جميل إبراهيم صالح: البئر المسحورة

دعك عينيه بقوة وأقفل الباب الخشبي خلفه فبانت تباشير الصبح على البيوت الطينية القليلة والمترامية على أطراف القرية وهي تغفو بأمان في الصباحات الندية. دلف صوب الطريق المؤدية إلى الحقول فلاحت له الدروب المتربة موحشة خالية من سالكيها. تخيلَ يوم كانت القرية تعجّ بالفلاحين المغادرين إلى الحقول والملوّحين بأيديهم بالتحية كلّ صباح، مهللة وجوهم بالبشر، ينشرون الفرح حولهم، فتزدان الأرض بالخضرة والنماء تحت أيديهم، قبل الذي حدث منذ أعوام مرّت وأشغلته ودكّت مضجعه، ومذ ذاك وحال القرية يسير من سيئ إلى أسوأ.

دخل مرج الذّرة فبدتِ الأكواز ذابلة، تنحني صوب الأرض التي داهمتها الشيخوخة، فحفر الجفاف والجدب شقوقه بين أديمها، فبانت أرتال النمل طويلةً بين أخاديد الشقوق، في هذه اللحظة حنّ لوالده وتذكر كيف كان شاباً يذهب إلى الحرث وسقيِ الحقول من الفجر حتى المساء، وفي بعض الأحيان كان لا يراه لانشغاله الدائم. أيقن أنّ موت أبيه أبداً لم يكن حادثاً عابراً على أهل القرية، أو حتى عليه، فمذ ذاك وحال القرية لا يسُرّ، جدبٌ وقحطٌ وجفاف، وسماءٌ أمسكت مطرها، وهجرةٌ لأغلب القاطنين، فالفلاحون ينسلّون منها واحداً إثر آخر بعد أن كانت القرية تنعم في خضرة دائمة. حدّثَ نفسه كيف كان يلحُّ على أعمامه بالسؤال إثر السؤال عن سببِ موتِ أبيه وكيف سقط في أعماق البئر فجأة رغم إن إخوته جميعاً كانوا على مقربة منه، كانت إجاباتهم ضبابية وغير مفهومة بالنسبة لطفل صغير.

كبر وكبر معه هذا السؤال وأصبح ينام معه ويحدّث نفسه مراراً به، أدرك أن للبئر سطوته على تلك الحادثة، فالجميع يعرف أنّ حال القرية تكدّرَ بعد الذي حدث. جزَّ بيديه الأعشاب الضّارّة من بين سيقان الذّرة، وأمعن النّظر إلى البعيد حيث أعمدة البئر الخشبية، فبدت له متهالكة، أدار وجهه حيث التلال الترابية الصغيرة التي تعلوها البيوتات الطينية وقد انبعث منها دخان التنانير، فالصّباح في القرية له طقوسه الخاصة. همّ بالعودة ولكنّه رجع ببصره صوب الأرض الظّمأى، وتأمّلَ البئر البعيدة واستردّ بعض ما تجمّع في ثنايا دماغه مذ كان طفلاً يجالس عجائز القرية:

  • “الجميع يؤكّد أن الإخوة استدرجوا أخاهم إلى البئر العميقة ودفعوا به إلى الأعماق فقتلوه، وأشاعوا أنّه سقط فجأة بينما كان يشدُّ حبال القرب التي يدلّى بها الماء. مسكين ذلك الشاب كان كفلقة قمر وابتلي بإخوة شياطين!”.
  • “كيف يغور ماء البئر في الأعماق إلا بسبب غدر الإخوة بأخيهم؟ لقد أصابت البئر لعنة الغريق فاغتال البئر نفسه فغار ماؤه وفُجِعت الأرض باليباب، وهجر الناس القرية”.
  • “البئر ليس له ذنب، فالذنب ذنب ابنة الحطاب، كيف دفنت سحرها في البئر لتسحر الأمير فيخطفها من القرية؟ ألا تذكرنَ كيف حدث لها ذلك؟ ألا ترينَ أنّ ماء البئر تغير طعمُه، بل حتى لونه تكدّر، وكيف تخرج أفاعٍ صغيرة من القرب لحظة دلو الماء؟”

كل تلك الأصوات تنثال في رأسه فتحيله إلى صراع يجتاح كيانه، تأبط فأسه ومجرفته وإسفيناً حديدياً صدئاً واتّجه صوب البئر، اجتاز مقبرة القرية، ووصل عند التل الذي يقع أسفله البئر، اقترب منه وأمسك بأحد المحامل الخشبية التي تعلوه وقد غطاه ذرق الطيور فتغير لونه. أطلّ من فوهة البئر ليتأمل جدرانه وأعماقه الغائرة، فقد ألف تلك الجدران منذ كان طفلاً يتيماَ، والأقدار وحدها التي قادته ليعرف كل صغيرة وكبيرة عن بئر معطل عاقر لا تنبض قيعانه بالماء، فالقحط يجتاح القرية والجميع يحاول الفرار من الجوع والظمأ.

وحده حمل فأسه ونزل البئر يحول قدميه بين أعشاش صغار البوم وعشرات الأعشاش المتهدلة على الجدران ومغاور الخفافيش والحشرات التي عشعشت لسنين في بئر مهجور، ينزل بحذر بالغ بين الشقوق المحفورة منذ إنشائه فتأخذ قدميه ويديه بالارتعاش، ويكسوه عرق غزير يصبح طيناً لزجاً عند نهايات أطرافه التي تتكسر تحتها أجساد حشرات متفسخة. شيء يمور في صدره لسنين يجعله يحث خطاه القليلة صوب قاع البئر الرطب، في القيعان بدا وجه الماء متكدراً لولا صفحة الضياء المنبعثة من الأعالي، وتغطيه حشرات ميتة متفسخة وريش الطيور. خاض في الماء خطواته الأولى فأحسّ بقيعانه طينية آسنة، وزكمت الروائح والعطن أنفه، أنزلَ مجرفته الصغيرة وأخذ يجوس الأرضية الرخوة، فترجع ببقايا طينٍ آسنٍ عطّلَ رئتيه، يجوس قاع البئر ويتنهد فيتردد صدى تنهده في فضاء البئر.

فجأة أحسّ بشيء يرتطم بقدميه، تحسّسه وغسله بالماء فكان خنجراً صدئاً ذا مقبض خشبي عليه شعار عرفه في الحال، بل ينتمي إليه. شعر بقلبه ينبض بسرعة ويكاد يخرج من قفصه الصدري، وصاح: “ربما هذا خنجر أبي!”، وردّدت جدران البئر صدى صوته، فوضعه عند حزام خصره الجلدي، وأكمل الحفر بعينين دامعتين ونفَسٍ يتردّد بشدّة، عند أسفل البئر ارتطمت المجرفة بحجر. مدّ يدَيه ليحمله فبدا ثقيلاً وقد زاد من ثقله أنه مربوطٌ بحبلٍ متين، أنزلَ الحجر وتتبّعَ الحبل العريض ليصل إلى نهايته وقد رُبطَ بطرفه حجرٌ آخر، وبدا الحبل مجدولاً بعناية، فكَّ طرفَ الحبلِ من الحجرين، وتأمّله فلاحظ أنّه قد جفّ بسرعة من الماء.

على الضوء الضئيل المنساب من فتحة البئر قرّرَ أن يفكّك الحبلَ المتكون من عدة ضفائر تتوسطها خصلة شعر نسائية طويلة، أخرج الخصلة وتأملها فكانت تبدو مع الحبل كتعويذة ألقاها أحدهم في قاع البئر. شعر ببرودة الماء فجأة بين قدميه، وارتفع مستواه إلى يديه، أنزلَ جسدَه وتحسّسَ مكان مصدر الماء المتدفق فلم يجد شيئاً، وصعد مستوى الماء البكر نابضاً ليغسل الجدران الصدئة من ذرق الطيور والخفافيش، وليغسل أدران القرية من جديد.

أنعش الماء البارد صدره وتهلّلَ وجهه، خارت قواه وتمنى لو يمتلك جناحين فينشر البشرى على وجوه من تبقى من أهل القرية ويفرحهم بولادة البئر من جديد.

ما زال مستوى الماء يرتفع ويكاد يغمر جسده، فيأخذ نفساً قوياً ويغطس من جديد، جاسّاً يديه بين جدران البئر باحثاً عن مصدر الماء المتدفق، ويكاد يختنق في الأعماق فيُخرِج جسده بقوة عابّاً بكلّ ما أوتي من قوةٍ الهواء إلى رئتيه، ويردد في هذه الأثناء في نفسه: “هل ستفطن القرية لغيابي ويتذكرني أحدهم؟”.

*مجلة أوراق/ 25

Share:

You Might Also Like