تزامن صعود النازية في ألمانيا مع موجة تأييد لـ»الأصولية الآرية» في إيران، وغيّر الشاه رضا بهلوي اسم بلاده من فارس إلى إيران، نسبة إلى الآرية، في عام 1935. من الصعب، ضمن السياق التاريخي لهذه النقلة المرتبطة بالشاه والغرب، ألا يدفعنا قرار آية الله الخميني، والنخبة التي حكمت عام 1979 إثر سقوط الشاه، لاعتماد الاسم نفسه، وليس العودة الى اسم فارس، المرتبط بالثقافة الإسلامية، إلى التأمل في هذه المفارقة، وخصوصا حين نشهد هذا الاشتباك الهائل الحاصل حاليا، والذي أعادت إسرائيل، بهيمنتها الفظيعة على المنطقة، قلبه رمزيّا وثقافيا ودينيا كما عسكريا، بصيرورتها في رأس هرميّة نظام «الرجل الأبيض»، النظام نفسه الذي قاد مهلكة فظيعة لليهود والآن يقود مهلكة فظيعة للمسلمين؟
تسببت عملية «السيف المحروق» الإيرانية الفاشلة بأضرار طفيفة، وأصلح فنيون فرنسيون الضرر بعد ذلك. في أعقاب ذلك، رسخت عملية أوبرا/ بابل وما يتصل بها من تصريحات للحكومة الإسرائيلية وقتها، مناحيم بيغن، الذي أعلن صراحة أن الهجمة ليست حالة شاذة، وإنما «سابقة لكل حكومة مقبلة في إسرائيل».
في النهاية دُفن «تموز» العراقي (وأوزوريس المصري) في العوالم السفلى من دون أمل بالحياة مجددا، ولا عزاء لشعراء «حركة تموز»، وتبدو تلك المقدّمة، التي ساهمت في صنعها إيران، مرتبطة بالنتيجة التي نراها الآن.

القدس العربي

Share:

You Might Also Like